سورة آل عمران — الآية ١٣٠
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، تجنَّبوا أخذ الربا زيادة مضاعفة على رؤوس أموالكم التي أقرضتموها، كما يفعل أهل الجاهلية، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لعلكم تنالون ما تطلبون من خير الدنيا والآخرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أَرَادَ بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَالِ وَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومِلْكًا فَلَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا لَكَ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ وعَدَمِها كالمُنافِي لَهُ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ فَلا تُبادِرُ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ لا تَزِيدُوا زِياداتٍ مُكَرَّرَةً، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِحَسَبِ الواقِعِ. إذْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يُرْبِي إلى أجَلٍ ثُمَّ يَزِيدُ فِيهِ زِيادَةً أُخْرى حَتّى يَسْتَغْرِقَ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مالَ المَدْيُونِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «مُضَعَّفَةً» . ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ الفَلاحَ.
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة﴾ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا حل دين أحدهم على صَاحبه؛ فتقاضاه، قَالَ: أخر عني وَأَزِيدك.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب. ولا ناهية، وتأكلوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، والربا مفعول به، وأضعافًا حال، ومضاعفة صفة.
﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾: الواو عاطفة، واتقوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعوله، ولعل اسمها، وجملة تفلحون خبرها، وجملة الرجاء حالية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ (p-٤٥٨)فِي رِبا الجاهِلِيَّةِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ عَلى الرَّجُلِ المالُ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ، فَيَقُولُ: أخِّرْ عَنِّي، وأزِيدُكَ عَلى مالِكَ، فَتِلْكَ الأضْعافُ المُضاعَفَةُ.
شرح الكلمات:
الأمر: الشأن والمراد هنا توبة الله على الكافرين أو تعذيبهم.
شيء: شيء نكرة متوغلة في الإبهام. وأصل الشيء: ما يعلم ويخبر به.
أو: هنا بمعنى حتى أي فاصْبِرْ حتى يتوب عليهم أو يعذبهم.
لله ما في السماوات...: أي ملكاً وخلقاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم كما يريد.
لا تأكلون الربا: لا مفهوم للأكل بل كل تصرف بالربا حرام سواء كان أكلاً أو شرباً أو لباساً.
الربا: لغة: الزيادة، وفي الشرع نوعان: ربا فضل وربا نسيئة ربا الفضل: يكون في الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فإذا بيع الجنس بمثله يحرم الفضل أي الزيادة ويحرم التأخير، وربا النسيئة: هو أن يكون على المرء دين الى أجل فيحل الأجل ولم يجد سدادا لدينه فيقول له أخرني وزد في الدين.
أضعافاً مضاعفة: لا مفهوم لهذا لأنه خرج مخرج الغالب، إذ الدرهم الواحد حرام كالألف، وإنما كانوا في الجاهلية يؤخرون الدين ويزيدون مقابل التأخير حتى يتضاعف الدين فيصبح أضعافاً كثيرة.
تفلحون: تنجون من العذاب وتظفرون بالنعيم المقيم في الجنة.
أعدت للكافرين: هيئت وأحضرت للمكذبين لله ورسوله ﷺ.
لعلكم ترحمون: لترحموا فلا تُعذَّبوا بما صدر منكم من ذنب المعصية.
معنى الآيات:
صح أن النبي ﷺ كان قد دعا على أفراد من المشركين بالعذاب، وقال يوم أحد لما شج رأسه وكسرت رباعيته: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟» فأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي فاصبر حتى يتوب الله تعالى عليهم أو يعذبهم بظلمهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد فإن عذب فبعدله وإن رحم فبفضله، وهو الغفور لمن تاب الرحيم بمن أناب.
هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [١٢٨] والثانية [١٢٩] وأما الآية الثالثة [١٣٠] فإن الله تعالى نادى عباده المؤمنين بعد أن خرجوا من الجاهلية ودخلوا في الإسلام بأن يتركوا أكل الربا وكل تعامل به فقال ﴿يَٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ﴿لا تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً﴾ إذ كان الرجل يكون عليه دين ويحل أجله ولم يجد ما يسدد به فيأتي إلى دائنه ويقول أخِّر ديني وزد علّي وهكذا للمرة الثانية والثالثة حتى يصبح الدين بعدما كان عشراً عشرين وثلاثين. وهذا معنى قوله أضعافاً مضاعفة، ثم أمرهم بتقواه عز وجل وواعدهم بالفلاح فقال عز وجل ﴿وٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي كي تفلحوا بالنجاة من العذاب والحصول على الثواب وهو الجنة.
وفي الآية الرابعة [١٣١] أمرهم تعالى باتقاء النار التي أعدها للكافرين فهي مهيئة محضرة لهم، واتقاؤها يكون بطاعته تعالى وطاعة رسوله ﷺ فقال عز وجل: ﴿وٱتَّقُواْ ٱلنّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، أي المكذبين بالله ورسوله فلذا لم يعملوا بطاعتهما لأن التكذيب مانع من الطاعة، وفي الآية الأخيرة [١٣٢] أمرهم تعالى بطاعته وطاعة رسوله ووعدهم على ذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة وكأنه يشير إلى الذين عصوا رسول الله في أحد وهم الرماة الذين تخلوا عن مراكزهم الدفاعية فتسبب عن ذلك هزيمة المؤمنين أسوأ هزيمة فقال تعالى: ﴿وأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي كي يرحمكم فيتوب عليكم ويغفر لكم ويدخلكم دار السلام والنعيم المقيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- استقلال الرّب تعالى بالأمر كله فليس لأحد من خلقه تصرف في شيء إلا ما أذن فيه للعبد.
٢- الظلم مستوجب للعذاب ما لم يتدارك الرب العبد بتوبة فيتوب ويغفر له ويعفو عنه.
٣- حرمة أكل الربا مطلقاً مضاعفاً كان أو غير مضاعف.
٤- بيان ربا الجاهلية إذ هو هذا الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿لا تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ﴾.
٥- وجوب التقوى لمن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة.
٦- وجوب اتقاء النار ولو بشق تمرة.
٧- وجوب طاعة الله ورسوله للحصول على الرحمة الإلهية وهي العفو والمغفرة ودخول الجنة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَتَبايَعُونَ إلى الأجَلِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ زادُوا عَلَيْهِمْ وزادُوا في الأجَلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَتْ ثَقِيفٌ تُدايِنُ بَنِي (p-٧٦٤)المُغِيرَةِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ قالُوا: نَزِيدُكم وتُؤَخِّرُونَ عَنّا. فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ لَهُ عَلى الرَّجُلِ المالُ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ طَلَبَهُ مِن صاحِبِهِ، فَيَقُولُ المَطْلُوبُ: أخِّرْ عَنِّي وأزِيدَكَ عَلى مالِكَ. فَيَفْعَلانِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمْرِ الرِّبا، فَلا تَأْكُلُوا، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تُفْلِحُوا، ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَخَوَّفَ آكِلَ الرِّبا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ الرِّبا، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يَعْنِي: لِكَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: كانَ النّاسُ يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾: اتَّقُوا لا أُعَذِّبَكم بِذُنُوبِكم في النّارِ الَّتِي أعْدَدْتُها لِلْكافِرِينَ.
﴿أَضۡعَـٰفࣰا مُّضَـٰعَفَةࣰ﴾: كانوا في الجاهليةِ إذا حانَ موعِدُ السَّدادِ يقولُ المقترضُ: أخِّرْ عني، وأَزِيدُك.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ (مُضَعَّفَةً) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ. هَذا نَهْيٌ عَنِ الرِبا مَعَ التَوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي، أوْ تُرْبِيَ، وتَزِيدَ في الأجَلِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في أكْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ هَذَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا اعْتِرَاضٌ بَيْنَ أَثْنَاءِ قِصَّةِ أُحُدٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا أَحْفَظُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَرْوِيًّا. قُلْتُ: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَبِيعُونَ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ زَادُوا فِي الثَّمَنِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً". [قُلْتُ] [[في هـ.]] وَإِنَّمَا خَصَّ الرِّبَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، لِأَنَّهُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ بِالْحَرْبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] [[راجع ج ٣ ص ٢٥٦.]] وَالْحَرْبُ يُؤْذِنُ بِالْقَتْلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَتَّقُوا الرِّبَا هُزِمْتُمْ وَقُتِلْتُمْ. فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الرِّبَا، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَ (أَضْعافاً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَ (مُضاعَفَةً) نعته. وقرى "مُضَعَّفَةً" وَمَعْنَاهُ: الرِّبَا الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تُضَعِّفُ فِيهِ الدَّيْنَ، فَكَانَ الطَّالِبُ يَقُولُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ". وَ (مُضاعَفَةً) إِشَارَةٌ إِلَى تَكْرَارِ التَّضْعِيفِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الْمُؤَكَّدَةُ عَلَى شُنْعَةِ فِعْلِهِمْ وَقُبْحِهِ، وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ حَالَةُ التَّضْعِيفِ خَاصَّةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيْ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهَا. ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فقال:﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: وَهَذَا الْوَعِيدُ لِمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا، وَمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ [وَيُكَفَّرُ] [[في د وه وفي ب: وبضر.]]. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اتَّقُوا الْعَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنْكُمُ الْإِيمَانَ فَتَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ، لِأَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ صَاحِبُهُ نَزْعَ الْإِيمَانِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ يُقَالُ لَهُ عَلْقَمَةُ، فَقِيلَ لَهُ عَنْدَ الْمَوْتِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَأَكْلُ الرِّبَا والخيانة فِي الْأَمَانَةِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَنَظَرْنَا فِي الذُّنُوبِ الَّتِي تَنْزِعُ الْإِيمَانَ فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا أَسْرَعَ نَزْعًا لِلْإِيمَانِ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ رَدًّا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَكُونُ مُعَدًّا. ثُمَّ قَالَ: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) [يَعْنِي أَطِيعُوا اللَّهَ] [[في هـ.]] فِي الْفَرَائِضِ (وَالرَّسُولَ) فِي السُّنَنِ: وَقِيلَ: "أَطِيعُوا اللَّهَ" فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا "وَالرَّسُولَ" فِيمَا بَلَّغَكُمْ مِنَ التَّحْرِيمِ.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أَيْ كَيْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ. وَقَدْ تقدم [[راجع ج ١ ص ٢٢٧.]].
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.
* *
وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو"الربا أضعافًا مضاعفة"، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،. كما:-
٧٨٢٣- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة".
٧٨٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة"، أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، [[سيرة ابن هشام: "هداكم الله به".]] ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم. [[الأثر: ٧٨٢٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧٨٢٢.]]
٧٨٢٥- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجلّ:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة" قال: ربا الجاهلية.
٧٨٢٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة"، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. [[السن: العمر. يريد بها أسنان الأنعام، كما سيتبين لك من بقية الأثر.]] يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ [[في المخطوطة: "تقضي أو تزدني".]] فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك = إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، [["المخاض": النوق الحوامل. و"ابن المخاض" و"ابنة المخاض"، ما دخل في السنة الثانية، لأن أمه لحقت بالمخاض، أي الحوامل."واللبون": الناقة ذات اللبن. و"ابن اللبون" و"ابنة لبون"، ما أتى عليه سنتان، ودخل في السنة الثالثة. فصارت أمه لبونًا، أي ذات لبن. و"الحق" و"الحقة" البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة."والجدع" و"الجذعة" ما استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة. فإذا طعن البعير في السادسة فهو"ثنى"، وقد سقط هذا من الأسنان التي يذكرها. أما "الرباع" للذكر، و"الرباعية" للأنثى، فهو الذي دخل في السابعة.]] ثم هكذا إلى فوق = وفي العين يأتيه، [[العين: المال. من ذهب وفضة وأشباهها.]] فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة".
* *
وأما قوله:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه ="لعلكم تفلحون"، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه، كما:-
٧٨٢٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، أي: فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه. [[الأثر: ٧٨٢٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٤، وفي السيرة"لعلكم تنجون. . . وتدركون".]]
قال الإمام الرازى ما ملخصه : اعلم أن من الناس من قال : إن الله - تعالى - لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم فى أمر الدين وفى أمر الجهاد ، أتبع ذلك بما يدخل فى الأمر والنهى والترغيب والترهيب فقال : { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً } .وقال القفال : يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما قبلها من جهة أن المشركين فى غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربان ولعل ذلك يصير داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على المعسكر ، ويتمكنوا من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك .وكان الرجل فى الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل ، فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال : زدنى فى المال حتى أزيد فى الأجل ، فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله { أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً } .وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ } لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين ، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين .وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح ، وأن يتحروا الحلال فى كل أمورهم .وخصه بالنهى لأنه كان شائعاً فى ذلك الوقت ، ولأنه - كما يقول القرطبى - هو الذى أذن فيه بالحرب فى قوله - تعالى - { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } والحرب يؤذن بالقتل ، فكأنه يقول لهم : إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم .والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد بهن ولشيوعه فى المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع .والربا معناه الزيادة ، والمراد بها هنا تلك الزيادة التى كانت تضاف على الدين .قال الإمام ابن جرير : عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بنى المغيرة فى الجاهلية ، فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون .وقال ابن زيد : كان أبى - زيد بن ثابت - يقول : إنما كان ربا الجاهلية فى التضعيف . يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له : " تقضينيى أو تزيدنى " .وقوله { أَضْعَافاً } حال من الربا ، وقوله { مُّضَاعَفَةً } صفة له .والأضعاف جمع ضعف . وضعف الشىء مثلاه ، وأضعافه أمثاله .وهذا القيد وهو قوله " أضعافا مضاعفة " ليس لتقييد النهى به ، أى ليس النهى عن أكل الربا فى هذه الحالة وإباحته فى غيرها ، بل هذا القيد لمراعاة الواقع ، ولبيان ما كانوا عليه فى الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال ، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة .وقد حرم الله - تعالى - أصل الربا ومضاعفته ، ونفر منه تنفيراً شديداً ، فقال - تعالى - { الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } وهذا النوع من الربا الذى نهى الله - تعالى - عنه هنا بقوله : { يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً } هو الذى يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة ، أو ربا الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريماً قاطعا . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع : " ألا إن الجاهلية موضوع - أي مهدر - وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب " .وقال الإمام أحمد بن حنبل : إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه .ويقابل هذا النوع من الربا ، ربا البيوع وهو الذى ورد فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى يقول فيه : " البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد ، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا يد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد ، والتمر بالتمر مثلا بمثلا يدا بيد ، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى " .وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح ، ولا بد من قبضها . وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة ، ولا بد من القبض فى المجلس ، والتأخير يسمى ربا النساء ، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل .وللفقهاء فى هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء فى مظانها . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال : { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .أى : واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية ، لعلكم بذلك تنالون الفلاح فى الدنيا والآخرة .