سورة آل عمران — الآية ١٤
يخبر الله تعالى أنه حَسَّن للناس - ابتلاءً لهم - حب الشهوات الدنيوية: مثل النساء، والبنين، والأموال الكثيرة المجتمعة من الذهب والفضة، والخيل المُعلَّمة الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، وزراعة الأرض، ذلك متاع الحياة الدنيا يُتَمتَّعُ به فترة ثم يزول، فلا ينبغي للمؤمن أن يتعلق به، والله عنده وحده حسن المرجع، وهو الجنة التي عرضها السماوات والأرض.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ جَمْعُ شَهْوَةٍ وَهِيَ مَا تَدْعُو النَّفْسُ إِلَيْهِ ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾
بَدَأَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جَمْعُ قِنْطَارٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [وَالضَّحَّاكُ] [[ساقط من أ.]] أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ. وَعَنْهُمَا رِوَايَةٌ أُخْرَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَلْفُ [دِينَارٍ] [[في ب درهم.]] دِيَةُ أَحَدِكُمْ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْقِنْطَارُ دِيَةُ أَحَدِكُمْ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَمِائَةُ مَنٍّ وَمِائَةُ رَطْلٍ وَمِائَةُ مِثْقَالٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ يَوْمَ جَاءَ وَبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةُ: ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَقَالَ الْحَكَمُ: الْقِنْطَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
وَسُمِّيَ قِنْطَارًا مِنَ الْإِحْكَامِ، يُقَالُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُحَصَّنَةُ الْمُحْكَمَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْكَثِيرَةُ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَقَالَ يَمَانٌ: [الْمَدْفُونَةُ] [[في ب المدقومة.]] وَقَالَ السُّدِّيُّ الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَقَالَ [الْفَرَّاءُ] [[في أالسدي.]] الْمُضَعَّفَةُ، فَالْقَنَاطِيرُ ثَلَاثَةٌ وَالْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ وَقِيلَ سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ وَلَا يَبْقَى، وَالْفِضَّةُ لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ أَيْ تَتَفَرَّقُ ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الْخَيْلُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاحِدُهَا فَرَسٌ، كَالْقَوْمِ وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِمَا، الْمُسَوَّمَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَسْوِيمُهَا حُسْنُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ: أَسَامَ الْخَيْلَ وَسَوَّمَهَا قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُعَلَّمَةُ مِنَ السِّيمَاءِ وَالسِّيمَاءُ الْعَلَامَةُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: سِيمَاهَا الشَّبَهُ وَاللَّوْنُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَقِيلَ: الْكَيُّ.
﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جَمْعُ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يَعْنِي الزَّرْعَ ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْنَا ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مَتَاعٌ يَفْنَى ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أَيِ الْمَرْجِعِ، فِيهِ تَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبٌ فِي الْآخِرَةِ.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أيِ المُشْتَهَياتِ سَمّاها شَهَواتٍ مُبالَغَةً وإيماءً عَلى أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَحَبَّتِها حَتّى أحَبُّوا شَهْوَتَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي، ولَعَلَّهُ زَيَّنَهُ ابْتِلاءً، أوْ لِأنَّهُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ إذا كانَ عَلى وجْهٍ يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ التَّعَيُّشِ وبَقاءِ النَّوْعِ. وقِيلَ الشَّيْطانُ فَإنَّ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. وفَرَّقَ الجِبائِيُّ بَيْنَ المُباحِ والمُحَرَّمِ.
﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ بَيانٌ لِلشَّهَواتِ، والقِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ. وقِيلَ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ. وقِيلَ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ. واخْتُلِفَ في أنَّهُ فِعْلالٌ أوْ فِنْعالٌ، والمُقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بَدْرَةٌ مُبْدَرَةٌ. والمُسَوَّمَةُ المُعَلَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ، أوِ المَرْعِيَّةُ مِن أسامَ الدّابَّةَ وسَوَّمَها، أوِ المُطَهَّمَةُ. والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيِ المَرْجِعِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِبْدالِ ما عِنْدَهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ بِالشَّهَواتِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ.
﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات﴾ قَالَ مُحَمَّد: هُوَ كَقَوْلِه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾. ﴿والقناطير المقنطرة﴾ [قَالَ قَتَادَة] يَعْنِي: المَال الْكثير بعضه عَلَى بَعْض ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ قَالَ الحَسَن: يَعْنِي: الراعية.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: سامت الْخَيل، فَهِيَ سَائِمَة؛ إِذا رعت، وسوَّمتها فَهِيَ مسومة؛ إِذا رعيتها ﴿وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ الْمَتَاع: مَا يسْتَمْتع بِهِ، ثمَّ يذهب. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ الْمرجع للْمُؤْمِنين؛ يَعْنِي: الْجنَّة.
﴿زين للناس حب الشهوات﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، زين فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، وللناس جار ومجرور متعلقان بـ﴿زين﴾، وحب الشهوات نائب فاعل.
﴿من النساء والبنين والقناطير المقنطرة﴾: من بيانية، وهي مع مجرورها متعلقان بمحذوف حال، والبنين: الواو عاطفة، والبنين معطوف على النساء مجرور، وعلامة جره الياء، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
﴿المقنطرة﴾: صفة للقناطير.
﴿من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث﴾: من بيانية أيضًا، وهي ومجرورها متعلقان بمحذوف حال، وما بعده عطف عليه.
﴿ذلك متاع الحياة الدنيا﴾: اسم الإشارة مبتدأ، ومتاع الحياة خبر، والدنيا صفة، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿والله عنده حسن المآب﴾: الواو استئنافية، وما بعدها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، ولفظ الجلالة مبتدأ، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وحسن المآب مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية خبر لفظ الجلالة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "زَيَّنَ" بِفَتْحِ الزّايِ "حُبَّ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَدْ سَبَقَ في "البَقَرَةِ" بَيانُ التَّزْيِينِ. والقَناطِيرُ: جَمْعُ قِنْطارٍ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَيْسَتِ النُّونُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ، وأحْسَبُ أنَّهُ مُعَرَّبٌ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هو مَحْدُودٌ أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْدُودٌ، ثُمَّ فِيهِ (p-٣٥٩)أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. أحَدُها: أنَّهُ ألِفٌ ومِئَتا أوُقِيَّةٍ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبِهِ قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ. والثّانِي: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ كالقَوْلَيْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا: اثْنا عَشَرَ أُوقِيَّةً. والثّالِثُ: أنَّهُ ألْفٌ ومِئَتا دِينارٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفِ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفَ دِينارٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، كَهَذا القَوْلِ، والَّذِي قَبْلَهُ. والخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ. والسّادِسُ: ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ مِئَةُ رَطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ. والسّابِعُ: أنَّهُ سَبْعَةُ آَلافِ دِينارٍ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّامِنُ: ثَمانِيَةُ آَلافِ مِثْقالٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والتّاسِعُ: أنَّهُ ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. والعاشِرُ: أنَّهُ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والحادِي عَشَرَ: القِنْطارُ: رَطْلٌ مِنَ الذَّهَبِ، أوِ الفِضَّةِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القِنْطارَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ: المالُ الكَثِيرُ، بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ العَرَبِ أنَّ القِنْطارَ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: القِنْطارُ: العُقْدَةُ الوَثِيقَةُ المُحْكَمَةُ مِنَ المالِ. وفي مَعْنى المُقَنْطَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها المُضَعَّفَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: أنَّها المُكَمِّلَةُ، كَما تَقُولُ: بِدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: أنَّها المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ ودَراهِمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي المُسَوَّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ (p-٣٦٠)أحَدُها: أنَّها الرّاعِيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سامَتِ الخَيْلُ، وهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وأسْمَتْها وهي مُسامَةٌ، وسَوَّمْتُها فَهي مُسَوَّمَةٌ: إذا رَعَيْتَها والمُسَوَّمَةُ في غَيْرِ هَذا: المُعَلَّمَةُ في الحَرْبِ بِالسَّوْمَةِ وبِالسِّيماءِ، أيْ: بِالعَلامَةِ. والثّانِي: أنَّها المُعَلَّمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ. وفي مَعْنى المُعَلَّمَةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها مُعَلَّمَةٌ بِالشِّيَةِ، وهو اللَّوْنُ الَّذِي يُخالِفُ سائِرَ لَوْنِها، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. والثّانِي: بِالكَيِّ، رُوِيَ عَنِ المُؤَرَّجِ. والثّالِثُ: أنَّها البَلْقُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ. والثّالِثُ: أنَّها الحِسانُ، قالَهُ ابْنُ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ. فَأمّا الأنْعامُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها. نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. والمَآَبُ: المَرْجِعُ. وهَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ قَدْ تَحْسُنُ نِيَّةُ العَبْدِ بِالتَّلَبُّسِ بِها، فَيُثابُ عَلَيْها، وإنَّما يَتَوَجَّهُ الذَّمُّ إلى سُوءِ القَصْدِ فِيها وبِها.
شرح الكلمات:
زيّن للناس حب الشهوات: جعل حبها مستحسناً في نفوسهم لا يرون فيه قبحا ولا دمامة.
الشهوات: جمع شهوة بمعنى المشتهى طبعاً وغريزة كالطعام والشراب اللذيذين.
القناطير المقنطرة: القنطار ألف ومائة أوقية فضة والمقنطرة الكثيرة بعضها فوق بعض.
الخيل المسومة: ذات السمات الحسان والمعدة للركوب عليها للغزو والجهاد.
الأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الماشية.
الحرث: الزروع والحقول وسائر النباتات النافعة.
ذلك متاع الحياة الدنيا: أي ذلك المذكور من النساء والبنين الخ متاع الحياة الدنيا يريد يستمتع به فيها ويموت صاحبها ويتركها.
معنى الآية الكريمة:
لما ذكر تعالى عناد من كفر من النصارى، واليهود، والمشركين، وجحودهم، وكفرهم، ذكر علة الكفر وبيّن سببه ألا وهو ما زينه تعالى لبني البشر عامة ليفتنهم فيه ويمتحنهم به وهو حب الشهوات أي المشتهيات بالطبع البشرى من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهو كل ما يحرث من سائر الحبوب والنباتات الغذائية والعطرية وغيرها. هذا الذي جعل تلك الجماعات ترفض الحق وتدفعه لأنه يحول بينهم وبين هذه المشتهيات غالباً فلا يحصلون عليها، ولم يعلموا أنها مجرد متاع زائل فلا يبيعوا بها الجنة دار الخلد والسلام ولذا قال تعالى ذلك أي ما ذكر من أصناف المحبوبات متاع الحياة الدنيا لا غير أما الآخرة فلا ينفع فيها شيء من ذلك بل لا ينفع فيها إلا الزهد فيه والإعراض عنه إلا ما لا بد منه لِلْبُلْغَةِ بهِ إلى عمل الدار الآخرة وهو الإيمان وصالح الأعمال، والتخلي عن الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي.
وختم تعالى الآية بقوله مرغبا في العمل للدار الآخرة داعيا عباده إلى الزهد في المتاع الفاني لتتعلق قلوبهم بالنعيم الباقي فقال: ﴿وٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ﴾، أي المرجع الحسن، والنزل الكريم والجوار الطيب السعيد.
هداية الآية:
١- يزين الله تعالى بمعنى يجعل الشيء زَيْناً محبوباً للناس للإبتلاء والإختبار قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُم أحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] ويزين الشيطان للإضلال والإغواء، فالله يزين الزين ويقبح القبيح، والشيطان يزين القبيح، ويقبح الزين. فانظر الفرق وتأمل.
٢- المزينات في هذه الآية من تزيين الله تعالى للإبتلاء، وكلها زينة في الواقع وليس فيها قبيح إلا إذا طلبت من غير حلِّها وأخذت بِشَره ونهم فأفسدت أخلاق آخذها أو طغت عليه محبتها فأنسته لقاء الله وما عنده فهلك بها كاليهود والنصارى والمشركين.
٣- كل ما في الدنيا مجرد متاع والمتاع دائما قليل وزائل فعلى العاقل أن ينظر إليه كما هو فلا يطلبه بما يَحْرِمُه حسن المآب عند الله. اللهم لا تحرمنا حسن مآبك يا الله يا رحمن يا رحيم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. قالَ عُمَرُ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا. فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ كُلَّها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ بِلَفْظٍ: حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ﴾ [آل عمران: ١٥] . فَبَكى وقالَ: بَعْدَ ماذا! بَعْدَ ما زَيَّنْتَها!
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَيّارٍ أبِي الحَكَمِ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: الآنَ يا رَبِّ (p-٤٧٧)وقَدْ زَيَّنْتَها في القُلُوبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أسْلَمَ قالَ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أرْقَمَ جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِحِلْيَةٍ آنِيَةٍ وفِضَّةٍ، فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ ذَكَرْتَ هَذا المالَ فَقُلْتَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ حَتّى خَتَمَ الآيَةَ. وقُلْتَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وإنّا لا نَسْتَطِيعُ إلّا أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَ لَنا، اللَّهُمَّ فاجْعَلْنا نُنْفِقُهُ في حَقٍّ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ. قالَ مَن زَيَّنَها؟ ما أحَدٌ أشَدُّ لَها ذَمًّا مِن خالِقِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ. قالَ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ .
أخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في (p-٤٧٨)الصَّلاةِ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ . قالَ: ”القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”القِنْطارُ ألْفُ (p-٤٧٩)ومِائَتا دِينارٍ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ ومَن قَرَأ مِائَتَيْ آيَةٍ بُعِثَ مِنَ القانِتِينَ، ومَن قَرَأ خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ إلى ألْفِ آيَةٍ أصْبَحَ لَهُ قِنْطارٌ مِنَ الأجْرِ، والقِنْطارُ مِثْلُ التَّلِّ العَظِيمِ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفُ دِينارٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، ومِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ. (p-٤٨٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: القِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ الثَّوْرِ ذَهَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ سُئِلَ: ما القِنْطارُ؟ قالَ: سَبْعُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ القِنْطارَ مِائَةُ رَطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أوْ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الوَرِقِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والقَناطِيرِ﴾ . قالَ: أمّا قَوْلُنا أهْلَ البَيْتِ فَإنّا نَقُولُ: القِنْطارُ عَشَرَةُ آلافِ مِثْقالٍ. وأمّا بَنُو حِسْلٍ فَإنَّهم يَقُولُونَ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً. قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وهو يَقُولُ:
؎وكانُوا مُلُوكَ الرُّومِ تُجْبى إلَيْهِمُ قَناطِيرُها مِن بَيْنٍ قُلٍّ وزائِدِ
(p-٤٨١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: القِنْطارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ . يَعْنِي: المالَ الكَثِيرَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾: المالَ الكَثِيرَ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿المُقَنْطَرَةِ﴾: يَعْنِي المَضْرُوبَةَ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ أوْ دَراهِمَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ . قالَ: الرّاعِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والخَيْلِ (p-٤٨٢)المُسَوَّمَةِ﴾: يَعْنِي مُعْلَمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الرّاعِيَةُ، والمُطَهَّمَةُ الحِسانُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ . قالَ: المُطَهَّمَةُ الحِسانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: تَسْوِيمُها حُسْنُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ . قالَ: الغُرَّةُ والتَّحْجِيلُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”الدُّنْيا مَتاعٌ، وخَيْرُ مَتاعِها المَرْأةُ الصّالِحَةُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ (p-٤٨٣)قالَ: حُسْنُ المُنْقَلَبِ، وهي الجَنَّةُ.
﴿زُيِّنَ﴾: حُسِّنَ.
﴿وَٱلۡقَنَـٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ﴾: والأموالِ الكثيرةِ.
﴿ٱلۡمُسَوَّمَةِ﴾: المُعَلَّمَةِ الحِسانِ.
﴿وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ﴾: من الإبِلِ والبقرِوالغَنَمِ.
﴿وَٱلۡحَرۡثِ﴾: الأرضِ المتخَذَةِ للزِّراعةِ.
﴿ٱلۡمَـَٔابِ﴾: المَرْجِعِ.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ المُزَيِّنُ هو اللهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلِابْتِلاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكَهْفُ: ٧] دَلِيلُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (زَيَّنَ لِلنّاسِ) عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ. وعَنِ الحَسَنِ: الشَيْطانُ.
﴿حُبُّ الشَهَواتِ﴾ الشَهْوَةُ: تَوَقانُ النَفْسِ إلى الشَيْءِ. جَعَلَ الأعْيانَ الَّتِي ذَكَرَها شَهَواتٍ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً، أوْ كَأنَّهُ أرادَ تَخْسِيسَها بِتَسْمِيَتِها شَهَواتٍ، إذِ الشَهْوَةُ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ، مَذْمُومٌ مَنِ اتَّبَعَها، شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ.
﴿مِنَ النِساءِ﴾ والإماءُ داخِلَةٌ فِيها.
﴿والبَنِينَ﴾ جَمْعُ ابْنٍ. وقَدْ يَقَعُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ عَلى الذُكُورِ والإناثِ، وهُنا أُرِيدَ بِهِ الذُكُورُ، فَهُمُ المُشْتَهُونَ في الطِباعِ، والمُعَدُّونَ لِلدِّفاعِ.
﴿والقَناطِيرِ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو المالُ الكَثِيرُ. قِيلَ: مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ أوْ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، ولَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا،
﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ المُنَضَّدَةُ، أوِ المَدْفُونَةُ.
﴿مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ﴾ سُمِّي ذَهَبًا لِسُرْعَةِ ذَهابِهِ بِالإنْفاقِ، وفِضَّةً، لِأنَّها تَتَفَرَّقُ بِالإنْفاقِ. والفَضُّ: التَفْرِيقُ.
﴿والخَيْلِ﴾ سُمِّيَتْ بِهِ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها.
﴿المُسَوَّمَةِ﴾ المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُومَةِ، (p-٢٤١)وَهِيَ العَلامَةُ، أوِ المَرْعِيَّةُ، مِن أسامَ الدابَّةَ، وسَوَّمَها.
﴿والأنْعامِ﴾ هي الأزْواجُ الثَمانِيَةُ.
﴿والحَرْثِ﴾ الزَرْعُ،
﴿ذَلِكَ﴾ المَذْكُورُ،
﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا﴾ يَتَمَتَّعُ بِها في الدُنْيا،
﴿واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ المَرْجِعِ.
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ زُيِّنَ مِنَ التَّزْيِينِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ مَنِ الْمُزَيِّنُ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: اللَّهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي التَّنْزِيلِ:" إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً [[راجع ج ١٠ ص ٣٥٣.]] لَها"، وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ: الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لنا! نزلت: "قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ" وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْمُزَيِّنُ هُوَ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ زَيَّنَهَا؟ مَا أَحَدٌ أَشَدَّ لَهَا ذَمًّا مِنْ خَالِقِهَا. فَتَزْيِينُ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفَاعِ وَإِنْشَاءِ الْجِبِلَّةِ عَلَى الْمَيْلِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هُوَ بالوسوسة والخد يعه وَتَحْسِينِ أَخْذِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُوهِهَا. وَالْآيَةُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ابْتِدَاءُ وَعْظٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعَاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ "زُيِّنَ" عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وَرَفْعِ "حُبٍّ". وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ، وَنَصْبِ "حُبٍّ" وَحُرِّكَتِ الْهَاءُ مِنَ "الشَّهَوَاتِ" فَرْقًا بَيْنَ الِاسْمِ وَالنَّعْتِ. وَالشَّهَوَاتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ وهى معروفة. ورجل شهوان [[هذه عبارة الصحاح الذي يعتمد عليه المؤلف كثيرا. وفى الأصول: "الشهوان للشيء".]] للشيء، وشئ شَهِيٌّ أَيْ مُشْتَهًى. وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ مُرْدٍ وَطَاعَتُهَا مَهْلَكَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ "رَوَاهُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفَائِدَةُ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِزِ الْمَكَارِهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا. وَأَنَّ النَّارَ لَا يُنْجَى مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَفِطَامِ النَّفْسِ عَنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" طَرِيقُ الْجَنَّةِ حَزْنٌ [[الحزن (بفتح فسكون): المكان الغليظ الخشن. والربوة (بالضم والفتح): ما ارتفع من الأرض والسهوة: الأرض اللينة التربة.]] بِرَبْوَةٍ وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ"، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" أَيْ طَرِيقُ الْجَنَّةِ صَعْبَةُ الْمَسْلَكِ فِيهِ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الرَّوَابِي، وَطَرِيقُ النَّارِ سَهْلٌ لَا غِلَظَ فِيهِ وَلَا وُعُورَةَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ "سَهْلٌ بسهوة" وهو بالسين المهملة.
الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَدَأَ بِهِنَّ لِكَثْرَةِ تَشَوُّفِ النُّفُوسِ إِلَيْهِنَّ، لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَةُ الرِّجَالِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَشَدَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَفِتْنَةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَيُقَالُ: فِي النِّسَاءِ فِتْنَتَانِ، وَفِي الْأَوْلَادِ فِتْنَةٌ وَاحِدَةٌ. فَأَمَّا اللَّتَانِ فِي النِّسَاءِ فَإِحْدَاهُمَا أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْمُرُ زَوْجَهَا بِقَطْعِهِ عَنِ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ. وَالثَّانِيَةُ يُبْتَلَى بِجَمْعِ المال من الحلال والحرام. وَأَمَّا الْبَنُونَ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ فِيهِمْ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَا ابْتُلِيَ بِجَمْعِ الْمَالِ لِأَجْلِهِمْ. وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمُ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَ". حَذَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ [[الزيادة في د:.]] ﷺ، لِأَنَّ فِي إِسْكَانِهِنَّ الْغُرَفَ تَطَلُّعًا إِلَى الرِّجَالِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِينٌ لَهُنَّ وَلَا سِتْرٌ، لِأَنَّهُنَّ قَدْ يُشْرِفْنَ عَلَى الرِّجَالِ فَتَحْدُثُ الْفِتْنَةُ وَالْبَلَاءُ، وَلِأَنَّهُنَّ قَدْ خُلِقْنَ مِنَ الرَّجُلِ، فَهِمَّتُهَا فِي الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ خُلِقَ فِيهِ الشَّهْوَةُ وَجُعِلَتْ سَكَنًا لَهُ، فَغَيْرُ مَأْمُونٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَفِي تَعَلُّمِهِنَّ الْكِتَابَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْفِتْنَةِ وَأَشَدُّ. وَفِي كِتَابِ الشِّهَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَعْرُوا النِّسَاءَ يَلْزَمْنَ الْحِجَالَ". فَعَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا لَمْ يَصْبِرْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ ذَاتِ الدِّينِ لِيَسْلَمَ لَهُ الدِّينُ، قَالَ ﷺ:" عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ [[ترب الرجل: افتقر، آي لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى. وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، وإنما يريدون الحث والتحريض.]] يَدَاكَ "أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبي هريرة. وفى سنن ابن ماجة أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ؟ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ، عَلَى الدِّينِ وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ [[خرماء: مقطوعة بعض الأنف ومثقوبة الاذن.]] ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ". الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾ عُطِفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَوَاحِدٌ مِنَ الْبَنِينَ ابْنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ:" إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [[راجع ج ٩ ص ٤٥.]] ". وَتَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ "بُنَيَّ" كَمَا قَالَ لُقْمَانُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ: "هَلْ لَكَ مِنَ ابْنَةِ حَمْزَةَ مِنْ وَلَدٍ"؟ قَالَ: نَعَمْ، لِي مِنْهَا غُلَامٌ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِهِ جَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ أُطْعِمُهَا مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي جَبَلَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" لَئِنْ قُلْتُ؟ بذلك إِنَّهُمْ لَثَمَرَةُ الْقُلُوبِ وَقُرَّةُ الْأَعْيُنِ وَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمَجْبَنَةٌ [[أي أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من الموت فيصيب أبناءهم اليتم وآلامه، ويجعلونهم يبخلون فلا يتفقون فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثارا لهم بالمال ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه.]] مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ". الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَناطِيرِ.﴾ الْقَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً" [[راجع ج ٥ ص ٩٩.]] وَهُوَ الْعُقْدَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمِعْيَارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَمَا هُوَ الرِّطْلُ وَالرُّبْعُ. وَيُقَالُ لِمَا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَزْنُ: هَذَا قِنْطَارٌ، أَيْ يَعْدِلُ الْقِنْطَارَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَ مَالُهُ أَنْ يُوزَنَ بِالْقِنْطَارِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْقِنْطَارُ مَأْخُوذٌ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ لِإِحْكَامِهَا. قَالَ طَرَفَةُ:
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا ... لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادُ بِقَرْمَدِ [[القرمد الأجر والحجارة.]]
وَالْقَنْطَرَةُ الْمَعْقُودَةُ، فَكَأَنَّ الْقِنْطَارَ عَقْدُ مَالٍ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ عَلَى أَقْوَالٍ عَدِيدَةٍ، فَرَوَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ"، وَقَالَ بِذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: "وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ الْقِنْطَارَ عَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي قَدْرِ الْأُوقِيَّةِ". وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ، أَسْنَدَهُ الْبُسْتِيُّ فِي مُسْنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ الْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ". وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَمَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ بِخَمْسِمِائَةِ آيَةٍ إِلَى الْأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ من الأجر" قيل: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: "مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا". مَوْقُوفٌ، وَقَالَ بِهِ أَبُو نَضْرَةَ الْعَبْدِيُّ. وَذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ أَنَّهُ هَكَذَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَالَ النَّقَّاشُ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ هَكَذَا بِلُغَةِ الرُّومِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ: أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرَفَعَهُ الْحَسَنُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَمِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ دِيَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَاكِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. قَتَادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ [[الثمالي (بضم المثلثة وتخفيف الميم ولام): نسبة إلى ثمالة بطن من الأزد]]: الْقِنْطَارُ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. السُّدِّيُّ: أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ. مُجَاهِدٌ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَحَكَى مَكِّيٌّ قَوْلًا أَنَّ الْقِنْطَارَ أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ، وقال: القنطار بربر ألف مثقال. وقال الربيع ابن أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً" أَيْ مَالًا كَثِيرًا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: "إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَنْطَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَنْطَرَ أَبُوهُ" أَيْ صَارَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْمَالِ. وَعَنِ الْحَكَمِ هُوَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى "الْمُقَنْطَرَةِ" فَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ الْمُضَعَّفَةُ، وَكَأَنَّ الْقَنَاطِيرَ ثَلَاثَةٌ وَالْمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ. وَرُوِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَنَاطِيرُ جَمْعُ الْقِنْطَارِ، وَالْمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الْجَمْعِ، فَيَكُونُ تِسْعَ قَنَاطِيرَ. السُّدِّيُّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمَضْرُوبَةُ حَتَّى صَارَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. مَكِّيٌّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمُكَمَّلَةُ، وَحَكَاهُ الْهَرَوِيُّ، كَمَا يُقَالُ: بِدَرٌّ مُبَدَّرَةٌ، وَآلَافٌ مُؤَلَّفَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ. وَلِهَذَا سُمِّيَ الْبِنَاءُ الْقَنْطَرَةَ لِتَكَاثُفِ الْبِنَاءِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. ابْنُ كَيْسَانَ وَالْفَرَّاءُ: لَا تَكُونُ الْمُقَنْطَرَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعِ قَنَاطِيرَ. وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ إِشَارَةٌ إِلَى حُضُورِ الْمَالِ وَكَوْنِهِ عَتِيدًا. وَفِي صَحِيحِ الْبُسْتِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المقنطرين.
الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ الذَّهَبُ، مُؤَنَّثَةٌ [[هذا رأى المؤلف، وقد ذكره شارخ القاموس (في مادة ذهب). والمشهور أن الذهب يذكر ويؤنث كما في معجمات اللغة.]]، يُقَالُ: هِيَ الذَّهَبُ الْحَسَنَةُ جَمْعُهَا ذَهَابٌ [[في الأصول: والذي في معجمات اللغة أن الذهب يجمع على إذهاب وذهوب وذهبان (بكسر أوله) كبرق وبرقان وذهبان (بضم أوله) كحمل وحملان. فلعل ما في الأصول محرف عن "ذهبان".]] وَذُهُوبٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ ذَهَبَةٍ، وَيُجْمَعُ على الا ذهاب. وَذَهَبَ فُلَانٌ مَذْهَبًا حَسَنًا. وَالذَّهَبُ: مِكْيَالٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ. وَرَجُلٌ ذَهِبٌ إِذَا رَأَى مَعْدِنَ الذَّهَبِ فَدَهِشَ. وَالْفِضَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وَجَمْعُهَا فِضَضٌ. فَالذَّهَبُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّهَابِ، وَالْفِضَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ تَفَرَّقَ، وَمِنْهُ فَضَضْتُ الْقَوْمَ فَانْفَضُّوا، أَيْ فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا. وَهَذَا الِاشْتِقَاقُ يُشْعِرُ بِزَوَالِهِمَا وَعَدَمِ ثُبُوتِهِمَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْوُجُودِ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
النَّارُ آخِرُ دِينَارٍ نَطَقْتَ بِهِ ... وَالْهَمُّ آخِرُ هَذَا الدِّرْهَمِ الْجَارِي
وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَ ذَا وَرَعٍ ... مُعَذَّبُ الْقَلْبِ بَيْنَ الْهَمِّ وَالنَّارِ
السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالْخَيْلِ) الْخَيْلُ مُؤَنَّثَةٌ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: وَاحِدُ الْخَيْلِ خَائِلٌ، مِثْلُ طَائِرٍ وَطَيْرٍ، وَضَائِنٍ وَضَيْنٍ، وَسُمِّيَ الْفَرَسُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَخْتَالُ فِي مَشْيِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ واحد فَرَسٌ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالنِّسَاءِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهَا. وَفِي الْخَبَرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْفَرَسَ مِنَ الرِّيحِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تَطِيرُ بِلَا جَنَاحٍ". وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَهَا مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ. قَالَ وَهْبٌ: فَلَيْسَ تَسْبِيحَةٌ وَلَا تَكْبِيرَةٌ وَلَا تَهْلِيلَةٌ يُكَبِّرُهَا صَاحِبُهَا إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُهَا فَيُجِيبُهُ بِمِثْلِهَا. وَسَيَأْتِي لِذِكْرِ الْخَيْلِ وَوَصْفِهَا فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" [[راجع ج ٨ ص ٣٥.]] مَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ عَلَى آدَمَ جَمِيعَ الدَّوَابِّ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ مِنْهَا وَاحِدًا فَاخْتَارَ الْفَرَسَ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْتَ عِزَّكَ، فَصَارَ اسْمُهُ الْخَيْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَسُمِّيَتْ خَيْلًا لِأَنَّهَا مَوْسُومَةٌ بِالْعِزِّ فَمَنْ رَكِبَهُ اعْتَزَّ بِنِحْلَةِ اللَّهِ لَهُ وَيَخْتَالُ بِهِ عَلَى أَعْدَاءِ الله تعالى. وسمي فرسا لِأَنَّهُ يَفْتَرِسُ مَسَافَاتِ الْجَوِّ افْتِرَاسَ الْأَسَدِ وَثَبَانًا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شي خبطا وتناولا، وسمي عربيا لأنه جئ بِهِ مِنْ بَعْدِ آدَمَ لِإِسْمَاعِيلَ جَزَاءً عَنْ رَفْعِ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَإِسْمَاعِيلُ عَرَبِيٌّ، فَصَارَ لَهُ نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسُمِّيَ عَرَبِيًّا. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:" لَا يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ دَارًا فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ". وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّصَ مِنَ الْهِجَانَةِ [[الهجين الذي ولدته برذونة من حصان عربي.]]. وَقَدْ قَالَ ﷺ:" خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ [[الأقرح: ما في جبهته قرحة، وهى بياض يسير في وجه الفرس دون الغرة. والأرثم، أبيض الأنف والشفة العليا. والمحجل: أن تكون قوائمه الأربع بيضا يبلغ منها ثلث الوظيف (مستدق الذراع والساق أو ما فوق الرسغ إلى الساق) أو نصفه أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ ولا يبلغ الركبتين والعرقوبين. وطلق اليمين: لا تحجيل فيها. والكميت: ما لونه بين السواد والحمرة. والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره.]] الْأَرْثَمُ [ثُمَّ الْأَقْرَحُ [[زيادة عن سنن الترمذي.]] الْمُحَجَّلُ] طَلْقُ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ فَرَسًا [فَأَيُّهَا [[زيادة عن مسند الدارمي.]] أَشْتَرِي]؟ قَالَ:" اشْتَرِ أَدْهَمَ أَرْثَمَ مُحَجَّلًا [[في مسند الدارمي والأصول: "محجل".]] طَلْقَ الْيَمِينِ أَوْ مِنَ الْكُمَيْتِ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ تَغْنَمُ وَتَسْلَمُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ ...
(الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، شُهْرَتُهُ أَغْنَتْ عَنْ ذِكْرِهِ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُ أَحْكَامِ الْخَيْلِ فِي "الْأَنْفَالِ" [[راجع ج ٨ ص ٣٦ وج ١٠ ص ٧٣]] وَ "النَّحْلِ" بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (الْمُسَوَّمَةِ) يَعْنِي الرَّاعِيَةَ فِي الْمُرُوجِ وَالْمَسَارِحِ، قَالَهُ سعيد ابن جُبَيْرٍ. يُقَالُ: سَامَتِ الدَّابَّةُ وَالشَّاةُ إِذَا سَرَحَتْ تَسُومُ سَوْمًا فَهِيَ سَائِمَةٌ. وَأَسَمْتُهَا أَنَا إِذَا تَرَكْتُهَا لِذَلِكَ فَهِيَ مُسَامَةٌ. وَسَوَّمْتُهَا تَسْوِيمًا فَهِيَ مُسَوَّمَةٌ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قال: نهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ السَّوْمِ [[في حاشية السندي على سنن ابن ماجة واللسان (مادة سوم) عند الكلام عن هذا الحديث: "السوم: أن يساوم بسلعته" ونهى عن ذلك في ذلك لأنه وقت يذكر الله فيه فلا يشتغل بغيره. ويحتمل أن المراد بالسوم الرعي، لأنها إذا رعت الرعي قبل شروق الشمس وهو عليه ند أصابها منه داء قتلها، وذلك معروف عند أهل المال من العرب".]] قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعَنْ ذَبْحِ ذَوَاتِ الدَّرِّ) السَّوْمُ هُنَا فِي مَعْنَى الرَّعْيِ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "فِيهِ تُسِيمُونَ" [[راجع ج ١٠ ص ٨٢.]] قَالَ الْأَخْطَلُ:
مِثْلِ ابْنِ بِزْعَةَ [[كذا في ديوانه. ورواية الأغاني (ج ٨ ص ٣١٩ طبع دار الكتب المصرية): "كابن البزيعة ... ". والذي في الأصول: "ظل ابن زرعة ... ". ويعنى بابن بزعة: شداد بن المنذر أخا حصين الذهلي. وقوله "كآخر مثله" يعنى حوشب بن رويم.]] أَوْ كَآخَرَ مِثْلِهِ ... أَوْلَى لَكَ [[أولى لك: ويل لك، فهي كلمة تقال في مقام التهديد والوعيد. وقال الْأَصْمَعِيُّ: مَعْنَاهُ قَارَبَهُ مَا يُهْلِكُهُ، أَيْ نَزَلَ به.]] ابْنَ مُسِيمَةِ الْأَجْمَالِ
أَرَادَ ابْنَ رَاعِيَةِ الْإِبِلِ. وَالسَّوَامُ: كُلُّ بَهِيمَةٍ تَرْعَى، وَقِيلَ: الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. مُجَاهِدٌ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَهَا الْحُسْنُ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وَسِيمٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُعَلَّمَةُ بِشِيَاتِ الْخَيْلِ فِي وُجُوهِهَا، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ. قُلْتُ: كُلُّ مَا ذُكِرَ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَتَكُونُ رَاعِيَةً مُعَدَّةً حِسَانًا مُعَلَّمَةً لِتُعْرَفَ مِنْ غَيْرِهَا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهَا صُوفَةً أَوْ عَلَامَةً تُخَالِفُ سَائِرَ جَسَدِهَا لِتَبِينَ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْمَرْعَى. وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ فِي مُجْمَلِهِ: الْمُسَوَّمَةُ الْمُرْسَلَةُ وَعَلَيْهَا رُكْبَانُهَا. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ [[المورج (كمحدث): أبو فيد عمرو بن الحارث السدوسي النحوي البصري، أحد ائمة اللغة. والأدب]]: الْمُسَوَّمَةُ الْمَكْوِيَّةُ. الْمُبَرِّدُ: الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبُلْدَانِ. ابْنُ كَيْسَانَ: الْبُلْقُ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبٌ مِنَ السِّيمَا. قَالَ النَّابِغَةُ:
وَضُمْرٍ كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ ... عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جِنٍّ
الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِذَا قُلْتُ نَعَمٌ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِلْإِبِلِ، فَإِذَا قُلْتُ أَنْعَامٌ وَقَعَتْ لِلْإِبِلِ وَكُلِّ مَا يَرْعَى. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مُذَكَّرٌ وَلَا يؤنث، يقولون هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ، وَيُجْمَعُ أَنْعَامًا. قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَالنَّعَمُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالْأَنْعَامُ الْمَوَاشِي مِنَ الْإِبِلِ والبقر والغنم، إذا قِيلَ: النَّعَمُ فَهُوَ الْإِبِلُ خَاصَّةً. وَقَالَ حَسَّانٌ:
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ... خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: "الْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ وَالْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشَّاةُ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ". وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ، وَالْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ. وَقَالَ: عِنْدَ اتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَلَاكِ الْقُرَى. وَفِيهِ عَنْ أم هاني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "اتَّخِذِي غَنَمًا فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً". أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الْحَرْثُ هُنَا اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُحْرَثُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا إِذَا أَثَارَ الْأَرْضَ لِمَعْنَى الْفِلَاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الْحِرَاثَةِ عَلَى زَرْعِ الْحُبُوبِ وَعَلَى الْجَنَّاتِ وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْفِلَاحَةِ. وَفَى الْحَدِيثِ: "احْرُثْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا". يُقَالُ حَرَثْتُ وَاحْتَرَثْتُ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ "احْرُثُوا هَذَا الْقُرْآنَ" أَيْ فَتِّشُوهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْحَرْثُ التَّفْتِيشُ، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ" لِأَنَّ الْحَارِثَ هُوَ الْكَاسِبُ، وَاحْتِرَاثُ الْمَالِ كَسْبُهُ، وَالْمِحْرَاثُ مُسْعِرُ النَّارِ وَالْحِرَاثُ مَجْرَى الْوَتَرِ فِي الْقَوْسِ، وَالْجَمْعُ أَحْرِثَةٌ، وَأَحْرَثَ الرَّجُلُ نَاقَتَهُ أَهْزَلَهَا. وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: مَا فَعَلَتْ نَوَاضِحِكُمْ [[النواضح من الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناصح. والخطاب للأنصار: وقد قعدوا عن تلقيه لما حج، وأراد معاوية بذكر نواضجهم تقريعا لهم وتعريضا، لأنهم كانوا أهل زرع وحرث وسقى، بما أسكته، فهم يريدون بقولهم "هزلناها يوم بدر" التعريض بقتل أشياخه يوم بدر.
(النهاية).]]؟ قَالُوا: حَرَثْنَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنُونَ هَزَّلْنَاهَا، يُقَالُ: حَرَثْتُ الدَّابَّةَ وَأَحْرَثْتُهَا، لُغَتَانِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قال وقد رأى سكة [[السكة (بكسر السين وتشديد الكاف المفتوحة): الحديدة التي تحرث بها الأرض.]] وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ". قِيلَ: إِنَّ الذُّلَّ هُنَا مَا يَلْزَمُ أَهْلَ الشُّغْلِ بِالْحَرْثِ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ الَّتِي يُطَالِبُهُمْ بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قول فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَضُّ عَلَى مَعَالِي الْأَحْوَالِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ أَشْرَفِ الصِّنَاعَاتِ، وَذَلِكَ لَمَّا خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْحَرْثِ وَتَضْيِيعِ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ إِنِ اشْتَغَلُوا بِالْحَرْثِ غَلَبَتْهُمُ الْأُمَمُ الرَّاكِبَةُ لِلْخَيْلِ الْمُتَعَيِّشَةُ مِنْ مَكَاسِبِهَا، فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّعَيُّشِ مِنَ الْجِهَادِ لَا مِنَ الْخُلُودِ [[اللغة الفصحى "من الإخلاد".]] إِلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَلُزُومِ الْمِهْنَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ قَالَ: تَمَعْدَدُوا [[يقال: تمعدد الغلام إذا شب وغلظ. وقيل: أراد تشبهوا بعيش معد بن عدنان وكانوا أهل غلظ وقشف، أي كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم.]] وَاخْشَوْشِنُوا وَاقْطَعُوا [[في مسند الامام أحمد بن حنبل: "وألقوا الركب" جمع ركاب: هي الرواحل من الإبل، أو جمع ركوب وهى كل ما يركب من دابة.]] الرُّكُبَ وَثِبُوا عَلَى الْخَيْلِ وَثْبًا لَا تَغْلِبَنَّكُمْ عَلَيْهَا رُعَاةُ الْإِبِلِ. فَأَمَرَهُمْ بِمُلَازَمَةِ الْخَيْلِ، وَرِيَاضَةِ أَبْدَانِهِمْ بِالْوُثُوبِ عَلَيْهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "ما من مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زَرَعَ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". قَالَ الْعُلَمَاءُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْمَالِ يَتَمَوَّلُ بِهِ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ، أَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا التُّجَّارُ، وَأَمَّا الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الْأَنْعَامُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا أَهْلُ الْبَوَادِي، وَأَمَّا الْحَرْثُ فَيَتَمَوَّلُ بِهَا أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ [[الرساتيق: السواد والقرى واحدها رستاق، وفى ز: البساتين.]]. فَتَكُونُ فِتْنَةُ كُلِّ صِنْفٍ فِي النَّوْعِ الَّذِي يَتَمَوَّلُ، فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالْبَنُونَ فَفِتْنَةٌ لِلْجَمِيعِ. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أَيْ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيهَا ثُمَّ يَذْهَبُ وَلَا يَبْقَى. وَهَذَا مِنْهُ تَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبٌ فِي الْآخِرَةِ. رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَلَيْسَ مِنْ متاع الدنيا شي أَفْضَلَ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ". وَفِي الْحَدِيثِ: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ" أَيْ فِي مَتَاعِهَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ الزَّائِدِ عَلَى الضَّرُورِيِّ. قَالَ ﷺ:" لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ [[الجلف (بكسر فسكون): الخبز وحده لا أدم معه، وقيل: هو الخبر الغليظ اليابس.]] الْخُبْزِ وَالْمَاءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بن معد يكرب. وسيل سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بِمَ يَسْهُلُ عَلَى الْعَبْدِ تَرْكُ الدُّنْيَا وَكُلِّ الشَّهَوَاتِ؟ قَالَ: بِتَشَاغُلِهِ بما أمر به. الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَالْمَآبُ المرجع، آب يؤوب إِيَابًا إِذَا رَجَعَ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ
وقال آخر:
وكل ذى غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وَأَصْلُ مَآبٍ مَأَوِبٌ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْهَمْزَةِ وَأُبْدِلَ مِنَ الْوَاوِ أَلِفٌ، مِثْلَ مَقَالٍ. وَمَعْنَى الْآيَةِ تَقْلِيلُ الدُّنْيَا وَتَحْقِيرُهَا وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ.
القول في تأويل قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: زُيِّن للناس محبة ما يشتهون من النساء والبنين وسائر ما عدّ. وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد ﷺ بعد علمهم بصدقه.
* *
وكان الحسن يقول: منْ زَيْنِها، ما أحدٌ أشدّ لها ذمًّا من خالقها. [[في القرطبي ٤: ٢٨: "من زينها؟ " استفهام"زينها" فعل. ولم أجد خبر الحسن، ولكني أذكر كأني قرأته قديمًا، وهو يسخر من أمر الدنيا، ويقول: من حسنها، أن الذي يذمها ويقبحها هو الذي خلقها! و"الزين" خلاف الشين، مصدر"زان الشيء يزينه زينًا".]]
٦٦٩٤ - حدثني بذلك أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو الأشعث عنه.
٦٦٩٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال، قال عمر: لما نزل:"زُيِّن للناس حب الشهوات"، قلت: الآن يا رَبِّ حين زيَّنتها لنا! فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [سورة آل عمران: ١٥] ، الآية.
* *
وأما"القناطير" فإنها جمع"القنطار".
واختلف أهل التأويل في مبلغ القنطار.
فقال بعضهم: هو ألف ومئتا أوقية.
ذكر من قال ذلك:
٦٦٩٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذ بن جبل قال: القنطار: ألف ومئتا أوقية.
٦٦٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذ مثله.
٦٦٩٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا - يعني حفص بن ميسرة - عن أبي مروان، عن أبي طيبة، عن ابن عمر قال: القنطار ألف ومئتا أوقية.
٦٦٩٩ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم بن مالك المزني قال، أخبرني العلاء بن المسيب، عن عاصم بن أبي النجود قال: القنطار ألف ومئتا أوقية.
٦٧٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثله. [[الأثر: ٦٧٠٠- ذكره ابن كثير في تفسيره ٢: ١٠٩، ١١٠، وأشار إلى رواية أحمد: "حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: القنطار اثنا عشر ألف أوقيه، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض" وذكر رواية ابن ماجه ووكيع، وصحح أن هذا الأثر موقوف، كما رواه ابن جرير ووكيع.]]
٦٧٠١ - حدثني زكريا بن يحيى الضرير قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبى ميمونة، عن زِرّ بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية. [[الأثر: ٦٧٠١-"زكريا بن يحيى الضرير" هو: "زكريا بن يحيى بن أيوب، أبو علي الضرير المدائني"، حدث عن زياد البكائي، وشبابة بن سوار، وسليمان بن سفيان الجهني، روى عنه محمد بن علي المعروف بمعدان، ومحمد بن غالب التمتام، ويحيى بن صاعد، والقاضي المحاملي. مترجم في تاريخ بغداد ٨: ٤٥٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "زكريا بن يحيى الصديق"، وهو خطأ، والصواب من تفسير ابن كثير ٢: ١١٠.
و"شبابة" هو"شبابة بن سوار الفزاري". قال أحمد: "تركته لم أكتب عنه للإرجاء، كان داعية". وقال زكريا الساجي: "صدوق، يدعو إلى الإرجاء. كان أحمد يحمل عليه". وقد وثقه ابن معين وابن سعد على إرجائه. مترجم في التهذيب، و"مخلد بن عبد الواحد" أبو الهذيل البصري روى عن علي ابن زيد بن جدعان، وروى عنه شبابة. قال ابن حبان: "منكر الحديث جدًا". وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث. مترجم في لسان الميزان، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٤٨. و"علي بن زيد بن جدعان" مضى برقم: ٤٠. و"عطاء بن أبي ميمونة" روى عن أنس وعمران وجابر بن سمرة، وغيرهم. وثقه أبو زرعة والنسائي. وقال أبو حاتم: "لا يحتج بحديثه وكان قدريًا"، وقال ابن عدي: "في أحاديثه بعض ما ينكر عليه".
وقد روى ابن كثير هذا الأثر في تفسيره ٢: ١١٠ وقال: "وهذا حديث منكر أيضًا". والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة" - يعني كالأثر السالف الموقوف على أبي هريرة، وما قبله عن معاذ بن جبل وابن عمر.]]
* *
وقال آخرون: القنطار ألف دينار ومئتا دينار.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٠٢ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ القنطارُ ألف ومئتا دينار.
٦٧٠٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: القنطار: ألف ومئتا دينار.
٦٧٠٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: القنطار ألف ومئتا دينار، ومن الفضة ألف ومئتا مثقال.
٦٧٠٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول:"القناطير المقنطرة"، يعني: المالَ الكثير من الذهب والفضة، والقنطار ألف ومئتا دينار، ومن الفضة ألف ومئتا مثقال.
* *
وقال آخرون: القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٠٦ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.
٦٧٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: القنطار ألف دينار، ومن الوَرِق اثنا عشر ألف درهم. [[الورق (بفتح الواو وكسر الراء) : الفضة، أو الدراهم من الفضة.]]
٦٧٠٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن القنطار اثنا عشر ألفا.
٦٧٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا عوف، عن الحسن: القنطار اثنا عشر ألفا.
٦٧١٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا.................... قال أخبرنا عوف، عن الحسن: اثنا عشر ألفا. [[الأثر: ٦٧١٠- هذا إسناد ناقص بلا ريب، وقد وضعت مكان الخرم هذه النقط، وسبب ذلك أن الناسخ انتهى في آخر الصفحة بقوله: "حدثنا ابن بشار قال، حدثنا" وانتقل إلى الصفحة التالية فبدأها: "قال أخبرنا عوف" فهو سهو منه. وإسناد"محمد بن بشار" إلى"عوف عن الحسن"، مختلف، منه الأسناد رقم: ٢٥٧٠ مثلا: "حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا يحيى، عن سعيد، عن عوف، عن الحسن"، وغيره مما لم أستطع أن أتتبعه الآن.]]
٦٧١١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن بمثله.
٦٧١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن قال: القنطار ألفُ دينار، ديةُ أحدكم.
* *
وقال آخرون: هو ثمانون ألفًا من الدراهم، أو مئة رطل من الذهب.
ذكر من قال ذلك:
٦٧١٣ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفًا.
٦٧١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفًا.
٦٧١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كنا نُحدَّث أن القنطار مئة رطل من ذهب، أو ثمانون ألفًا من الوَرِق.
٦٧١٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: القنطار مئة رطل من ذهب، أو ثمانون ألف درهم من وَرِق.
٦٧١٧ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: القنطار مئة رطل.
٦٧١٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: القنطار يكون مئة رطل، وهو ثمانية آلاف مثقال.
* *
وقال آخرون: القنطار سبعون ألفًا.
ذكر من قال ذلك:
٦٧١٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"القناطير المقنطرة"، قال: القنطار: سبعون ألف دينار.
٦٧٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٦٧٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا عمر بن حوشب قال، سمعت عطاء الخراساني قال: سئل ابن عمر عن القنطار فقال: سبعون ألفًا. [[الأثر: ٦٧٢١-"عمر بن حوشب الصنعاني"، روى إسماعيل بن أمية. وروى عنه عبد الرزاق ذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن القطان: "لا يعرف حاله"، مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٠٥.]]
* *
وقال أخرون: هي مِلء مَسْك ثور ذهبًا. [[المسك (بفتح الميم وسكون السين) : هو مسلاخ الجلد الذي يكون فيه الثور وغيره.]]
ذكر من قال ذلك:
٦٧٢٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا سعيد الجرَيْري، عن أبي نضرة قال: ملءُ مَسك ثور ذهبًا.
٦٧٢٣ - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو الأشعث، عن أبي نضرة: ملء مَسك ثور ذهبًا.
* *
وقال آخرون: هو المال الكثير.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال:"القناطير المقنطرة"، المال الكثير، بعضُه على بَعض.
* *
وقد ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب: [[يعني أبا عبيدة معمر بن المثنى، كما أشار إليه بذلك مرارًا سلفت، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨٨.]] أن العرب لا تحدّ القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول:"هو قَدْرُ وزنٍ". [[نص أبي عبيدة"هو قدر وزن، لا يحدونه"، بإضافة"قدر" إلى"وزن"، وهو كذلك في المخطوطة، ولكن المطبوعة زادت واوًا فجعلته"قدر ووزن".]]
قال أبو جعفر: وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان محدودًا قدرُه عندها، لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كلّ هذا الاختلاف.
* *
قال أبو جعفر: فالصواب في ذلك أن يقال: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف. [[في المطبوعة: "على تعنف"، وفي المخطوطة: "على تعنف" غير منقوطة، وأظن صواب قراءتها ما أثبت.]] وقد قيل ما قيل مما روينا.
* *
وأما"المقنطرة"، فهي المضعَّفة، وكأن"القناطير" ثلاثة، و"المقنطرة" تسعة. [[هذا من كلام الفراء في معاني القرآن ١: ١٩٥ بتصرف، ونصه"والقناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، كذلك سمعت".]] وهو كما قال الربيع بن أنس: المال الكثيرُ بعضه على بعض، كما:-
٦٧٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة:"القناطير المقنطرة من الذهب والفضة"، والمقنطرة المال الكثيرُ بعضه على بعض.
٦٧٢٦ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله:"القناطير المقنطرة"، يعني المال الكثير من الذهب والفضة.
* *
وقال آخرون: معنى"المقنطرة": المضروبة دراهم أو دنانير.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٢٧ - حدثنا موسى قالى، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله:"المقنطرة"، فيقول: المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.
* *
وقد روي عن النبي ﷺ في قوله:"وآتيتم إحداهن قنطارًا" - خبرٌ لو صحّ سندُه، لم نعدُه إلى غيره. وذلك ما:-
٦٧٢٨ - حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقي قال، حدثني عمرو بن أبي سلمة قال، حدثنا زهير بن محمد قال، حدثني أبان بن أبي عياش وحميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [سورة النساء: ٢٠] ، قال: ألفا مئين يعني = ألفين. [[الحديث: ٦٧٢٨- ابن عبد الرحمن البرقي: هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة، ولم أعرف من هو. ونقل ابن كثير ٢: ١١٠ هذا الحديث من تفسير ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة ... ". فلم أجد أيضًا"أحمد بن عبد الرحمن الرقي" - ولم يترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. ويبعد جدًا أن لا يترجم لشيخه.
ولكن من شيوخ الطبري: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي الحافظ. روى عنه في: ٢٢ باسم"ابن البرقي". وفي: ١٦٠، باسم"أحمد بن عبد الرحيم البرقي". نسب إلى جده. وفي: ٥٤٤٤، باسم"ابن البرقي". وهو في الرواية الأخيرة يروى عن عمرو بن أبي سلمة، كمثل الرواية التي هنا.
فمن المحتمل أن يكون هو الذي هنا، وأن تكون كتابة"ابن عبد الرحمن" بدلا من"ابن عبد الرحيم" خطأ من الناسخين.
ولكن يعكر عليه اتفاق"بن عبد الرحمن" في رواية ابن أبي حاتم وما ثبت هنا. فإنه يبعد جدًا اتفاق الناسخين على خطأ واحد معين، في كتابين مختلفين، لمؤلفين، ليس أحدهما ناقلا عن الآخر.
فلعل"أحمد بن عبد الرحمن الرقي" أو "البرقي" - شيخ آخر روى عنه الطبري وابن أبي حاتم لم تقع إلينا ترجمته.
عمرو بن أبي سلمة: مضت ترجمته في: ٥٤٤٤.
زهير بن محمد التميمي الخراساني المروزي: ثقة، وثقه أحمد وغيره.
أبان بن أبي عياش، واسم أبي عياش"فيروز": تابعي روى عن أنس، ولكنه ضعيف. قال أحمد: "منكر الحديث". وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء". وقال أبو حاتم: "متروك الحديث، وكان رجلا صالحًا، ولكن بلى بسوء الحفظ". وقال البخاري: "كان شعبة سيئ الرأي فيه".
ولكن ضعف أبان لا يؤثر في صحة هذا الحديث، لأن زهير بن محمد سمعه منه، وسمعه أيضًا من"حميد الطويل"، وحميد: ثقة، كما مضت ترجمته في: ٣٨٧٧.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٧٨، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد: "حدثنا حميد الطويل، ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله عز وجل: (والقناطير المقنطرة) ؟ قال: القنطار ألفا أوقية". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ووقع في مختصر الذهبي المطبوع مع المستدرك"ألف أوقية" بالإفراد، وهو خطأ مطبعي، وثبت على الصواب في مخطوطة المختصر التي عندي، موافقًا لما في أصل المستدرك.
ونقله ابن كثير ٢: ١١٠ - كما قلنا من قبل - عن رواية ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عبد الرحمن الرقي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد: "أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه، يعني يزيد الرقاشي، عن أنس". وفيه: "يعني ألف دينار".
فالرجل الآخر المبهم في رواية الحاكم، يحتمل أن يكون أبان بن أبي عياش، كما في رواية الطبري هذه، ويحتمل أن يكون يزيد الرقاشي، كما في رواية ابن أبي حاتم، ويزيد بن أبان الرقاشي: ضعيف أيضًا، كما مضى في شرح: ٦٦٥٤.
وقد ذكر السيوطي رواية الحاكم، في هذا الموضع من تفسير آية آل عمران ٢: ١٠ وذكر رواية الطبري التي هنا، في موضعها من تفسير الآية: ٢٠ من سورة النساء، الدر المنثور ٢: ١٣٣.
ولفظ الحديث هنا اضطربت فيه النسخ، ففي المطبوعة: "ألفا مئين، يعني ألفين" وذكر مصححها بالهامش أن هذا في بعض النسخ، وأن في بعضها: "ألفًا ومئين". ورواية السيوطي - نقلا عن الطبري: "ألفا ومئتين، يعني ألفين".
والراجح عندي أن هذا كله تحريف، وأن الصحيح اللفظ الذي في رواية الحاكم.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"المسوَّمة".
فقال بعضهم: هى الراعية.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٢٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير:"الخيل المسوّمة"، قال: الراعية، التي ترعى.
٦٧٣٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، مثله.
٦٧٣١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير مثله.
٦٧٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: هي الراعية، يعني: السائمة.
٦٧٣٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن طلحة القناد قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى يقول: الراعية.
٦٧٣٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والخيل المسومة". قال: الراعية.
٦٧٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن،:"والخيل المسومة" المسرَّحة في الرّعي.
٦٧٣٦ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"والخيل المسوّمة، قال: الخيل الراعية.
٦٧٣٧ - حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: أنه كان يقول: الخيل الراعية.
* *
وقال آخرون:"المسوّمة": الحسان.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٣٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب قال: قال مجاهد:"المسوّمة"، المطهَّمة.
٦٧٣٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد في قوله:"والخيل المسومة"، قال: المطهَّمة الحسان.
٦٧٤٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"والخيل المسوّمة"، قال: المطهمة حسْنًا.
٦٧٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٦٧٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد: المطهمة.
٦٧٤٣ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني قال: سألت عكرمة عن"الخيل المسوّمة"، قال: تَسويمها، حُسنها. [[الأثر: ٦٧٤٣-"أبو عبد الرحمن المقرئ" هو: "عبد الله بن يزيد العدوي مولى آل عمر" مترجم في التهذيب. و"بشير بن أبي عمرو الخولاني" مصري، روى عن عكرمة والوليد بن قيس التجيبي، روى عنه سعيد بن أبي أيوب والليث وابن لهيعة. ثقة مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٧٧. وفي المطبوعة والمخطوطة: "بشر بن أبي عمرو الخولاني" وهو خطأ.]]
٦٧٤٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني قال: سمعت عكرمة يقول:"الخيل المسوّمة"، قال: تسويمها: الحُسن. [[الأثر: ٦٧٤٤- في المخطوطة والمطبوعة: "بشر بن أبي عمرو الخولاني" وهو خطأ. انظر التعليق السالف.]]
٦٧٤٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الخيل المسوّمة والأنعام"، الرائعة.
* *
وقد حدثني بهذا الحديث عن عمرو بن حماد غيرُ موسى، قال: الراعية.
* *
وقال آخرون:"الخيل المسوّمة"، المعلَمة.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٤٦ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والخيل المسوّمة"، يعني: المعلَمة.
٦٧٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والخيل المسوّمة"، وسيماها، شِيَتُها. [["الشية": كل ما خالف اللون من جميع جسد الفرس أو غيره، وجمعها"شيات"، وأصلها من"الوشي". وشي الثوب وشيًا وشية: حسنه ونمنمه ونقشه.]]
٦٧٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"والخيل المسوّمة"، قال: شِيَة الخيل في وُجوهها.
* *
وقال غيرهم:"المسوّمة"، المعدّة للجهاد.
ذكر من قال ذلك:
٦٧٤٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"والخيل المسومة"، قال: المعدّة للجهاد.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله:"والخيل المسوّمة"، المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. لأن"التسويم" في كلام العرب: هو الإعلام. فالخيل الحسان مُعلَمةٌ بإعلام الله إياها بالحسن من ألوانها وشِياتها وهيئاتها، وهي"المطهَّمة"، أيضًا. ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان في صفة الخيل:
بِضُمْرٍ كَالقِدَاحِ مُسوَّماتٍ ... عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جِنِّ [[ديوانه: ٨٦، من قصيدته حين قتلت بنو عبس نضلة الأسدي، وقتلت بنو أسد منهم رجلين، فأراد عيينة بن حصن عون بني عبس، وأن يخرج بني أسد من حلف بني ذبيان، فقال: إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا ... فإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
ثم أثنى عليهم، وذكر أيامهم، فمما ذكر: وَقَدْ زَحَفُوا لِغَسَّانٍ بزَحْفٍ ... رَحِيبِ السَّرْبِ أَرْعَنَ مُرْجَحِنِّ
بِكُلِّ مُحَرَّبٍ كاللَّيْثِ يَسْمُو ... عَلَى أوْصَالِ ذَيَّالٍ رِفَنِّ
وضُمْرٍ كَالقِدَاحِ. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بسمر"، وليس من صفة الجياد أن يقال"سمر"، بل السمر الرماح، أما الضمر (بضم فسكون) فجمع ضامر، وقياس جمعه ضوامر، إلا أن (فاعل) الصفة منه ما يجمع على (فعل) بضم الفاء والعين، مثل"بازل وبزل، وشارف وشرف"، شبهوه بفعول لمناسبته له في عدد الحروف. ثم يخفف (فعل) عند بني تميم فتسكن عينه. والقداح جمع قدح (بكسر فسكون) : وهو السهم إذا قوم وأنى له أن يراش. تشبه به الخيل الضوامر.]] يعني ب"المسوّمات"، المعلمات، وقول لبيد:
وَغَدَاةَ قَاعِ القُرْنَتَيْنِ أَتَيْنَهُمْ ... زُجَلا يُلُوحُ خِلالَهَا التَّسْوِيمُ [[ديوان قصيدة: ١٦، البيت: ٤١، والبيت من أبيات في القصيدة يذكر فيها عزه وعز قومه، أولها: إنِّي امْرُءٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ... ضَيْمِى، وقد جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومُ
جَهَدُوا العَدَاوةَ كُلَّها، فأَصَدَّها ... عِّني مَنَاكِبُ عِزُّها مَعْلُومُ
مِنْها: حُوَيٌّ، والذُّهابُ، وقَبْلَهُ ... يَوْمٌ بِبُرْقَةِ رَحْرَحَانَ كَرِيمُ
وغَدَاةَ قَاعِ القُرْنتين. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و"حوى"، و"الذهاب" و"برقة رحرحان" و"قاع القرنتين" كلها مواضع كانت لقومه فيها وقائع، ظفروا فيها. وقوله: "أتينهم" الضمير للخيل عليها أصحابها. والضمير الآخر لأعدائه. والزجل جمع زجلة (بضم فسكون) : الجماعة من الناس والخيل. ورواية ديوانه: "رهوًا"، أي متتابعة. وخلالها: وسطها.]]
فمعنى تأويل من تأول ذلك:"المطهمةَ، والمعلمة، والرائعة"، واحدٌ.
* *
وأما قول من تأوّله بمعنى: الراعية، فإنه ذهب إلى قول القائل:"أسمْتُ الماشية فأنا أُسيمها إسامة"، إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [سورة النحل: ١٠] ، بمعنى: ترعَوْن، ومنه قول الأخطل:
مِثْلَ ابْنِ بَزْعَةَ أَوْ كآخَرَ مِثْلِهِ، ... أَوْلَى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمَالِ! [[ديوانه: ١٥٩، والأغاني ٨: ٣١٩، وطبقات فحول الشعراء: ٤١٨، وسيأتي في التفسير ١٤: ٦٠ (بولاق) ، وهو من قصيدته التي رفع فيها ذكر عكرمة بن ربعي الفياض، كاتب بشر بن مروان. وذلك أن الأخطل أتى حوشب بن رويم الشيباني فقال: إني تحملت حمالتين لأحقن بهما دماء قومي! فنهره. فأتى شداد بن البزيعة، (هو شداد بن المنذر الذهلي، أخو الحضين بن المنذر صاحب راية علي يوم صفين) ، فسأله، فاعتذر إليه شداد. فأتى عكرمة الفياض فأخبره بما قال له الرجلان، فقال: أما إني لا أنهرك ولا أعتذر إليك، ولكني أعطيك إحداهما عينًا، والأخرى عرضًا. فأشاد به الأخطل وهجا الرجلين فقال: وَلَقَدْ مَنَنْتَ عَلَى رَبِيعَةَ كلَّها ... وكَفَيْتَ كُلَّ مُواِكلٍ خَذّالِ
كَزْمِ اليَدَيْنِ عَنِ العَطِيَّةِ مُمْسِكٍ ... لَيْسَتْ تَبِضُّ صَفَاتُهُ ببِلالِ
كابنِ البَزِيَعةِ، أو كآخَرَ مِثْلِه، ... أَوْلَى لك ابْنَ مُسِيَمةِ الأَجْمَالِ!
إِنَّ اللَّئِيمَ إذَا سَأَلْتَ بَهَرْتَهُ ... وترَى الكَرِيمَ يَرَاحُ كالمُخْتَالِ
وفي المخطوطة: "أولى ابن مسيمة ... "، خطأ."وابن البزيعة"، هو"ابن بزعة" في رواية الطبري هنا. والبزيعة (على وزن كريمة) أم شداد بن المنذر. وقد ضبطتها في طبقات فحول الشعراء بالتصغير، اتباعًا لما في تاريخ الطبري مضبوطًا بالقلم. ولكني هنا أستدرك هذا، وأرجح أني كما ضبطته هنا: "البزيعة": الجارية الظريفة المليحة الذكية القلب. وقد ذكر شداد بن بزيعة عند زياد بن أبي سفيان في الشهود وهو (زياد بن سمية، وابن أبيه) فلما قيل: "ابن بزيعة" قال: ما لهذا أب ينسب إليه؟ ألقوا هذا من الشهود". فقيل له: إنه أخو حضين بن المنذر! قال: فانسبوه إلى أبيه. فبلغ ذلك شدادًا فقال: ويل علي ابن الزانية! أو ليست أمه أعرف منه بأبيه؟ والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية!! (تاريخ الطبري ٦: ١٥١) .]]
يعني بذلك: راعية الأجمال. فإذا أريد أنّ الماشية هي التي رعت، قيل:"سامت الماشية تسوم سومًا"، ولذلك قيل:"إبل سائمة"، بمعنى: راعية، غير أنه غير مستفيض في كلامهم:"سوَّمتُ الماشيةَ"، بمعنى أرعيتها، وإنما يقال إذا أريد ذلك:"أسمتها".
* *
فإذْ كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويل"المسوّمة" إلى أنها"المعلمة" بما وصفنا من المعاني التي تقدم ذكرها، أصحّ.
* *
وأما الذي قاله ابن زيد: من أنها المعدّة في سبيل الله، فتأويل من معنى"المسوّمة"، بمعزِلٍ.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
قال أبو جعفر: فـ" الأنعام" جمع"نَعَم"، وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها في كتابه: من الضّأن والمعِز والبقر والإبل. [[في سورة الأنعام: ١٤٢-١٤٤.]]
* *
وأما"الحرث"، فهو الزّرع. [[انظر تفسير"الحرث" فيما سلف ٤: ٢٤٠-٢٤٣، ٣٩٧.]]
* *
وتأويل الكلام: زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء، ومن البنين، ومن كذا، ومن كذا، ومن الأنعام والحرث.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جَل ثناؤه:"ذلك"، جميعَ ما ذُكر في هذه الآية من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث. فكنى بقوله:"ذلك" عن جميعهن. وهذا يدل على أن"ذلك" يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني، ويكنى به عن جميع ذلك.
* *
وأما قوله:"متاع الحياة الدنيا"، فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يَستمتع به في الدنيا أهلها أحياءً، فيتبلَّغون به فيها، ويجعلونه وُصْلة في معايشهم، وسببًا لقضاء شهواتهم، التي زُيِّن لهم حبها في عاجل دنياهم، [[في المخطوطة: "زين لهم حملها ... "، وهو من أوهام صاحبنا الناسخ.]] دون أن تكون عدّة لمعادهم، وقُرْبة لهم إلى ربهم، إلا ما أسلِك في سبيله، وأنفق منه فيما أمَر به. [[انظر تفسير"المتاع" فيما سلف ١: ٥٣٩، ٥٤٠ / ثم ٣: ٥٥ / ثم ٥: ٢٦٠.]]
* *
وأما قوله:"والله عنده حسن المآب"، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وعند الله حُسن المآب = يعني: حسن المرْجع، كما:-
٦٧٥٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي:"والله عنده حسن المآب"، يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة.
* *
= وهو مصدر على مثال"مَفْعَل" من قول القائل:"آب الرجل إلينا"، إذا رجع،"فهو يؤوب إيابًا وأوبة وأيبةً وَمآبًا"، [["أيبة" بفتح الهمزة وكسرها وسكون الياء، وهي على المعاقبة من الواو.]] غير أن موضع الفاء منها مهموز، والعين مبدلة من"الواو" إلى"الألف" بحركتها إلى الفتح. فلما كان حظها الحركة إلى الفتح، [[في المخطوطة: "قلنا كان حظها ... " وهي من لطائف صاحبنا غفر الله له.]] وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها - وهو فاء الفعل - انقلبت فصارت"ألفا"، كما قيل:"قال" فصارت عين الفعل"ألفًا"، لأن حظها الفتح."والمآب" مثل"المقال" و"المعاد" و"المجال"، [[في المخطوطة والمطبوعة: "المحال" بالحاء، والصواب ما أثبت.]] كل ذلك"مفعَل" منقولة حركة عينه إلى فائه، فمصيَّرةٌ واوه أو ياؤه"ألفًا" لفتحة ما قبلها.
* *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل:"والله عنده حسن المآب"، وقد علمتَ ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب؟
قيل: إن ذلك معنىّ به خاصٌ من الناس، ومعنى ذلك: [[في المخطوطة كتب"وبين" والواو متصلة بما بعدها، حتى ما تكاد تقرأ، والذي في المطبوعة لا بأس به في قراءة هذه الكلمة.]] والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم. وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها.
* *
فإن قال: وما"حسن المآب"؟ قيل: هو ما وصفه به جل ثناؤه، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مُخلَّدًا فيها، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله.
ثم بين - سبحانه - أهم الشهوات التي يؤدى الانهماك في طلبها إلى الانحراف في التفكير ، وإلى عدم التبصر والاعتبار ، ودعا الناس إلى التزود من العمل الصالح الذي يفضى بهم إلى رضاه - سبحانه - فقال : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ . . . } .فأنت ترى في هذه الآيات الكريما بيانا حكيما من الله - تعالى - لأهم متع الحياة الدنيا وشهواتها ، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات ، مما أعده الله لعباده المتقين من جنات وخيرات .وقوله { زُيِّنَ } من التزيين وهو تصيير الشيء زينا أى حسنا . والزينة هى ما فى الشيء من المحاسن التي ترغب الناظرين في اقتنائه .قال الراغب : " والزينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة ، وزينة بدنية كالقوة وطول القامة ، وزينة خارجية كالمال والجاه . . وقد نسب الله التزيين في مواضع إلى نفسه كما في قوله - تعالى - { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ونسبه في مواضع إلى الشيطان كما في قوله { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ } وذكره في مواضع غير مسمى فاعله كما في قوله - تعالى - { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } .والشهوات جمع شهوة ، وهي ثوران النفس وميلها نحو الشيء المشتهى . والمراد بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء والبنين . . . إلخ . وعبر عنها بالشهوات للإشارة - كما يقول الألوسي - إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي؟ فقال : أشتهي أن أشتهى . أو تنبيها على خستها : لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله ، ثم قال : والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة؛ لأنه لا خالق إلا هو . ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها " .ثم بين - سبحانه - أهم المشتهيات التي يحبها الناس ، وتهفوا إليها قلوبهم ، وترغب فيها نفوسهم ، فأجملها في أمور ستة .أما أولها : فقد عبر عنه القرآن بقوله : " من النساء ولا شك أن المحبة بين الرجال والنساء شيء فطري في الطبيعة الإنسانية ، ويكفي أن الله - تعالى - قد قال في العلاقة بين الرجل والمرأة { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقال تعالى - في آية ثانية { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شيء في سبيل الوصول إلى المرأة التي يهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول الله حيث يقول : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " ، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على كل شهوة . و { مِنَ } في قوله { مِنَ النساء والبنين } بيانية ، وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال من الشهوات .واكتفى القرآن بذكر محبة الرجل للمراة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغني عن ذكر الطرفين معاً ، وما يستفاد بالإشارة يستغنى فيه عن العبارة خصوصاً في هذا المجال الذي يحرص فيه القرآن على تربية الحياء والأدب في النفوس ، ولأن المرأة في هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة . وحتى لو كانت محبتها للرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذي يطلبها لا هي التي تطلبه .وأما ثاني المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله { والبنين } جمع ابن ، وهو معطوف على ما قبله ، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب النساء ، واكتفى بذكر البنين ، لأنهم موضع الفخر في العادة وحب الأولاد طبيعة في النفس البشرية فهم ثمرات القلوب ، وقرة الأعين ومهوى ألفئدة ، ومطمح الآمال ، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يقول : { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين } وسيدنا زكريا يقول : { رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } والإنسان في سبيل حبه لأولاده يضحى براحته ، وقد يجمع المال من أجلهم من حلال ومن حرام ، وقد يرتكب بعض الأعمال التي لا يريد ارتكابها إرضاء لهم ، وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضي ذلك .وصدق الله إذ يقول : { أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة " أى أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتم وآلامه ، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثاراً لهم بالمال ، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه .أما الأمر الثالث من المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله { والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } والقناطير جمع قنطار ، وهو مأخوذ من عقد الشىء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشىء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة لإحكامها .قال الفخر الرازى " القنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد . واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده . فعن ابن عباس : القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية " .ولفط { المقنطرة } مأخوذ من القنطار . ومن عادة العرب أن يصفوا الشىء بما يشتق منه للمبالغة أي والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنظاراً قنطاراً كقولهم : دراهم مدرهمة وإبل مؤبلة .وقوله { مِنَ الذهب والفضة } بيان للناطير ، وهو فى موضع الحال هنا .والمراد أن الإنسان محب للمال حباً شديداً ، قال - تعالى - { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ } وقال تعالى - { وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً }وفي الحديث الشريف الذى رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً . ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . ويتوب الله على من تاب " والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .وقالت السيدة - عائشة - رضي الله عنها - " رأيت ذا المال مهيبا ، ورأيت ذا الفقر مهينا " وقالت : " إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال " .وإنما كان الذهب والفضة مبحوبين ، لأنهما - كما يقول الرازى - جعلا ثمنا لجميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء " وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذى هو محبوب لذاته - وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محبوبين " .وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى في قوله - تعالى - { والخيل المسومة والأنعام والحرث } .ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظة ، بل مفرده فرس فهو نظير قوم - ورهط ونساء . ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل ، فهو نظير راكب ، وطائر وطير . وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال في مشيتها .والمسومة : أى الراعية في المروج والمسارح . يقال : سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى . أو المطهمة الحسان ، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة .والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة ، مهما تفنن البشر في اختراع صنوف من المراكب براً وبحراً فمع وجود هذه المراكب المتنوعة ما زال للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها من جمال وانطلاق وألفة . ويقتنونها للركوب والمسابقات . . . { والأنعام } جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم . ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها .والأنعام فيها زينة . والإنسان في حاجة شديدة إليها في مركبه ومطعمه وغير ذلك . قال - تعالى - { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } و { والحرث } مصدر بمعنى المفعول أى المحروث . والمراد به المزروع سواء أكان حبوباً أم بقلا ، أم ثمراً إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان مطعمه وملبسه وأدوات زينته .تلك هى أهم المشتهيات في هذه الحياة إلى نفس الإنسان قد جمعها القرآن في آية واحدة ، وقد اختصها - سبحانه - بالذكر لأنها أوضح من غيرها في الاحتياج إليها والتلذذ بها ، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية ، أم مالية ، أم غير ذلك من ألوان المتع ، ومن مستلزمات الحياة .وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله { ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب } . واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور الستة التي سبق الحديث عنها ، والمآب : مصدر ميمى بوزن مفعل ، من آب . كقال - إياباً وأوباً ومآباً ، إذا رجع . وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفاً مثل مقال .أى ذلك المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة ، ومطلب الناس الذى يستمتعون به ، . . . .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التي جبل الإنسان على الميل إليها ، وصياغة الفعل للمجهول { زُيِّنَ لِلنَّاسِ } للإشارة إلى أن محبة هذه الأشياء واشتهاءها مركوز في الفطرة الإنسانية منذ أوجد الله الإنسان في هذه الحياة الدنيا .وهذه المشتهيات ليست خسيسة في ذاتها ، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها في ذاتها أو إلى التنفير منها ، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا في طلبها ، وأن يطلبوها من وجوهها المشروعة ، وأن يضعوها في مواضعها المشروعة ، وأن يشكروا الله عليها ، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه الحياة إن الإسلام لا يحارب الفطرة الإنسانية التي تشتهي هذه الأشياء ، وإنما يهذبها ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الأشياء في موضعها المناسب ، بحيث لا تطغى على غيرها ولا تستعمل فى غير ما خلقها الله من أجله ، وبذلك يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته .وللإمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه : يخبر الله - تعالى - عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد . . فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه كما وردت الأحاديث بذلك . . وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر . . . فيكون مذموما ، وتارة يكون للنفقة في وجوه البر فيكون محموداً . . وحب الخيل على ثلاثة أقسام ، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون . وتارة تربط فخرا ومناوأة لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر . وتارة تربط للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق الله فيها فهذه لصاحبها تر . وفى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " والسكة النخل المصطف ، والمأبورة الملقحة ، . وفي الصحيحن عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم غرس أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه " .هذا ، وختام الآية الكريمة بقوله { ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب } إشارة إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهى زوال ، وأما اللذائذ الباقية الخالدة فهي التي أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين في الدارة الآخرة ، ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم } .