سورة آل عمران — الآية ١٣٢
وأطيعوا الله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، لعلكم تنالون الرحمة في الدنيا والآخرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أَرَادَ بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَالِ وَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾
﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ بِالتَّحَرُّزِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ وتَعاطِي أفْعالِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النّارَ بِالذّاتِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ وبِالعَرْضِ لِلْعُصاةِ. ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، ولَعَلَّ وعَسى في أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلُ عِزَّةٍ التَّوَصُّلِ إلى ما جُعِلَ خَبَرًا لَهُ.
﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾: الواو عاطفة، وأطيعوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، لفظ الجلالة مفعول به، والرسول عطف على لفظ الجلالة، ولعل حرف ناسخ، والكاف اسمها، وترحمون فعل مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله، والواو نائب فاعل، والجملة خبر لعل، وجملة الرجاء حالية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كُلُّهم أثْبَتَ الواوَ في "وَسارِعُوا" إلّا نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، فَإنَّهُما لَمْ يَذْكُراها. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ، عَطَفَ "وَسارِعُوا" عَلى "وَأطِيعُوا" ومَن حَذَفَها، فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالأُولى، فاسْتَغْنَتْ عَنِ العَطْفِ. ومَعْنى الآَيَةِ: بادِرُوا إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ. وفي المُرادِ بِمُوجِبِ المَغْفِرَةِ هاهُنا عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
(p-٤٦٠). والرّابِعُ: التَّكْبِيرَةُ الأُولى مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والخامِسُ: الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والسّادِسُ: التَّوْبَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والسّابِعُ: الهِجْرَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّامِنُ: الجِهادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والتّاسِعُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ يَمانُ. والعاشِرُ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ بِالعَرْضِ السِّعَةَ، ولَمْ يُرِدِ العَرْضَ الَّذِي يُخالِفُ الطُّولَ، والعَرَبُ تَقُولُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، أيْ: واسِعَةٌ. «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً" .»
قالَ الشّاعِرُ:
؎ كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلٍ
قالَ وأصْلُ هَذا مِنَ العَرْضِ الَّذِي هو خِلافُ الطُّولِ، وإذا عَرُضَ الشَّيْءُ اتَّسَعَ، وإذا لَمْ يَعْرُضْ ضاقَ ودَقَّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ ألْصَقَ بَعْضِهِنَّ إلى بَعْضٍ كانَتِ الجَنَّةُ في عَرْضِهِنَّ.
شرح الكلمات:
الأمر: الشأن والمراد هنا توبة الله على الكافرين أو تعذيبهم.
شيء: شيء نكرة متوغلة في الإبهام. وأصل الشيء: ما يعلم ويخبر به.
أو: هنا بمعنى حتى أي فاصْبِرْ حتى يتوب عليهم أو يعذبهم.
لله ما في السماوات...: أي ملكاً وخلقاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم كما يريد.
لا تأكلون الربا: لا مفهوم للأكل بل كل تصرف بالربا حرام سواء كان أكلاً أو شرباً أو لباساً.
الربا: لغة: الزيادة، وفي الشرع نوعان: ربا فضل وربا نسيئة ربا الفضل: يكون في الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فإذا بيع الجنس بمثله يحرم الفضل أي الزيادة ويحرم التأخير، وربا النسيئة: هو أن يكون على المرء دين الى أجل فيحل الأجل ولم يجد سدادا لدينه فيقول له أخرني وزد في الدين.
أضعافاً مضاعفة: لا مفهوم لهذا لأنه خرج مخرج الغالب، إذ الدرهم الواحد حرام كالألف، وإنما كانوا في الجاهلية يؤخرون الدين ويزيدون مقابل التأخير حتى يتضاعف الدين فيصبح أضعافاً كثيرة.
تفلحون: تنجون من العذاب وتظفرون بالنعيم المقيم في الجنة.
أعدت للكافرين: هيئت وأحضرت للمكذبين لله ورسوله ﷺ.
لعلكم ترحمون: لترحموا فلا تُعذَّبوا بما صدر منكم من ذنب المعصية.
معنى الآيات:
صح أن النبي ﷺ كان قد دعا على أفراد من المشركين بالعذاب، وقال يوم أحد لما شج رأسه وكسرت رباعيته: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟» فأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي فاصبر حتى يتوب الله تعالى عليهم أو يعذبهم بظلمهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد فإن عذب فبعدله وإن رحم فبفضله، وهو الغفور لمن تاب الرحيم بمن أناب.
هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [١٢٨] والثانية [١٢٩] وأما الآية الثالثة [١٣٠] فإن الله تعالى نادى عباده المؤمنين بعد أن خرجوا من الجاهلية ودخلوا في الإسلام بأن يتركوا أكل الربا وكل تعامل به فقال ﴿يَٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ﴿لا تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً﴾ إذ كان الرجل يكون عليه دين ويحل أجله ولم يجد ما يسدد به فيأتي إلى دائنه ويقول أخِّر ديني وزد علّي وهكذا للمرة الثانية والثالثة حتى يصبح الدين بعدما كان عشراً عشرين وثلاثين. وهذا معنى قوله أضعافاً مضاعفة، ثم أمرهم بتقواه عز وجل وواعدهم بالفلاح فقال عز وجل ﴿وٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي كي تفلحوا بالنجاة من العذاب والحصول على الثواب وهو الجنة.
وفي الآية الرابعة [١٣١] أمرهم تعالى باتقاء النار التي أعدها للكافرين فهي مهيئة محضرة لهم، واتقاؤها يكون بطاعته تعالى وطاعة رسوله ﷺ فقال عز وجل: ﴿وٱتَّقُواْ ٱلنّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، أي المكذبين بالله ورسوله فلذا لم يعملوا بطاعتهما لأن التكذيب مانع من الطاعة، وفي الآية الأخيرة [١٣٢] أمرهم تعالى بطاعته وطاعة رسوله ووعدهم على ذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة وكأنه يشير إلى الذين عصوا رسول الله في أحد وهم الرماة الذين تخلوا عن مراكزهم الدفاعية فتسبب عن ذلك هزيمة المؤمنين أسوأ هزيمة فقال تعالى: ﴿وأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي كي يرحمكم فيتوب عليكم ويغفر لكم ويدخلكم دار السلام والنعيم المقيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- استقلال الرّب تعالى بالأمر كله فليس لأحد من خلقه تصرف في شيء إلا ما أذن فيه للعبد.
٢- الظلم مستوجب للعذاب ما لم يتدارك الرب العبد بتوبة فيتوب ويغفر له ويعفو عنه.
٣- حرمة أكل الربا مطلقاً مضاعفاً كان أو غير مضاعف.
٤- بيان ربا الجاهلية إذ هو هذا الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿لا تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ﴾.
٥- وجوب التقوى لمن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة.
٦- وجوب اتقاء النار ولو بشق تمرة.
٧- وجوب طاعة الله ورسوله للحصول على الرحمة الإلهية وهي العفو والمغفرة ودخول الجنة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَتَبايَعُونَ إلى الأجَلِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ زادُوا عَلَيْهِمْ وزادُوا في الأجَلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَتْ ثَقِيفٌ تُدايِنُ بَنِي (p-٧٦٤)المُغِيرَةِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ قالُوا: نَزِيدُكم وتُؤَخِّرُونَ عَنّا. فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ لَهُ عَلى الرَّجُلِ المالُ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ طَلَبَهُ مِن صاحِبِهِ، فَيَقُولُ المَطْلُوبُ: أخِّرْ عَنِّي وأزِيدَكَ عَلى مالِكَ. فَيَفْعَلانِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمْرِ الرِّبا، فَلا تَأْكُلُوا، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تُفْلِحُوا، ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَخَوَّفَ آكِلَ الرِّبا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يَعْنِي في تَحْرِيمِ الرِّبا، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يَعْنِي: لِكَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: كانَ النّاسُ يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾: اتَّقُوا لا أُعَذِّبَكم بِذُنُوبِكم في النّارِ الَّتِي أعْدَدْتُها لِلْكافِرِينَ.
﴿وَأطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفِيهِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذَنْبٌ ولا يُعَذَّبُ بِالنارِ أصْلًا، وعِنْدَنا: غَيْرُ الكافِرِينَ (p-٢٩٢)مِنَ العُصاةِ قَدْ يَدْخُلُها، ولَكِنْ عاقِبَةُ أمْرِهِ الجَنَّةُ، وفي ذِكْرِهِ تَعالى: "لَعَلَّ" و"عَسى" في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ -وَإنْ قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: إنَّ لَعَلَّ وعَسى مِنَ اللهِ لِلتَّحْقِيقِ- ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللهِ تَعالى، وعَزَّةِ التَوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ هَذَا النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا اعْتِرَاضٌ بَيْنَ أَثْنَاءِ قِصَّةِ أُحُدٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا أَحْفَظُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَرْوِيًّا. قُلْتُ: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَبِيعُونَ الْبَيْعَ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ زَادُوا فِي الثَّمَنِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً". [قُلْتُ] [[في هـ.]] وَإِنَّمَا خَصَّ الرِّبَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، لِأَنَّهُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ بِالْحَرْبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] [[راجع ج ٣ ص ٢٥٦.]] وَالْحَرْبُ يُؤْذِنُ بِالْقَتْلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَتَّقُوا الرِّبَا هُزِمْتُمْ وَقُتِلْتُمْ. فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الرِّبَا، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَ (أَضْعافاً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَ (مُضاعَفَةً) نعته. وقرى "مُضَعَّفَةً" وَمَعْنَاهُ: الرِّبَا الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تُضَعِّفُ فِيهِ الدَّيْنَ، فَكَانَ الطَّالِبُ يَقُولُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ". وَ (مُضاعَفَةً) إِشَارَةٌ إِلَى تَكْرَارِ التَّضْعِيفِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الْمُؤَكَّدَةُ عَلَى شُنْعَةِ فِعْلِهِمْ وَقُبْحِهِ، وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ حَالَةُ التَّضْعِيفِ خَاصَّةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيْ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهَا. ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فقال:﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: وَهَذَا الْوَعِيدُ لِمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا، وَمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ [وَيُكَفَّرُ] [[في د وه وفي ب: وبضر.]]. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اتَّقُوا الْعَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنْكُمُ الْإِيمَانَ فَتَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ، لِأَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ صَاحِبُهُ نَزْعَ الْإِيمَانِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ يُقَالُ لَهُ عَلْقَمَةُ، فَقِيلَ لَهُ عَنْدَ الْمَوْتِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَأَكْلُ الرِّبَا والخيانة فِي الْأَمَانَةِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَنَظَرْنَا فِي الذُّنُوبِ الَّتِي تَنْزِعُ الْإِيمَانَ فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا أَسْرَعَ نَزْعًا لِلْإِيمَانِ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ رَدًّا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَكُونُ مُعَدًّا. ثُمَّ قَالَ: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) [يَعْنِي أَطِيعُوا اللَّهَ] [[في هـ.]] فِي الْفَرَائِضِ (وَالرَّسُولَ) فِي السُّنَنِ: وَقِيلَ: "أَطِيعُوا اللَّهَ" فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا "وَالرَّسُولَ" فِيمَا بَلَّغَكُمْ مِنَ التَّحْرِيمِ.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أَيْ كَيْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ. وَقَدْ تقدم [[راجع ج ١ ص ٢٢٧.]].
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه = التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، [[في المطبوعة: "مداخلهم" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة.]] بخلافكم أمري، وترككم طاعتي. كما:-
٧٨٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"واتقوا النار التي أعدت للكافرين"، التي جعلت دارًا لمن كفر بي. [[الأثر: ٧٨٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥ تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٧.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك ="لعلكم ترحمون"، يقول: لترحموا فلا تعذبوا.
* *
وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحابَ رسول الله ﷺ الذين خالفوا أمرَه يوم أحد، فأخلُّوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد. [[الأثر: ٧٨٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٨.]]
ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى الله عنه ، أمرهم - سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله فقال : { وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .أى أطيعوا الله فى كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، وأطيعوا الرسول الذى أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم ، لعلكم بهذه الطاعة تكونون فى رحمة من الله ، فهو القائل وقوله الحق { إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين }وفى ذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنة بطاعة الله - تعالى - تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة لله . فقد قال - تعالى - { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وَمَن تولى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً }