سورة آل عمران — الآية ١٥٨
ولئن مُتُّم على أي حال كان موتكم، أو قُتِلتم؛ فإلى الله وحده ترجعون جميعًا؛ ليجازيكم على أعمالكم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ فِي النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَقِيلَ: فِي النَّسَبِ، ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: سَافَرُوا فِيهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أَيْ: غُزَاةً جَمْعُ غَازٍ فَقُتِلُوا، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: قَوْلَهُمْ وَظَنَّهُمْ، ﴿حَسْرَةً﴾ غَمًّا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " يَعْمَلُونَ " بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " مِتَّمْ " بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ فَمَنْ ضَمَّهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ كَقَوْلِكَ: مِنْ قَالَ يَقُولُ قُلْتُ بِضَمِّ الْقَافِ وَمَنْ كَسَرَهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمَاتُ كَقَوْلِكَ مِنْ خَافَ يَخَافُ: خِفْتُ، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فِي الْعَاقِبَةِ، ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مِنَ الْغَنَائِمِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، "تَجْمَعُونَ") بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ ﴿يَجْمَعُونَ﴾ بِالْيَاءِ يَعْنِي: خَيْرٌ [[زيادةمن: (ب) .]] مِمَّا يَجْمَعُ النَّاسُ.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ فِي الْعَاقِبَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ" مَا ") صِلَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾
﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: سَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ وَكَثْرَةُ احْتِمَالِكَ وَلَمْ تُسْرِعْ إِلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ يعني: جافيًا سيّء الْخُلُقِ قَلِيلَ الِاحْتِمَالِ، ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ غَلِيظَ الْقَلْبِ فِي الْفِعْلِ، ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أَيْ: لَنَفَرُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، يُقَالُ: فَضَضْتُهُمُ فَانْفَضُّوا أَيْ فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ مَا أَتَوْا يَوْمَ أُحُدٍ، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ حَتَّى أُشَفِّعَكَ فِيهِمْ، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أَيِ: اسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: شُرْتُ الدَّابَّةَ وَشَوَّرْتُهَا إِذَا اسْتَخْرَجْتُ جَرْيَهَا وَشُرْتُ الْعَسَلَ وَأَشَرْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَاسْتَخْرَجْتُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَجَزَالَةِ [[في "أ" وجودة رأيه.]] رَأْيِهِ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَاصٌّ فِي المعنى أي: وشاروهم فِيمَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَهْدٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي نَاظِرْهُمْ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمَكَايِدِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْغَزْوِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْطَفُ لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَذْهَبُ لِأَضْغَانِهِمْ، فَإِنَّ سَادَاتِ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الْأَمْرِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ عز وجل ٧٢/أأَنَّهُ مَا بِهِ إِلَى مُشَاوَرَتِهِمْ حَاجَةٌ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَقَانِعِيُّ أَخْبَرَنَا أحمد بن ما هان، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَكْثَرَ اسْتِشَارَةً لِلرِّجَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في الجهاد باب ما جاء في المشورة: ٥ / ٣٧٣ - ٣٧٤ قال: ويروى عن أبي هريرة: ما رأيت أحدا. . . وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٨٨ وفيه طلحة بن زيد القرشي أبو مسكين أو أبو محمد الرقي أصله من دمشق؛ متروك. قال أحمد وعلي وأبو دواد: كان يضع الحديث. انظر: التقريب: ١ / ٣٧٨. قال ابن حجر في الكاف الشافي ص (٣٣) : أخرجه الشافعي: ٢ / ١٧٧ (من ترتيب المسند) عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي هريرة وهو منقطع وهو مختصر من الحديث الطويل في قصة الحديبية وغزوة الفتح وأخرجه ابن حبان من رواية عبد الرزاق عن عمر عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان. . . ".]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ لَا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ أَيْ: قُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَثِقْ بِهِ وَاسْتَعِنْهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ .
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ أيْ مُتُّمْ في سَبِيلِهِ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يُماتُ. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ وهو سادٌّ مَسَدَّ الجَزاءِ والمَعْنى: إنَّ السَّفَرَ والغَزْوَ لَيْسَ مِمّا يَجْلِبُ المَوْتَ ويُقَدِّمُ الأجَلَ وإنْ وقَعَ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَما تَنالُونَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِالمَوْتِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ تَمُوتُوا. وقَرَأ حَفْصٌ بِالياءِ.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ أيْ عَلى أيِّ وجْهٍ اتَّفَقَ هَلاكُكم. ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ لَإلى مَعْبُودِكُمُ الَّذِي تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ. وبَذَلْتُمْ مُهَجَكم لِوَجْهِهِ لا إلى غَيْرِهِ لا مَحالَةَ تُحْشَرُونَ، فَيُوَفِّي جَزاءَكم ويُعْظِمُ ثَوابَكم. وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ مُتِمٌّ بِالكَسْرِ.
﴿ولئن متم أو قتلتم﴾: ﴿ولئن﴾ الواو عاطفة، واللام موطئة للقسم المقدر، وإن شرطية، و﴿متم﴾ فعل ماض في محل جزم لأنه فعل الشرط، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، و﴿أو﴾ حرف عطف، و﴿قتلتم﴾ فعل ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، والتاء نائب فاعل، والميم علامة الجمع.
﴿لإلى الله تحشرون﴾: اللام ومدخولها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه، ﴿وإلى الله﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿تحشرون﴾، و﴿تحشرون﴾ فعل مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله، وواو الجماعة نائب فاعل.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ أيْ: في إقامَتِكم. ﴿أوْ قُتِلْتُمْ﴾ في جِهادِكم. ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ وهَذا تَخْوِيفٌ مِنَ القِيامَةِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ مَعَ سَوْقٍ.
شرح الكلمات:
آمنوا: صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من وعد ووعيد.
إخوانهم: هذه أخوة العقيدة لا أخوة النسب وهي هنا أخوة النفاق.
ضربوا في الأرض: ضربوا في الأرض بأقدامهم مسافرين للتجارة غالبا.
غزى: جمع غازٍ وهو من يخرج لقتال ونحوه من شؤون الحرب.
الحسرة: ألم يأخذ بخناق النفس بسب فوت مرغوب أو فقد محبوب.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ونتائجها المختلفة ففي هذه الآية [١٥٦] ينادي الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله تعالى ووعيده يناديهم لينهاهم عن الاتصاف بصفات الكافرين النفسية ومن ذلك قول الكافرين لإخوانهم في الكفر إذا هم ضربوا في الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات منهم أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره، لو كانوا عندنا أي ما فارقونا وبقوا في ديارنا وماتوا وما قتلوا وهذا دال على نفسية الجهل ومرض الكفر، وحسب سنة الله تعالى فإن هذا القول منهم يتولد، لهم عنه بإذنه تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبناً وخوراً يحيي هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وقالُواْ لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أوْ كانُواْ غُزًّى لَّوْ كانُواْ عِنْدَنا ما ماتُواْ وما قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وٱللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في ختام هذه الآية: ﴿وٱللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيه وعد للمؤمنين إن انتهوا عما نهاهم عنه في الآية ووعيد إن لم ينتهوا فيجزيهم بالخير خيراً، وبالشر إن لم يعف شراً. أما الآية الثانية [١٥٧] فإن الله تعالى يبشر عباده المؤمنين مخبراً إياهم بأنهم إن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا فيه يغفر لهم ويرحمهم وذلك خير مما يجمع الكفار من حطام الدنيا ذلك الجمع للحطام الذي جعلهم يجبنون عن القتال والخروج فى سبيل الله فقال تعالى: ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمّا يَجْمَعُونَ﴾ وفي الآية الثالثة [١٥٨] يؤكد تلك الخيرية التي تضمنتها الآية السابقة فيقول: ﴿ولَئِنْ مُّتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾ في سبيلنا ﴿لإلى ٱلله تُحْشَرُونَ﴾ حتما، وثم يتم لكم جزاؤنا على استشهادكم وموتكم في سبيلنا، ولنعم ما تجزون به في جوارنا الكريم.
هداية الآيات:
١- حرمة التشبه بالكفار ظاهراً وباطناً.
٢- الندم يولد الحسرات والحسرة غم وكرب عظيمان، والمؤمن يدفع ذلك بذكره القضاء والقدر فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه من حطام الدنيا.
٣- موتة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
(p-٨٥)قالَ: هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ والمُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ وهي التِّجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، إذا ماتَ الرَّجُلُ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ عِنْدَنا ما ماتَ. فَلا تَقُولُوا كَما قالَ الكُفّارُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُمْ، لا يَنْفَعُهم شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾: لِقِلَّةِ اليَقِينِ بِرَبِّهِمْ، ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ ويُؤَخِّرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. أيْ: إنَّ المَوْتَ كائِنٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ قَتْلٌ خَيْرٌ -لَوْ عَلِمُوا واتَّقَوْا- مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي لَها يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ؛ تَخَوُّفَ المَوْتِ والقَتْلِ لِما جَمَعُوا مِن زَهِيدِ الدُّنْيا زَهادَةً في الآخِرَةِ، ﴿ولَئِنْ (p-٨٦)مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ؛ إذْ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا تَغْتَرُّوا بِها، ولْيَكُنِ الجِهادُ وما رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنهُ آثَرَ عِنْدَكم مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قَرَأ: (مِتُّمْ) و(أئِذا مِتْنا)، كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ بِكَسْرِ المِيمِ.
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ لَإلى الرَحِيمِ الواسِعِ الرَحْمَةِ، المُثِيبِ، العَظِيمِ الثَوابِ تُحْشَرُونَ، ولِوُقُوعِ اسْمِ اللهِ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ تَقْدِيمِهِ، وإدْخالِ اللامِ عَلى الحَرْفِ المُتَّصِلِ بِهِ شَأْنٌ غَنِيٌّ عَنِ البُرْهانِ، "لَمَغْفِرَةٌ" جَوابُ القَسَمِ، وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَرْطِ، وكَذَلِكَ ﴿لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ كَذَّبَ الكافِرِينَ أوَّلًا في زَعْمِهِمْ أنَّ مَن سافَرَ مِن إخْوانِهِمْ، أوْ غَزا، لَوْ كانَ بِالمَدِينَةِ لَما ماتَ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ سَبَبُ التَقاعُدِ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: ولَئِنْ تَمَّ عَلَيْكم ما تَخافُونَهُ مِنَ الهَلاكِ بِالمَوْتِ، أوِ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّ ما تَنالُونَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ بِالمَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُنْيا، لِأنَّ الدُنْيا زادُ المَعادِ، فَإذا وصَلَ العَبْدُ إلى المُرادِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الزادِ.
جَوَابُ الْجَزَاءِ مَحْذُوفٌ، اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ) وَكَانَ الِاسْتِغْنَاءُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ أَوْلَى، لِأَنَّ لَهُ صَدْرَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ لَيَغْفِرَنَّ لَكُمْ. وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: مِتُّمْ، بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلَ نِمْتُمْ، مِنْ مَاتَ يُمَاتُ مِثْلَ خِفْتُ يُخَافُ. وَسُفْلَى مُضَرَ يَقُولُونَ: مُتُّمْ، بِضَمِ الْمِيمِ مِثْلَ صُمْتُمْ، مِنْ مَاتَ يَمُوتُ. كَقَوْلِكَ كَانَ يَكُونُ، وَقَالَ يَقُولُ. هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) وَعْظٌ. وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، أَيْ لَا تَفِرُّوا مِنَ الْقِتَالِ وَمِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ، بَلْ فِرُّوا مِنْ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ، فَإِنَّ مَرَدَّكُمْ إِلَيْهِ لَا يَمْلِكُ لَكُمْ أَحَدٌ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا غَيْرُهُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولئن متم أو قتلتم، أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق:
٨١١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولئن متم أو قتلتم"، أيُّ ذلك كان ="لإلى الله تحشرون"، أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها. [[الأثر: ٨١١٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٧.]]
* *
وأدخلت"اللام" في قوله:"لإلى الله تحشرون"، لدخولها في قوله:"ولئن". ولو كانت"اللام" مؤخرة إلى قوله:"تحشرون"، لأحدثت"النون" الثقيلة فيه، كما تقول في الكلام:"لئن أحسنتَ إليّ لأحسننَّ إليك" بنون مثقّلة. فكان كذلك قوله: ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله، ولكن لما حِيل بين"اللام" وبين"تحشرون" بالصفة، [[في المطبوعة: "لما حيز بين اللام. . ."، وفي المخطوطة: "ولما حين. . ."، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الصفة" حرف الجر، انظر ما سلف ١: ٢٩٩، تعليق: ١، وسائر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.]] أدخلت في الصفة، وسلمت"تحشرون"، فلم تدخلها"النون" الثقيلة، كما تقول في الكلام:"لئن أحسنتَ إليّ لإليك أحسن"، بغير"نون" مثقلة.
ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال .{ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } .أى ولئن متم - أيها المؤمنون - وأنتم فى بيوتكم أو فى أى مكان ، أو قتلتم بأيديى أعدائكم وأنتم تجاهدون فى سبيل الله ، فعلى أى وجه من الوجوه كان انقضاء حياتكم فإنكم إلى الله وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازى مع اقتحامها لموارد الحتوف ، وقد يميت المقيم والقاعد فى بيته مع حيازته لأسباب السلامة .وأن الذين يموتون على الإيمان الحق ، أو يقتلون وهم يجاهدون فى سبيل الله فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ما هو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا .وأن جميع الخلق مؤمنمهم وكافرهم سيعودون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين .قال الفخر الرازى : واعلم أن فى قوله : { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } دقائق :أحداها : أنه لم يقل : تحشرون إلى الله ، بل قال : لإلى الله تحشرون ، وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أنه لا حاكم فى ذلك اليوم ولا نافع ولا ضار إلا هو .وثانيهما : أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة . وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد .وثالثها : أن قوله { تُحْشَرُونَ } فعل لم يسم فاعله ، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله وإنما ما يقع التصريح به لأنه - تعالى - هو العظيم الكبير الذى شهدت العقول بأنه هو الذى يبدىء ويعيد ، ومنه الإنشاء والإعادة فترك التصريح فى مثل هذا الموضع أدل على العظمة .ورابعها : أن قوله { تُحْشَرُونَ } خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين ، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل ، والله - تعالى - هو الذى يتولى الحكم بينهم .وقبل أن تتم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة ، وعن السباب الظاهرة والخفية لذلك . أخذت فى بيان حال النبى صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة ، وأنه - صلى لله عليه وسلم - لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة . فقال - تعالى - : { فَبِمَا رَحْمَةٍ . . . } .