سورة آل عمران — الآية ٤٥
اذكر - أيها الرسول - إذ قالت الملائكة: يا مريم، إن الله يبشّرك بولد يكون خَلْقُه من غير أب، وإنما بكلمة من الله بأن يقول له: «كن»، فيكون ولدًا بإذن الله، واسم هذا الولد: المسيح عيسى بن مريم، له مكانة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة، ومن المقربين إليه تعالى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَمَرْيَمَ وَعِيسَى ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أَيْ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ سِهَامَهُمْ فِي الْمَاءِ لِلِاقْتِرَاعِ ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ يَحْضُنُهَا وَيُرَبِّيهَا ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِي كَفَالَتِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إِنَّمَا قَالَ: اسْمُهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى عِيسَى وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ مَسِيحًا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ يَعْنِي أَنَّهُ مُسِحَ مِنَ الْأَقْذَارِ وَطُهِّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمَصَ لَهُ، وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، مِثْلُ عَلِيمٍ وَعَالِمٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِأَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَكَانٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةً. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وَيَكُونُ الْمَسِيحُ بِمَعْنَى الْكَذَّابِ وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ وَالْحَرْفُ مِنَ الْأَضْدَادِ ﴿وَجِيهًا﴾ أَيْ شَرِيفًا رَفِيعًا ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ صَغِيرًا قَبْلَ أَوَانِ الْكَلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ قَالَ: " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ " [الآية: ٣٠] وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إِذَا خَلَوْتُ أَنَا وَعِيسَى حَدَّثَنِي وَحَدَّثْتُهُ فَإِذَا شَغَلَنِي عَنْهُ إِنْسَانٌ سَبَّحَ فِي بَطْنِي وَأَنَا أَسْمَعُ [[لا يتناسب هذا القول مع نص الآية الكريمة ولم يذهب إليه غير مجاهد وقد أورده المؤلف بصيغة التضعيف.]] قَوْلَهُ ﴿وَكَهْلًا﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي إِذَا اجْتَمَعَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: ﴿وَكَهْلًا﴾ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: أَخْبَرَهَا أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَكْتَهِلَ، وَكَلَامُهُ بَعْدَ الْكُهُولَةِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُعْجِزَةِ، وَقِيلَ: ﴿وَكَهْلًا﴾ نَبِيًّا بَشَّرَهَا بِنُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ مُعْجِزَةٌ وَفِي الْكُهُولَةِ دَعْوَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَهْلًا﴾ أَيْ حَلِيمًا. وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ الْكُهُولَةَ لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الْوُسْطَى فِي احْتِنَاكِ [[في ب احتباك.]] السِّنِّ وَاسْتِحْكَامِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
أَيْ: هُوَ مِنَ الْعِبَادِ الصَّالِحِينَ.
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ بَدَلٌ مِن إذْ قالَتِ الأُولى وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ عَلى أنَّ وُقُوعَ الِاخْتِصامِ والبِشارَةِ في زَمانٍ مُتَّسِعٍ كَقَوْلِكَ لَقِيتُهُ سَنَةَ كَذا. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المَسِيحُ لَقَبُهُ وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالصِّدِّيقِ وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًا مَعْناهُ: المُبارَكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ واشْتِقاقُهُما مِنَ المَسْحِ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما طَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ مَسَحَ الأرْضَ ولَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ، أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ، ومِنَ العِيسِ وهو بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، تَكَلُّفٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وابْنُ مَرْيَمَ لِما كانَ صِفَةً تُمَيِّزُ تَمْيِيزَ الأسْماءِ نُظِّمَتْ في سِلْكِها، ولا يُنافِي تَعَدُّدَ الخَبَرِ وإفْرادَ المُبْتَدَأِ فَإنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ، فَإنَّ الِاسْمَ عَلامَةُ المُسَمّى والمُمَيِّزُ لَهُ مِمَّنْ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِيسى خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وابْنُ مَرْيَمَ صِفَتُهُ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ إذِ الأوْلادُ تُنْسَبُ إلى الآباءِ ولا تُنْسَبُ إلى الأُمِّ إلّا إذا فُقِدَ الأبُ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن كَلِمَةٍ وهي وإنْ كانَتْ نَكِرَةٌ لَكِنَّها مَوْصُوفَةٌ وتَذْكِيرُهُ لِلْمَعْنى، والوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ في الجَنَّةِ أوْ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.
والمَهْدُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهِّدُ لِلصَّبِيِّ في مَضْجَعِهِ. وقِيلَ إنَّهُ رُفِعَ شابًّا والمُرادُ وكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ، وذَكَرَ أحْوالَهُ المُخْتَلِفَةَ المُتَنافِيَةَ إرْشادًا إلى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ ثالِثٌ مِن كَلِمَةٍ أوْ ضَمِيرِها الَّذِي في يُكَلِّمُ.
﴿اسْمه الْمَسِيح﴾ أَي: مُسِحَ بِالْبركَةِ؛ فِي تَفْسِير الْحسن. ﴿ووجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَجُهَ الرجل، وأوجهني أَي: صيرني وجيها. ﴿وَمن المقربين﴾ عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة.
﴿إذ قالت الملائكة﴾: إذ: اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: اذكر، و﴿قالت الملائكة﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية ﴿قالت الملائكة﴾ في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿إذ قالت...﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿يا مريم﴾: يا حرف نداء، ومريم منادى مفرد علم.
﴿إن الله يبشرك﴾: الجملة مقول القول، وإن حرف ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وجملة يبشرك خبرها.
﴿بكلمة﴾: جار ومجرور متعلقان بيبشرك.
﴿منه﴾: صفة لكلمة.
﴿اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾: اسمه مبتدأ، والمسيح خبر، والجملة صفة ثانية لكلمة، وعيسى بدل من المسيح، وابن مريم بدل أو نعت.
﴿وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾: وجيهًا حال من ﴿كلمة﴾، والجار والمجرور متعلقان بـ﴿وجيهًا﴾ فهما في موضع نصب على الحال.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وعِيسى، ومَرْيَمَ. والأنْباءُ: الأخْبارُ. والغَيْبُ: ما غابَ عَنْكَ. والوَحْيُ: كُلُّ شَيْءٍ دَلَّلْتَ بِهِ مِن كَلامٍ، أوْ كِتابٍ، أوْ إشارَةٍ، أوْ رِسالَةٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والوَحْيُ في القُرْآَنِ عَلى أوْجُهٍ تَراها في كِتابِنا المَوْسُومِ بِـ"الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" مُونِقَةَ. وفي الأقْلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُكْتَبُ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّها العِصِيُّ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّالِثُ: أنَّها القِداحُ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: هي قِداحٌ جَعَلُوا عَلَيْها عَلاماتٍ يُعَرِّفُونَها عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ. وإنَّما قِيلَ لِلسَّهْمِ: (p-٣٨٩)القَلَمُ، لِأنَّهُ يُقَلَّمُ، أيْ: يُبْرى. وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ومِنهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، لِأنَّهُ قُلِّمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ومِنهُ: قَلَّمْتُ أظْفارِي. قالَ: ومَعْنى: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ لِيَنْظُرُوا أيُّهم تَجِبُ لَهُ كَفالَةُ مَرْيَمَ، وهو الضَّمانُ لِلْقِيامِ بِأمْرِها. ومَعْنى: ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عِنْدَهم وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَفالَتِهِمْ لَها آَنِفًا. وفي المُرادِ بِالكَلِمَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها بِشارَةُ المَلائِكَةِ مَرْيَمَ بِعِيسى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ. والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ لِعِيسى، وسُمِّيَ كَلِمَةً، لِأنَّهُ كانَ عَنِ الكَلِمَةِ. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِالكَلِمَةِ مِنَ اللهِ تَعالى. وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمِهِ أُخْمُصٌ، والأُخْمُصُ: ما يَتَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ القَدَمِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ مَسَحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المَسِيحِ: الصَّدِيقُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وذَكَرُهُ اليَزِيدِيُّ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ومَعْنى هَذا أنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ. والخامِسُ: أنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ: يَقْطَعُها، ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ. وبَيانُهُ: أنَّهُ كانَ كَثِيرَ السِّياحَةِ. والسّادِسُ: أنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ القاسِمِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَسِيحُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: المَسِيحُ الدَّجّالُ، والأصْلُ فِيهِ: المَمْسُوحُ، لِأنَّهُ مَمْسُوحُ أحَدِ العَيْنَيْنِ. والمَسِيحُ عِيسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ "مُشِيحا" بِالشِّينِ، فَلَمّا عَرَّبَتْهُ العَرَبُ، أُبْدِلَتْ مِن شِينِهِ سِينًا، كَما قالُوا: مُوسى، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مُوَشى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ، فَقالَ: المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، لِأنَّ المَسِيحَ أشْهَرُ مِن عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ بِهِ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ، ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ. فَأمّا قَوْلُهُ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، فَإنَّ ما نَسَبَهُ إلى أُمِّهِ، لِيَنْفِيَ ما قالَ عَنْهُ المُلْحِدُونَ مِنَ النَّصارى، إذْ أضافُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
(p-٣٩٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجِيهًا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَّوْجِيهُ في كَلامِ العَرَبِ: المُحَبَّبُ المَقْبُولُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ: ذُو الجاهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ذُو المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ ذَوِي القَدْرِ والمَعْرِفَةِ، يُقالُ: قَدْ وجَّهَ الرَّجُلُ يُوَجِّهُ وجاهَةً، ولِفُلانٍ جاهٌ عِنْدَ النّاسِ، أيْ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ قالَ قَتادَةُ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ، وهو التَّوَطِئَةُ. وفي تَكْلِيمِهِ لِلنّاسِ في تِلْكَ الحالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِتُبَرِّئَهُ أمَّهُ مِمّا قَذَفَتْ بِهِ. والثّانِي: لِتَحْقِيقِ مُعْجِزاتِهِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكَلَّمَ ساعَةً في مَهْدِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ. ﴿وَكَهْلا﴾ قالَ: ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَمَكَثَ في رِسالَتِهِ ثَلاثِينَ شَهْرًا، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جاءَهُ الوَحْيُ عَلى رَأْسِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ في نُبُوَّتِهِ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ زادَ عَلى الثَّلاثِينَ، ومَن أرْبى عَلَيْها، فَقَدْ دَخَلَ في الكُهُولَةِ. والكَهْلُ عِنْدَ العَرَبِ: الَّذِي قَدْ جاوَزَ الثَّلاثِينَ، وإنَّما سُمِّيَ الكَهْلُ كَهْلًا، لِاجْتِماعِ قُوَّتِهِ، وكَمالِ شَبابِهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اكْتَهَلَ النَّباتُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَهْلُ: الرَّجُلُ حِينَ وخَطَهُ الشَّيْبُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ أنَّ الكَهْلَ يَتَكَلَّمُ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ البِشارَةِ بِطُولِ عُمْرِهِ، أيْ: أنَّهُ يَبْلُغُ الكُهُولَةَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: (وَكَهْلًا) قالَ: ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ. والثّانِي: أنَّهُ أخْبَرَهم أنَّ الزَّمانَ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأنَّ الأيّامَ تَنْقُلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ هَذا التَّغَيُّرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ: الحَلِيمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
شرح الكلمات:
يبشرك: يخبرك بخبر سار مفرح لك.
بكلمة منه: هو المسيح عليه السلام وسمي كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى ﴿كُنْ﴾.
المسيح: لقب عيسى عليه السلام ومن معانيه الصديق.
الوجيه: ذو الجاه والقدر والشرف بين الناس.
في المهد: المهد مضجع الصبي وهو رضيع.
وكهلاً: الكهولة سنّ ما بين الشباب والشيخوخة.
ولم يمسسني بشر: تريد لم يقربها ذكر لا للوقاع ولا لغيره، وذلك لعقمها وبعدها عن الرجال الأجانب.
قضى أمراً: أراده وحكم بوجوده.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في حِجاج وفد نصارى نجران إذ قال الله تعالى لرسوله واذكر لهم إذ قالت الملائكة يا مريم ﴿إنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ الآية، حيث أخبرتها الملائكة أي جبريل عليه السلام بأن الله تعالى يبشرها بولد يكون بكلمة الله تعالى اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وأنه ذو جاه وشرف في الدنيا وفي الآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس وهو في مهده وقت رضاعه، كما يكلمهم في شبابه وكهولته، وأنه من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله تعالى وحقوق عباده وافية غير منقوصة فردت مريم قائلة: ﴿رَبِّ أنّىٰ يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أي كيف يكون لي ولد ولم يَغْشَني بشر بجماع وسنة الله في خلق الولد الغشيان فأجابها جبريل قائلا: الأمرهكذا سيخلق الله تعالى منك ولداً من غير أب، وهو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء وإذا حكم بوجود شيء من غير ذوات الأسباب فإنما يقول له كن فهو يكون كما قضى الله تعالى وأراد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها إذ كلمها جبريل وبشرها بعد أن تمثل لها بشراً.
٢- بيان شرف عيسى عليه السلام ووجاهته في الدنيا والآخرة وأنه من المقربين والصالحين.
٣- تكلم عيسى في المهد آية من آيات الله تعالى حيث لم تجر العادة أن الرضيع يتكلم في زمان رضاعه.
٤- جواز طلب الإستفسار عما يكون مخالفاً للعادة لمعرفة سرّ ذلك أو علته أو حكمته.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ . قالَ: كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «”خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ عَلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدٍ“» . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ. أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ بِدُونِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ“» . (p-٥٣٩)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ اصْطَفى عَلى نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعَةً؛ آسِيَةَ بِنْتَ مُزاحِمٍ، ومَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ، وخَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”حَسْبُكَ مِن نِساءِ العالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ“» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ، مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ“» . (p-٥٤٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، «عَنْ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا مَرْيَمَ البَتُولَ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ مُقاتِلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”أرْبَعُ نِسْوَةٍ سَيِّداتُ عالَمِهِنَّ؛ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”فاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ العالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ؛ أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ عَلى بَعْلٍ (p-٥٤١)فِي ذاتِ يَدِهِ، ولَوْ عَلِمْتُ أنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا ما فَضَّلْتُ عَلَيْها أحَدًا“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ . قالَ: جَعَلَكِ طَيِّبَةً إيمانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وطَهَّرَكِ﴾ . قالَ: مِنَ الحَيْضِ ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ . قالَ: عَلى نِساءِ ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي هم فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها في الكَنِيسَةِ غُلامٌ اسْمُهُ يُوسُفُ، وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا، وكانَتْ مَرْيَمَ إذا نَفَذَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَفازَةِ الَّتِي فِيها الماءُ، فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ، ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا.
(p-٥٤٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ . قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ. يَعْنِي القِيامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا قِيلَ لَها: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ تَقُومُ حَتّى يَسِيلَ القَيْحُ مِن قَدَمَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ سَعِيدٍ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ تُصَلِّي حَتّى تَرِمَ قَدَماها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ . قالَ: أخْلِصِي.
وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ . قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”وارْكَعِي واسْجُدِي في السّاجِدِينَ“ . (p-٥٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ . قالَ: إنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ، فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ . قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجِرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهُمْ، يَقُولُ: عِصِيَّهُمْ، تِلْقاءَ جِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَتْ عَصا زَكَرِيّا جِرْيَةَ الماءِ فَقَرَعَهم.
(p-٥٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ﴿أقْلامَهُمْ﴾ . قالَ: الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿أقْلامَهُمْ﴾ . يَعْنِي: قِداحَهم.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا وهَبَ اللَّهُ لِزَكَرِيّا يَحْيى وبَلَغَ ثَلاثَ سِنِينَ، بَشَّرَ اللَّهُ مَرْيَمَ بِعِيسى، فَبَيْنَما هي في المِحْرابِ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ وحْدَهُ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ مِنَ الفاحِشَةِ، ﴿واصْطَفاكِ﴾ يَعْنِي: واخْتارَكِ، ﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾؛ عالَمِ أُمَّتِها، ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ . يَعْنِي: صَلِّي لِرَبِّكِ. يَقُولُ: ارْكُدِي لِرَبِّكِ في الصَّلاةِ بِطُولِ القِيامِ، فَكانَتْ تَقُومُ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها، ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ . يَعْنِي: مَعَ المُصَلِّينَ مَعَ قُرّاءِ بَيْتِ المَقْدِسِ. يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ . يَعْنِي: بِالخَبَرِ الغَيْبِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا ويَحْيى ومَرْيَمَ، ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ . يَعْنِي: عِنْدَهُمْ، ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾: في كَفالَةِ مَرْيَمَ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ - يُخْبِرُ بِقِصَّةِ عِيسى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ (p-٥٤٥)وجِيهًا في الدُّنْيا﴾ . يَعْنِي: مَكِينًا عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا، ﴿مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] في الآخِرَةِ، ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] . يَعْنِي: في الخِرَقِ، ﴿وكَهْلا﴾ [آل عمران: ٤٦] . ويُكَلِّمُهم كَهْلًا إذا اجْتَمَعَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ إلى السَّماءِ، ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] . يَعْنِي: مِنَ المُرْسَلِينَ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبٍ قالَ: لَمّا اسْتَقَرَّ حَمْلُ مَرْيَمَ وبَشَّرَها جِبْرِيلُ وثِقَتْ بِكَرامَةِ اللَّهِ واطْمَأنَّتْ، فَطابَتْ نَفْسًا واشْتَدَّ أزْرُها، وكانَ مَعَها في المُحَرَّرِينَ ابْنُ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ. وكانَ يَخْدِمُها مِن وراءِ الحِجابِ، ويُكَلِّمُها ويُناوِلُها الشَّيْءَ مِن وراءِ الحِجابِ، وكانَ أوَّلَ مَنِ اطَّلَعَ عَلى حَمْلِها هُوَ، واهْتَمَّ لِذَلِكَ وأحْزَنَهُ وخافَ مِنهُ البَلِيَّةَ الَّتِي لا قِبَلَ لَهُ بِها، ولَمْ يَشْعُرْ مِن أيْنَ أُتِيَتْ مَرْيَمُ، وشَغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ في أمْرِ نَفْسِهِ وعَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُتَعَبِّدًا حَكِيمًا، وكانَ مِن قَبْلِ أنْ تَضْرِبَ مَرْيَمُ الحِجابَ عَلى نَفْسِها تَكُونُ مَعَهُ ونَشَأ مَعَها، وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفَدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما ثُمَّ انْطَلَقا إلى المَفازَةِ الَّتِي فِيها الماءُ، فَيَمْلَآنِ قُلَّتَيْهِما ثُمَّ يَرْجِعانِ إلى الكَنِيسَةِ، والمَلائِكَةُ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ: ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ . فَكانَ يَعْجَبُ يُوسُفُ مِمّا يَسْمَعُ، فَلَمّا اسْتَبانَ لِيُوسُفَ حَمْلُ مَرْيَمَ وقَعَ في نَفْسِهِ مِن أمْرِها، حَتّى كادَ أنْ يُفْتَتَنَ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَتَّهِمَها في نَفْسِهِ ذَكَرَ ما طَهَّرَها اللَّهُ واصْطَفاها، وما وعَدَ اللَّهُ أُمَّها أنَّهُ مُعِيذُها وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وما سَمِعَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ: (p-٥٤٦)﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ . فَذَكَرَ الفَضائِلَ الَّتِي فَضَّلَها اللَّهُ بِها، وقالَ: إنَّ زَكَرِيّا قَدْ أحْرَزَها في المِحْرابِ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْها أحَدٌ، ولَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْها سَبِيلٌ، فَمِن أيْنَ هَذا؟ فَلَمّا رَأى مِن تَغَيُّرِ لَوْنِها وظُهُورِ بَطْنِها، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَعَرَّضَ لَها فَقالَ: يا مَرْيَمُ، هَلْ يَكُونُ زَرْعٌ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ نَباتٍ، وأنْبَتَ الزَّرْعَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ إلّا بِالبَذْرِ. ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا أنَّهُ اسْتَعانَ عَلَيْهِ بِالبَذْرِ لَغَلَبَهُ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخْلُقَهُ ولا يُنْبِتَهُ. قالَ يُوسُفُ: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ، قَدْ صَدَقْتِ وقُلْتِ بِالنُّورِ والحِكْمَةِ، كَما قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ ويُنْبِتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، يَقْدِرُ عَلى أنْ يَجْعَلَ زَرْعًا مِن غَيْرِ بَذْرٍ، فَأخْبِرِينِي هَلْ يُنْبِتُ الشَّجَرُ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا مَطَرٍ؟ قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِلْبَذْرِ والزَّرْعِ والماءِ والمَطَرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحِدًا؟ فَلَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا الماءُ والمَطَرُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَ. قالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ، قَدْ صَدَقْتِ، فَأخْبِرِينِي، هَلْ يَكُونُ ولَدٌ وْحَبَلٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وحَوّاءَ امْرَأتَهُ مِن غَيْرِ حَبَلٍ ولا أُنْثى ولا ذَكَرٍ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبِرِينِي خَبَرَكِ. قالَتْ: بَشَّرَنِي اللَّهُ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] . فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ خَيْرٍ (p-٥٤٧)أرادَهُ بِمَرْيَمَ فَسَكَتَ عَنْها، فَلَمْ تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَرَبَها الطَّلْقُ، فَنُودِيَتْ: أنِ اخْرُجِي مِنَ المِحْرابِ، فَخَرَجَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ . قالَ: شافَهَتْها المَلائِكَةُ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ . قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الأنْبِياءِ مَن لَهُ اسْمانِ إلّا عِيسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿المَسِيحُ﴾: الصِّدِّيقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ المَسِيحُ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيِّ، أنَّ عِيسى كانَ سائِحًا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ المَسِيحُ؛ كانَ يُمْسِي بِأرْضٍ ويُصْبِحُ بِأُخْرى، وأنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتّى رُفِعَ.
(p-٥٤٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ . يَقُولُ: ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿بِكَلِمَةࣲ مِّنۡهُ﴾: يكونُ وجودُه بكلمةٍ من اللهِ، وهي قولُه: «كن»، فيكونُ.
﴿وَجِيهࣰا﴾: له الجاهُ العظيمُ عندَ اللهِ.
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ أيِ: اذْكُرْ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ: بِعِيسى ﴿مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ ﴿اسْمُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وذَكَّرَ ضَمِيرَ الكَلِمَةِ، لِأنَّ المُسَمّى بِها مُذَكَّرٌ ﴿المَسِيحُ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ. والمَسِيحُ لَقَبٌ مِنَ الألْقابِ المُشَرَّفَةِ، كالصِدِّيقِ، والفارُوقِ، وأصْلُهُ: مَشِيحا بِالعِبْرانِيَّةِ، ومَعْناهُ: المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مَرْيَمُ: ٣١] وقِيلَ: سُمِّيَ مَسِيحًا، لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ بِالسِياحَةِ، لا يَسْتَوْطِنُ مَكانًا " عِيسى " بَدَلٌ مِنَ " المَسِيح ابْن (p-٢٥٦)مَرْيَمَ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِعِيسى، لِأنَّ اسْمَهُ عِيسى فَحَسْبُ ولَيْسَ اسْمُهُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إعْلامًا لَها أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ،
﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ وقَدْرٍ ﴿فِي الدُنْيا﴾ بِالنُبُوَّةِ، والطاعَةِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِعُلُوِّ الدَرَجَةِ، والشَفاعَةِ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ يَرْفَعُهُ إلى السَماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجِيهًا﴾ حالٌ مِن "كَلِمَةٍ"، لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً، وكَذا ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: وثابِتًا مِنَ المُقَرَّبِينَ.
دليل على نبوتها كما تقدم. و "إِذْ" "مُتَعَلِّقَةٌ بِ" يَخْتَصِمُونَ". وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ".
(بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّانِ "بِكَلِمَةٍ مِنْهُ"، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(اسْمُهُ الْمَسِيحُ) وَلَمْ يَقُلِ اسْمُهَا لِأَنَّ مَعْنَى كَلِمَةٍ مَعْنَى وَلَدٍ. وَالْمَسِيحُ لَقَبٌ لِعِيسَى وَمَعْنَاهُ الصِّدِّيقُ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَهُوَ فِيمَا يُقَالُ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ الشِّينُ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالْمَسِيحُ الْعِرْقُ، وَالْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ، وَالْمَسِيحُ الدِّرْهَمُ الْأَطْلَسُ [[كذا في بعض النسخ والمصباح، وفى اللسان: الطلس: المحو، والطلس كتاب قد محي ولم ينعم محوه، ثم قال: والأطلس الثوب الخلق. وفى ز: الدرهم الأملس لا نقش عليه.]] لَا نَقْشَ فِيهِ وَالْمَسْحُ الْجِمَاعُ، يُقَالُ مَسَحَهَا [[الظاهر أن هنا سقطا كأن الأصل: يقال مسحها إذا جامعها.]]. وَالْأَمْسَحُ: الْمَكَانُ الْأَمْلَسُ. وَالْمَسْحَاءُ الْمَرْأَةُ الرَّسْحَاءُ الَّتِي لا إست لها. وبفلان مسحة من جمال. والمسائح قسي جياد، واحدتها مسيحة. قال: لَهَا مَسَائِحُ زُورٌ فِي مَرَاكِضِهَا ... لِينٌ وَلَيْسَ بِهَا وَهْنٌ وَلَا رَقَقُ [[زور: جمع زوراء وهى المائلة. والوهن الضعف، والرقق: ضعف العظام.]]
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ مِمَّا ذَا أُخِذَ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَسَحَ الْأَرْضَ، أَيْ ذَهَبَ فِيهَا فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكِنٍّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، فَكَأَنَّهُ سُمِّيَ مَسِيحًا لِذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ بِدُهْنِ الْبَرَكَةِ، كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَمْسَحُ بِهِ، طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْأَخْمَصَيْنِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْجَمَالَ مَسَحَهُ، أَيْ أَصَابَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالطُّهْرِ [[في ز: التطهر في ب ود: التطهير.]] مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: الْمَسِيحُ ضِدُّ الْمَسِيخِ، يُقَالُ: مَسَحَهُ اللَّهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا مُبَارَكًا، وَمَسَخَهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا مَلْعُونًا قَبِيحًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ، وَالْمَسِيخُ الْأَعْوَرُ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَسِيحُ أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَشِيحَا بِالشِّينِ فَعُرِّبَ كَمَا عُرِّبَ مُوشَى بِمُوسَى. وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا [[في ز، د: مسيخا- بالمعجمة- وأنه ممسوخ إحدى العينين.]] لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الدَّجَّالِ مِسِّيحٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَشَدِّ السِّينِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ كَذَلِكَ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَسِيخٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْخَاءِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ أَيْ يَطُوفُهَا وَيَدْخُلُ جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت الْمَقْدِسِ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، فَالدَّجَّالُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ مِحْنَةً، وَابْنُ مَرْيَمَ يَمْسَحُهَا مِنْحَةً. وَعَلَى أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَقَالَ الشاعر:
إن المسيح يقتل المسيحا
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ) الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ) ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ. وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ (وَمَسْجِدَ الطُّورِ)، رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جندب عن النبي ﷺ (وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الأرض كلها إلا الحرم وبئت الْمَقْدِسِ وَأَنَّهُ يَحْصُرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ، مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ [[قوله: مهرودتين، أي في شقتين أو حلتين. وقيل: الثوب المهرود الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران.]] وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ [[الجمان (بضم الجيم وتخفيف الميم): حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار.]] كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابٍ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ ([[لد (بضم اللام وتشديد الدال): قرية في فلسطين قريبة من بيت المقدس.]] الْحَدِيثَ [[راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٧٦ طبع بولاق.]] بِطُولِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ لِعِيسَى غَيْرُ مُشْتَقٍّ سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عِيسَى بَدَلًا مِنَ الْمَسِيحِ مِنَ الْبَدَلِ الَّذِي هُوَ هُوَ. وَعِيسَى اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ وَإِنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ، لِأَنَّ فِيهِ أَلِفَ. تَأْنِيثٍ. وَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ عَاسَهُ يَعُوسُهُ إِذَا سَاسَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ.
(وَجِيهاً) أَيْ شَرِيفًا ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ، وَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ.
(وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى "وَجِيهاً" أَيْ وَمُقَرَّبًا، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَجَمْعُ وَجِيهٍ وُجَهَاءُ وَوِجْهَاءُ.
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ) عَطْفٌ عَلَى "وَجِيهاً" قَالَهُ الْأَخْفَشُ أَيْضًا. وَ (الْمَهْدِ) مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ. وَمَهَّدْتُ الْأَمْرَ هَيَّأْتُهُ ووطأته. وفي التنزيل ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] [[راجع القرطبي ج ١٤ ص ٤٤.]]. وَامْتَهَدَ الشَّيْءُ ارْتَفَعَ كَمَا يُمْتَهَدُ سَنَامُ الْبَعِيرِ.
(وَكَهْلًا) الْكَهْلُ بَيْنَ حَالِ الْغُلُومَةِ وَحَالِ الشَّيْخُوخَةِ. وَامْرَأَةٌ كَهْلَةٌ. وَاكْتَهَلَتِ الرَّوْضَةُ إِذَا عَمَّهَا النُّورُ. يَقُولُ: يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ آيَةً، وَيُكَلِّمُهُمْ كَهْلًا بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: كَلَّمَهُمْ فِي الْمَهْدِ حِينَ بَرَّأَ أُمَّهُ فَقَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] [[راجع ج ١١ ص ١٠٢.]] الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزل اللَّهُ تَعَالَى [مِنَ السَّمَاءِ] [[الزيادة عن البحر لابي حيان.]] أَنْزَلَهُ عَلَى صُورَةِ ابْنِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ الْكَهْلُ فَيَقُولُ لَهُمْ: "إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ" كَمَا قَالَ فِي الْمَهْدِ. فَهَاتَانِ آيَتَانِ وَحُجَّتَانِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفَائِدَةُ الْآيَةِ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُكَلِّمُهُمْ فِي الْمَهْدِ وَيَعِيشُ إِلَى أَنْ يُكَلِّمَهُمْ كَهْلًا، إِذْ كَانَتِ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ في المهد لم يعش.
قَالَ الزَّجَّاجُ: "وَكَهْلًا" بِمَعْنَى وَيُكَلِّمُ النَّاسَ كَهْلًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى "وَجِيهاً". وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَيُكَلِّمُ النَّاسَ صَغِيرًا وَكَهْلًا. وَرَوَى ابن جريح عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا الْكَهْلُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ نَاهَزَ الْأَرْبَعِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ لَهُ حَدَثٌ إِلَى سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ شَابٌّ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. ثُمَّ يَكْتَهِلُ فِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ.
(وَمِنَ الصَّالِحِينَ) عَطْفٌ عَلَى "وَجِيهاً" أَيْ وَهُوَ مِنَ الْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ. ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافَ. قَالَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى وَصَاحِبُ يُوسُفَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، كَذَا قَالَ: "وَصَاحِبُ يُوسُفَ". وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَصَاحِبُ الْجَبَّارِ وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، بِطُولِهِ [[راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٧٦ طبع بولاق راجع ج ١٩.]]. وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي قِصَّةِ الأخدود (أن امرأة جئ بِهَا لِتُلْقَى فِي النَّارِ عَلَى إِيمَانِهَا وَمَعَهَا صَبِيٌّ). فِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ (يَرْضَعُ فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ الْغُلَامُ يَا أُمَّهُ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ). وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ سِتَّةٌ: شَاهِدُ يُوسُفَ وَصَبِيُّ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَعِيسَى وَيَحْيَى وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَصَاحِبُ الجبار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب لاخدود وَبِهِ يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُونَ سَبْعَةً. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ) بِالْحَصْرِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا كَانَ فِي عِلْمِهِ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ. قُلْتُ: أَمَّا صَاحِبُ يُوسُفَ فَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا صَاحِبُ جُرَيْجٍ وَصَاحِبُ الْجَبَّارِ وَصَاحِبُ الْأُخْدُودِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَسَتَأْتِي قِصَّةُ الْأُخْدُودِ فِي سُورَةِ "الْبُرُوجِ" [[راجع ج ١٩ ص ٢٨٤.]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا صَبِيُّ مَاشِطَةِ [امْرَأَةِ] فِرْعَوْنَ، فَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَمَّا أُسْرِيَ بِي سِرْتُ فِي رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ قالوا ماشطة ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدَيْهَا فقالت: بسم الله فقالت ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أبيك. قالت: أو لك رَبٌّ غَيْرُ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ- قَالَ- فَدَعَاهَا فِرْعَوْنُ فَقَالَ: أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ- قَالَ- فَأَمَرَ بِنُقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا قَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَالَ: ذَاكَ لَكِ لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ. فَأَمَرَ [[يبدو هنا سقط في كل الأصول، فقوله: واحدا بعد واحد من قصة أصحاب الأخدود لأصله له بما قبله. راجع ج ١٩ ص ٢٨٦.]] بِهِمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ فَقَالَ قَعِيَ يَا أُمَّهُ وَلَا تَقَاعَسِي فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ- قَالَ- وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: هَذَا وَشَاهِدُ يُوسُفَ وصاحب جريج وعيسى ابن مريم.
القول في تأويل قوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله"وجيهًا"، ذا وَجْهٍ ومنزلة عالية عند الله، وشرفٍ وكرامة. ومنه يقال للرجل الذي يَشرُف وتعظمه الملوك والناس"وجيه"، يقال منه:"ما كان فلان وَجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةً" ="وإن له لَوجْهًا عند السلطان وَجاهًا ووَجاهةً"، و"الجاه" مقلوب، قلبت، واوه من أوّله إلى موضع العين منه، فقيل:"جاه"، وإنما هو"وجه"، و"فعل" من الجاه:"جاهَ يَجوه". مسموع من العرب:"أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا"، بمعنى: أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه.
* *
وأما نصب"الوجيه"، فعلى القطع من"عيسى"، [["القطع"، كما أسلفنا في مواضع متفرقة، هو الحال، انظر ما سلف في هذا الجزء: ٣٧١، تعليق: ٢، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٢١٣.]] لأن"عيسى" معرفة، و"وجيه" نكرة، وهو من نعته. ولو كان مخفوضًا على الردّ على"الكلمة" كانَ جائزًا.
* *
وبما قلنا [[في المطبوعة: "كما قلنا"، والصواب من المخطوطة.]] = من أنّ تأويل ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله = قال، فيما بلغنا، محمد بن جعفر.
٧٠٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وجيهًا"، قال: وجيهًا في الدنيا والأخرة عند الله. [[الأثر: ٧٠٦٧- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧٠٦٣.]]
* *
وأما قوله:"ومِنَ المقرّبين"، فإنه يعني أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه، كما:-
٧٠٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ومن المقربين"، يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.
٧٠٦٩ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ومن المقرّبين"، يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.
٧٠٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
{ إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } .وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله اصطفاك } . . الخ قالوا : ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جىء به تقريراً لما سبق؛ وتنبيها على استقلاله .والظرف { وَإِذْ } معمول لمحذوف تقديره اذكر ، أى اذكر وقت أن قالت الملائكة لمريم ، يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه .وقوله يبشرك { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } أى يبشرك بمولود يحصل بكلمة منه - سبحانه - وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب .والمراد أنه وجد من غير واسطة أب ، لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب ، أى أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق الناس بطريق التناسل عن ذكر وأنثى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء ، فإن عيسى - عليه السلام - لم يكن كذلك ، بل خلقه الله - تعالى - خلقا آخر ، خلقه { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } وهى " كن " فكان كما أراده الله و " من " فى قوله " منه " لابتداء الغاية والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة : أى بكلمة كائنة منه .فالمراد بقوله " كلمة " أى يبشر بولد حى يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين .ورجح ابن جرير أن معنى { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } ببشرى منه - سبحانه - فقد قال : وقوله " بكلمة منه " يعنى برسالة من الله وخير من عنده وهو من قول القائل : ألقى إلى فلان كلمة سرنى بها بمعنى أخبرنى خبرا فرحت به . . فتأويل الكلام : وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده ، هى ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم " .وعلى كلا التأويلين ففى التعبير عن عيسى - عليه السلام - بأنه كلمة من الله تكريم له وتشريف ، وقوله { اسمه المسيح } مبتدأ وخبر ، والجملة نعت . والضمير في قوله { اسمه } يعود إلى كلمة . وجاء مذكراً رعاية للمعنى لأننا سبق بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد .والمسيح : لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق ، وأصله مشيحاً بالعبرانية ومعناه المبارك . وقد حكى الله - تعالى - أنه قال عن نفسه { قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً } وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل ، للمبالغة في مسحه الأرض بالسياحة للعبادة : أو مسحه ذا العاهة ليبرأ . أو بمعنى مفعول أي ممسوح لأن الله مسحه بالطهر من الذنوب .وعيسى : اسم لهذا الاسم الكريم ، وهو اسم ينبىء عن البياض والصفاء والنقاء .قال الراغب : عيسى اسم علم ، وإذا جعل عربياً أمكن أن يكون من قولهم بعيراً عيسى وناقة عيساء وجمعها عيس وهى أبل بيض يعترى بياضها بعض الظلمة " أى فيها أغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا .وابن مريم : هو كنيته ، وهي للإشارة إلى أن نسبه ثاتب لأمه لا لأحد سواها وليس ابنا لله - تعالى - كما قال الضالون .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل عيسى بن مريم والخطاب لمريم؟ قلت : لأن الأبناء ينسبون إلى الأباء لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه . وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين : فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة . قلت لأن المسمى بها مذكر . فإن قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى بن مريم وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت : الاسم المسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره ، فكأنه قيل : الذى يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة " .والمعنى الإجمالي للجملة الكريمة : اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة لمريم : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أى بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب ، هذا المولود العجيب اسمه الذى يميزه لقبا المسيح ويميزه علماً عيسى ويميزه كنبة ابن مريم .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة أمور كل واحد منها يشيى إلى معنى كريم قد تحقق فى هذا النبى العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من البشر ، ثم بعد ذلك وصفه - سبحانه - بأربعة أوصاف تدل على فضله وعلو منزلته فقال - تعالى -