سورة آل عمران — الآية ١٦٧
وليظهر المنافقون الذين لمَّا قيل لهم: قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا بتكثيركم سواد المسلمين؛ قالوا: لو نعلم أنه يكون قتال لاتبعناكم لكننا لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتال، هم في حالهم وقتئذٍ أقرب إلى ما يدل على كفرهم مما يدل على إيمانهم، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يُبْطِنونه في صدورهم، وسيعاقبهم عليه.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ، ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: لِيُمَيِّزَ وَقِيلَ لِيَرَى.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عَنْ أَهْلِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ كَثِّرُوا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ وَرَابِطُوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا يَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ ﴿مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ) [[زيادة من (ب) .]] ، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَلِمَةَ الْإِيمَانِ ﴿مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ وَهُمْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ ﴿وَقَعَدُوا﴾ يَعْنِي: قَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ عَنِ الْجِهَادِ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ وَانْصَرَفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ ﴿مَا قُتِلُوا قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿فَادْرَءُوا﴾ فَادْفَعُوا، ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ الْحَذَرَ لَا يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الْآيَةَ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ [[انظر: تفسير الطبري: ٧ / ٣٩٠ الدر المنثور للسيوطي: ٢ / ٣٧٢.]] وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَرْبَعَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ [[عزاه السيوطي لسعيد بن منصور وهو عنده في السنن في الجهاد باب جامع الشهادة: ٢ / ٣١٩ وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. الدر المنثور: ٢ / ٣٧١ وانظر أسباب النزول ص (١٦٣) .]] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (هُوَ بن مَسْعُودٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الْآيَةَ قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ" وَيُرْوَى "فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا: يَا رَبُّ كَيْفَ نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا شَيْئًا قَالُوا: إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا نُقْتَلُ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تُرِكُوا" [[أخرجه مسلم في الإمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. . . برقم (١٨٨٧) ٣ / ١٥٠٢. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٦٤.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَنَا جيعويةُ أَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأَوْا طِيبَ مَقِيلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَرَأَوْا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الكرامة قالوا: ياليت قَوْمَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَمَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا كَيْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَتَّكِلُوا عَنْهُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ وَمُبَلِّغٌ إِخْوَانَكُمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ " [[أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الشهادة: ٣ / ٣٧٣ - ٣٧٤ قال المنذري: وذكر الدارقطني أن عبد الله بن ادريس تفرد به عن محمد بن إسحاق وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٨٨، ٢٩٧ وصححه على شرط مسلم والإمام أحمد في المسند: ١ / ٢٦٦ عن ابن عباس. والطبري في التفسير: ٧ / ٢٨٥ وانظر ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن الحديث في الموضع نفسه. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (٣٤) لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار كلهم من حديث ابن عباس به وأتم منه. وأصل الحديث عند مسلم من حديث ابن مسعود السابق. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل. انظر: الدر المنثور: ٢ / ٣٧١ وذكره ابن كثير في التفسير: ١ / ٤٢٨ وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مختصر سنن أبي داود: ٣ / ٣٧٤.]] .
سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الْقُتَيْبِيَّ [[في "أ": "الليثي".]] قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ [[في "أ": "أحمد".]] بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَكْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا"؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ: "أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهَ بِهِ أَبَاكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قال: ٧٣/أ "مَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا قَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ أَحْيِنِي فَأُقْتَلُ فِيكَ الثَّانِيَةَ، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مَنِّي أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [[أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: ٨ / ٣٦٠ - ٣٦١ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية. . برقم (١٩٠) : ١ / ٦٨ وفي الجهاد أيضا وابن أبي عاصم في السنة: ١ / ٢٦٧ وصححه الحاكم في المستدرك: ٣ / ٢٠٣ وتعقبه الذهبي فقال: فيض بن وثيق: كذاب وزاد السيوطي نسبته للطبراني وابن خزيمة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل " الدر المنثور: ٢ / ٣٧١" وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (١٦٢) . وقال الألباني في تخريج السنة: إسناده حسن رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" [[أخرجه مسلم في الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (١٨٧٧) : ٣ / ١٤٩٨ والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٦٨.]] .
وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ [[انظر: تفسير الطبري: ٧ / ٣٩٢ أسباب النزول للواحدي ص (١٦٣) .]] وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، فَأَسْلِمْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أَقْبَلَ هَدِيَّتَكَ؟ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ فِيهِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ فَلَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ".
فَقَالَ أَبُو الْبَرَاءِ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوَا النَّاسَ إِلَى أَمْرِكَ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ابن وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ وَعَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ فَلَمَّا نَزَلُوهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: أَنَا فَخَرَجَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ لَمْ يَنْظُرْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَنِي عَامِرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -عُصَيَّةَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ -فَأَجَابُوهُ فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا السُّيُوفَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتَثَّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَضَّلُوهُ فِيهِمْ [[زيادة من (ب) .]] فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ يُنَبِّهْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْمُعَسْكَرِ! فَقَالَا وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذَا الطَّيْرِ لَشَأْنًا فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ اللَّهُ أَكْبَرُ [[زيادة من (ب) .]] لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ أَسِيرًا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا" فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إِيَّاهُ وَمَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ.
وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ عَلَى فَرَسِهِ فَقَتَلَهُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: ٢ / ١٧٤ - ١٧٦.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ لَهُمْ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، وَكَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ.
قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَرَأْنَا، فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا" [[أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة: ٧ / ٣٨٥ ومسلم في المساجد باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة مختصرا برقم (٦٧٧) : ١ / ٤٦٨. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٩٥ - ٣٩٦.]] ثُمَّ نُسِخَتْ (فَرُفِعَ بَعْدَمَا قَرَأْنَاهُ) [[في "أ" جاءت العبارة هكذا: (فرفعت بعد ما قرأناها) .]] زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الْآيَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءَ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ تَحَسَّرُوا عَلَى الشُّهَدَاءِ، وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (١٦٣) .]] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ وَلَا تَظُنَّنَّ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "قُتِّلُوا") بِالتَّشْدِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ "أَمْوَاتًا ") كَأَمْوَاتِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ أَحْيَاءٌ فِي الدِّينِ وَقِيلَ: فِي الذِّكْرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَالْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ وَلَا تَأْكُلُهُ الأرض.
وقال عبيدة بْنُ عُمَيْرٍ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودعا له ٧٣/أثُمَّ قَرَأَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ" [[أخرجه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٢٤٨ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال وأنا أحسبه موضوعا وقطن لم يرو له البخاري وعبد الأعلى: لم يخرجا له. ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله. قال: الهيثمي: وفيه عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة؛ وهو متروك. مجمع الوائد: ٦ / ١٢٣.]] .
﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتُحَفِهَا.
﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ. ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ أوْ تَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ سَمّاها إذْنًا لِأنَّها مِن لَوازِمِهِ. ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ فَيَظْهَرُ إيمانُ هَؤُلاءِ وكُفْرُ هَؤُلاءِ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ. ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ تَقْسِيمٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ وتَخْيِيرٌ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِلدَّفْعِ عَنِ الأنْفُسِ والأمْوالِ. وقِيلَ مَعْناهُ قاتِلُوا الكَفَرَةَ أوِ ادْفَعُوهم بِتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ كَثْرَةَ السَّوادِ مِمّا يُرَوِّعُ العَدُوَّ ويَكْسِرُ مِنهُ. ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ لَكِنْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٍ بِالأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، أوْ لَوْ نُحْسِنُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ، وإنَّما قالُوهُ دَغْلًا واسْتِهْزاءً. ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ لِانْخِذالِهِمْ وكَلامِهِمْ هَذا فَإنَّها أوَّلُ أماراتٍ ظَهَرَتْ مِنهم مُؤْذِنَةً بِكُفْرِهِمْ. وقِيلَ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، لا تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم بِالإيمانِ. وإضافَةُ القَوْلِ إلى الأفْواهِ تَأْكِيدٌ وتَصْوِيرٌ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ. وما يَخْلُو بِهِ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ.
﴿وليعلم الذين نافقوا﴾: عطف على ﴿ليعلم﴾، والذين اسم موصول مفعول به، وجملة ﴿نافقوا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، أو معطوف على ﴿نافقوا﴾ داخل في حيز الموصول، أي: وليعلم الذين حصل منهم النفاق، و﴿قيل﴾ فعل ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، ولهم جار ومجرور متعلقان بـ﴿قيل﴾، وجملة ﴿تعالوا﴾ مقول القول نائب فاعل، وكذلك جملة ﴿قاتلوا﴾، و﴿في سبيل الله﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿قاتلوا﴾، ﴿أو﴾ حرف عطف، و﴿ادفعوا﴾ معطوف على ﴿قاتلوا﴾، وحذف مفعول ﴿ادفعوا﴾ للعلم به.
﴿قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم﴾: الجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها مستأنفة، و﴿لو﴾ شرطية، وجملة ﴿لو نعلم قتالًا﴾ مقول قولهم، واللام واقعة في جواب ﴿لو﴾، و﴿اتبعناكم﴾ فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها جواب شرط غير جازم.
﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾: الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وهم مبتدأ، و﴿للكفر﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿أقرب﴾، و﴿يومئذ﴾ يوم: ظرف زمان متعلق بـ﴿أقرب﴾، وإذٍ: اسم مبني على السكون المقدر لاشتغال المحل بتنوين العوض في محل جر مضاف إليه، وتنوينه عوض عن جملة محذوفة والتقدير: هم للكفر يوم إذ قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم أقرب منهم للإيمان. وأقرب خبر ﴿هم﴾، ومنهم جار ومجرور متعلقان بـ﴿أقرب﴾، وللإيمان جار ومجرور متعلقان بـ﴿أقرب﴾ أيضًا.
﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾: الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو حالية من الضمير في ﴿أقرب﴾، أي: قربوا للكفر في حال كونهم قائلين هذه المقالة، وبأفواههم جار ومجرور متعلقان بـ﴿يقولون﴾، و﴿ما﴾ اسم موصول مفعول به، وجملة ﴿ليس في قلوبهم﴾ صلة ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب، وفي قلوبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس.
﴿والله أعلم بما يكتمون﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، أو الجملة حالية، ولفظ الجلالة مبتدأ، وأعلم خبر، وبما جار ومجرور متعلقان بأعلم، وجملة يكتمون صلة ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ الجَمْعانُ: النَّبِيُّ وأصْحابُهُ، وأبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، وذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ما أصابَهم.
(p-٤٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أمْرُهُ، والثّانِي: قَضاؤُهُ رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ: عَلْمُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِيَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ بِثُبُوتِهِمْ عَلى ما نالَهم، ويَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِينَ بِفَشَلِهِمْ وقِلَّةِ صَبْرِهِمْ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهو جِحَرَ مِن جِحَرَتِهِ يَخْرُجُ مِنهُ إذا أخَذَ عَلَيْهِ الجُحْرُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. قالَ الزِّيادَيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ: ولِلْيَرْبُوعِ أرْبَعَةُ أجْحِرَةٍ، النّافِقاءُ: وهو الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ كَثِيرًا، ويَدْخُلُ مِنهُ كَثِيرًا. والقاصِعاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُخْرِجُ تُرابَ الجُحْرِ، ثُمَّ يَقْصَعُ بِبَعْضِهِ كَأنَّهُ يَسُدُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، ومِنهُ يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ قَدْ قَصَعَ بِالدَّمِ: إذا امْتَلَأ ولَمْ يَسِلْ. والدّامّاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ التُّرابَ مِن فَمِ الجُحْرِ، ثُمَّ يَدُمُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، كَأنَّهُ يَطْلِيهِ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ: أدْمِمْ قَدْرَكَ بِشَحْمٍ، أيِ: اطْلِها بِهِ. والرّاهِطاءُ، ولَمْ يَذْكُرِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما يَتَّخِذُ هَذِهِ الجُحْرَ عَدَدًا، فَإذا أخَذَ عَلَيْهِ بَعْضَها، خَرَجَ مِن بَعْضٍ. قالَ أبُو زَيْدٍ: فَشُبِّهَ المُنافِقُ بِهِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في الإسْلامِ بِلَفْظِهِ، ويَخْرُجُ مِنهُ بِعُقْدَةٍ، كَما يَدْخُلُ اليَرْبُوعُ مِن بابٍ ويَخْرُجُ مِن بابٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ: لَفْظٌ إسْلامِيٌّ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَبْلَ الإسْلامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِالَّذِينِ نافَقُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، وهم ألْفُ رَجُلٍ، والمُشْرِكُونَ ثَلاثَةُ آَلافٍ، فَرَجَعَ عَنْهُ ابْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ.» فَأمّا القِتالُ، فَمُباشَرَةُ الحَرْبِ. وفي المُرادِ بِالدَّفْعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التَّكْثِيرُ بِالعَدَدِ. رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ في آَخَرِينَ.
(p-٤٩٨). والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكم وحَرِيمِكم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى القِتالِ أيْضًا. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: (لَوْ ﴿نَعْلَمُ قِتالا)﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّ اليَوْمَ يَجْرِي قِتالٌ ما أسْلَمْناكم، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: لَوْ كُنّا نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم.
والثّالِثُ: إنَّما مَعْناهُ: أنَّ هُناكَ قَتْلًا ولَيْسَ بِقِتالٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم لِلْكُفْرِ﴾ أيْ: إلى الكُفْرِ ﴿أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ أيْ: إلى الإيمانِ، وإنَّما قالَ: يَوْمَئِذٍ، لِأنَّهم فِيما قَبْلُ لَمْ يَظْهَرُوا مِثْلَ ما أظْهَرُوا، فَكانُوا بِظاهِرِ حالِهِمْ فِيما قَبْلُ أقْرَبُ إلى الإيمانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
أحَدُهُما: يَنْطِقُونَ بِالإيمانِ، ولَيْسَ في قُلُوبِهِمْ إلّا الكُفْرُ.
والثّانِي: يَقُولُونَ: نَحْنُ أنْصارٌ، وهم أعْداءٌ. وذَكَرَ في الَّذِي يَكْتُمُونَ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ النِّفاقُ. والثّانِي: العَداوَةُ.
شرح الكلمات:
المصيبة: إحدى المصائب: ما يصيب الإنسان من سوء وأسوأها مصيبة الموت.
مثليها: ضعفيها إذ قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا سبعين.
أنى هذا؟: أي من أين أتانا هذا الذي أتانا من القتل والهزيمة.
فبإذن الله: أي بإرادته تعالى وتقديره بربط المسببات بأسبابها.
نافقوا: أظهروا من الإيمان ما لا يبطنون من الكفر.
أو ادفعوا: أي ادفعوا العدوعن دياركم وأهليكم وأولادكم، إن لم تريدوا ثواب الآخرة.
ادرأوا: أي ادفعوا.
إن كنتم صادقين: في دفع المكروه بالحذر.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في أحداث غزوة أحد ففي الآية الأولى: ينكر الله تعالى على المؤمنين قولهم بعد أن أصابتهم مصيبة القتل والجراحات والهزيمة: ﴿أنّىٰ هَٰذا﴾ أي من أي وجه جاءت هذه المصيبة ونحن مسلمون ونقاتل في سبيل الله ومع رسوله؟ فقال تعالى: ﴿أوَ لَمَّآ أصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ بأحد قد أصبتم مثليها ببدر لأن ما قتل من المؤمنين بأحد كان سبعين، وما قتل من المشركين ببدر كان سبعين قتيلا وسبعين أسيراً، وأمر رسوله ﷺ أن يُجيبهم: قل هو من عند أنفسكم، وذلك بمعصيتكم لرسول الله حيث خالف الرماة أمره، وبعدم صبركم إذ فررتم من المعركة تاركين القتال. وقوله ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إشعار بأن الله تعالى أصابهم بما أصابهم به عقوبة لهم حيث لم يطيعوا رسوله ولم يصبروا على قتال أعدائه. هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٦٥] أما الآيات الثلاث بعدها فقوله تعالى: ﴿ومَآ أصابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقى ٱلْجَمْعانِ فَبِإذْنِ ٱللَّهِ ولِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يخبر تعالى المؤمنين أن ما أصابهم يوم أحد عند التقاء جمع المؤمنين وجمع المشركين في ساحة المعركة كان بقضاء الله وتدبيره، وعلته إظهار المؤمنين على صورتهم الباطنية الحقة وإنهم صادقون في إيمانهم، ولذا قال تعالى وليعلم المؤمنين علم انكشاف وظهور كما هو معلوم له في الغيب وباطن الأمور هذا أولا وثانيا ليعلم الذين نافقوا فأظهروا الإيمان والولاء لله ولرسوله والمؤمنين ثم أبطنوا الكفر العداء لله ورسوله والمؤمنين فقال عنهم في الآيتين الثالثة [١٦٧] والرابعة [١٦٨] ﴿ولِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نافَقُواْ﴾ وهم عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين وعصابته الذين رجعوا من الطريق قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وقد قال لهم عبد الله بن حرام والد جابر تعالوا قاتلوا في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة، وإن لم تريدوا ثواب الآخرة فادفعوا عن أنفسكم وأهليكم معرة جيش غاز يريد قتلكم إذ وقوفكم معنا يكثر سوادنا ويدفع عنا خطر العدو الداهم فأجابوا قائلين: لو نعلم قتالاً سيتم لاتبعناكم، فأخبر تعالى عنهم بأنهم في هذه الحال ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهُمْ لِلإيمانِ﴾ إذ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ﴿وٱللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ حتى من أنفسهم يعلم أنهم يكتمون عداوة الله ورسوله والمؤمنين وإرادة السوء بالمؤمنين، وأن قلوبهم مع الكافرين الغازين.
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قعدوا عن الجهاد في أحد وقالوا لإخوانهم في النفاق - وهم في مجالسهم الخاصة -: - لو أنهم قعدوا فلم يخرجوا كما لم نخرج نحن ما قتلوا. فأمر الله رسوله أن يرد عليهم قائلاً: ﴿فادْرَءُوا﴾ أي ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر أجلكم إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو قعدوا ما قتلوا.
من هداية الآيات:
١- المصائب ثمرة الذنوب.
٢- كل الأحداث التي تتم في العالم سبق بها علم الله، ولا تحدث إلا بإذنه.
٣- قد يقول المرء قولا أو يظن ظنا يصبح به على حافة هاوية الكفر.
٤- الحذر لا يدفع القدر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنَّكم قَدْ أصَبْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ ما أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ ما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا رَأوْا مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: مِن أيْنَ هَذا؟ ما كانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقْتُلُوا مِنّا! فَلَمّا رَأى اللَّهُ ما قالُوا مِن ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: هم بِالأسْرى الَّذِينَ أخَذْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وعَجَّلَ لَهم عُقُوبَةَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ لِيَسْلَمُوا مِنها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-١٠٥)مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ؛ إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتُلَ مِنهم عِدَّتُهم. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا بِعِدَّتِهِمْ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رِجْلًا، عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ» يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّبَعُوهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قالَ: أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وأصابُوا مِثْلَيْها يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، (p-١٠٦)﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: «إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلْهُمْ» فَقالَ لَهُ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نُقْتَلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِنَ الغَزْوِ في الجاهِلِيَّةِ، فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِأمْرٍ وعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ، فَقُلْ لَهُ: أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ فَقالَ لَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَتَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ» قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ قالَ: «سَتَرَوْنَها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فَقالَ: لِيَمِيزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كَثِّرُوا بِأنْفُسِكم وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ (p-١٠٧)سَعْدٍ يَقُولُ: لَوْ بِعْتُ دارِي فَلَحِقْتُ بِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ المُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ أُسَوِّدُ مَعَ النّاسِ. فَفَعَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كُونُوا سَوادًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَوْنٍ الأنْصارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: رابِطُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وغَيْرِهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى إذا كانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ والمَدِينَةِ، انْخَزَلَ عَنْهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ، وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي، واللَّهِ ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وأهْلِ الرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَما حَضَرَهم عَدُّوهُمْ، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكُمْ، ولَكِنْ لا نُرى أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)قِتالٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنا واجِدُونَ مَعَكم مَكانَ قِتالٍ لاتَّبَعْناكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالًا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، فَذَكَرَ اللَّهُ، في قَوْلِهِمْ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ (p-١٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ.
وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ، وقالُوا لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِكم فافْعَلُوا؛ وذَلِكَ أنَّهم إنَّما نافَقُوا وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ حِرْصًا عَلى البَقاءِ في الدُّنْيا وفِرارًا مِنَ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ في القَدَرِيَّةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ .
(p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الكُفّارُ، يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما قُتِلُوا. يَحْسَبُونَ أنَّ حُضُورَهم لِلْقِتالِ هو يُقَدِّمُهم إلى الأجَلِ.
﴿ٱدۡفَعُواْ﴾: كونوا عَوْنًا لنا بتكثيرِكم سَوادَنا.
﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ وهو كائِنٌ، لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ، ولِيَظْهَرَ إيمانُ هَؤُلاءِ ونِفاقُ هَؤُلاءِ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: جاهِدُوا لِلْآخِرَةِ كَما يُقاتِلُ المُؤْمِنُونَ ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ أيْ: قاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكُمْ، وأهْلِيكُمْ، وأمْوالِكُمْ، إنْ لَمْ تُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ. وقِيلَ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ العَدُوَّ بِتَكْثِيرِكم سَوادَ المُجاهِدِينَ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا، لِأنَّ كَثْرَةَ السَوادِ مِمّا تُرَوِّعُ العَدُوَّ ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ: لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ، يَعْنُونَ: أنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ لِخَطَإ رَأْيِكم لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا يُقالُ لِمِثْلِهِ: قِتالٌ، إنَّما هو إلْقاءُ النَفْسِ في التَهْلُكَةِ.
﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ يَعْنِي: أنَّهم كانُوا يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ قَبْلَ ذَلِكَ، وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ تُؤْذِنُ بِكُفْرِهِمْ، فَلَمّا انْخَذَلُوا عَنْ عَسْكَرِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا ما قالُوا تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ المَظْنُونِ بِهِمْ، واقْتَرَبُوا مِنَ الكُفْرِ، أوْ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُؤْمِنِينَ بِالِانْخِذالِ تَقْوِيَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ مِنَ (p-٣١٠)الإيمانِ وغَيْرِهِ، والتَقْيِيدُ بِالأفْواهِ لِلتَّأْكِيدِ، ونَفِيِ المَجازِ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.
يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ.
(فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِعِلْمِهِ. وَقِيلَ: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهُ. قَالَ الْقَفَّالُ: أَيْ فَبِتَخْلِيَتِهِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ. وَهَذَا تَأْوِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي "فَبِإِذْنِ اللَّهِ" لِأَنَّ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ وَالَّذِي أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، فَأَشْبَهَ الْكَلَامُ مَعْنَى الشَّرْطَ، كَمَا قال سيبويه: الذي قام فله درهم.
(وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا) أَيْ لِيَمِيزَ. وَقِيلَ لِيَرَى. وَقِيلَ: لِيَظْهَرَ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ بِثُبُوتِهِمْ فِي الْقِتَالِ، وَلِيَظْهَرَ كُفْرُ الْمُنَافِقِينَ بِإِظْهَارِهِمُ الشَّمَاتَةَ فَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ هِيَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ انْصَرَفُوا مَعَهُ عَنْ نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ. فَمَشَى فِي أَثَرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الأنصاري، أبو جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَتْرُكُوا نَبِيَّكُمْ، وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ: مَا أَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ لَكُنَّا مَعَكُمْ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: اذْهَبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ. وَمَضَى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتُشْهِدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. واخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (أَوِ ادْفَعُوا) فَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا: كَثِّرُوا سَوَادَنَا وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا مَعَنَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، فَإِنَّ السَّوَادَ إِذَا كَثُرَ حَصَلَ دَفْعُ الْعَدُوِّ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: رَأَيْتُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى وَعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أَطْرَافهَا، وَبِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، فَقِيلَ لَهُ [[في ز: فقلت له.]]: [أَلَيْسَ] [[الزيادة من ابن عطية.]] قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكَ؟ قَالَ: بَلَى! وَلَكِنِّي أُكَثِّرُ [سَوَادَ] [[الزيادة من ابن عطية.]] الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِي. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ بِسَوَادِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ! وَقَالَ أَبُو عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ: مَعْنَى "أَوِ ادْفَعُوا" رَابِطُوا. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَلَا مَحَالَةَ أَنَّ الْمُرَابِطَ مُدَافِعٌ، لِأَنَّهُ لَوْلَا مَكَانُ الْمُرَابِطِينَ فِي الثُّغُورِ لَجَاءَهَا الْعَدُوُّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو "أَوِ ادْفَعُوا" إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْعَاءٌ إِلَى الْقِتَالِ [حَمِيَّةً، لِأَنَّهُ اسْتَدْعَاهُمْ إِلَى الْقِتَالِ] [[الزيادة من ب ود وج.]] فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى ذَلِكَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْوَجْهَ الَّذِي يَحْشِمُهُمْ وَيَبْعَثُ الْأَنَفَةَ أَيْ أَوْ قَاتِلُوا دِفَاعًا عَنِ الْحَوْزَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قُزْمَانَ [[هو قزمان بن الحارث العبسي المنافق الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر).]] قَالَ: وَاللَّهِ مَا قَاتَلْتُ إِلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي. وَأَلَا تَرَى أَنَّ بعض الأنصار قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا قَدْ أَرْسَلَتِ الظَّهْرَ [[الظهر: الركاب التي تحمل الأثقال في السفر، لحملها إياها على ظهورها.]] فِي زُرُوعِ قَنَاةٍ [[قناة: واد بالمدينة، وهى أحد أوديتها الثلاثة، عليه حرث ومال. قال المدائني: وقناة يأتي من الطائف ويصيب في الارحضية وقرقرة الكدر، ثم يأتي بئر معونة، ثم يمر على طرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد.
(عن معجم البلدان).]]، أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ [[قيلة: أم الأوس والخزرج، هي قيلة بنت كاهل بن عذرة، قضاعية. ويقال: بنت جفنة، غسانية.
(عن شرح القاموس).]] وَلَمَّا نُضَارِبْ؟ وَالْمَعْنَى إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أَيْ بَيَّنُوا حَالَهُمْ، وَهَتَكُوا أَسْتَارَهُمْ، وَكَشَفُوا عَنْ نِفَاقِهِمْ لِمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَصَارُوا أَقْرَبَ إِلَى الْكُفْرِ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ، وَأَضْمَرُوا الْكُفْرَ. وَذِكْرُ الأفواه تأكيد، مثل قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الانعام: ٣٨] [[راجع ج ٦ ص ٤١٩.]].
القول في تأويل قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول المنافق وأصحابَه، الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، حين سار نبي الله ﷺ إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به، كما:-
٨١٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: [[في المطبوعة: "فقال"، والصواب من المخطوطة، وسيرة ابن هشام.]] أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس!! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله ﷺ. [[الأثر: ٨١٩٣- سيرة ابن هشام ٣: ٦٨، وهو تابع الأثر الماضي رقم: ٧٧١٥، وبين رواية الطبري، ورواية ابن هشام خلاف في بعض اللفظ.]]
٨١٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا"، يعني: عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد = وقوله:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم = يقول الله عز وجل:"هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم"، يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، وليس في قلوبهم"، وقد اختل الكلام، وأظنه سقط من سهو الناسخ، فأتممته من السيرة، وأتممت الآية وتفسيرها بعدها.]] ="والله أعلم بما يكتمون"، أي: يخفون. [[الأثر: ٨١٩٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٢.]]
٨١٩٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: خرج رسول الله ﷺ -يعني يوم أحد- في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! = [[في هذا الأثر اختصار مخل، وقد مضى تمامه برقم ٧٧٢٣، وجواب"فلما غلبوه"، في بقية الأثر وهو: "هموا بالرجوع"، يعني بني سلمة رهط أبي جابر السلمي. وانظر التخريج بعد.]] قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن عبد الله الأنصاري حين دعاهم فقالوا:"ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا"، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ . [[الأثر: ٨١٩٥- مضى بعضه برقم: ٧٧٢٣، والتاريخ ٣: ١٢.]] .
٨١٩٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عكرمة:"قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد"لو نعلم قتالا"، قال: لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم.
* *
واختلفوا في تأويل قوله"أو ادفعوا".
فقال بعضهم: معناه: أو كثِّروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم.
ذكر من قال ذلك:
٨١٩٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو ادفعوا"، يقول: أو كثِّروا.
٨١٩٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"أو ادفعوا"، قال: بكثرتكم العدو، وإن لم يكن قتال.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتلوا.
ذكر من قال ذلك:
٨١٩٨م- حدثنا إسماعيل بن حفص الآيلي وعلي بن سهل الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عتبة بن ضمرة قال: سمعت أبا عون الأنصاري في قوله:"قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا"، قال: رابطوا. [[الأثر: ٨١٩٨م-"إسماعيل بن حفص الأيلي"، سلفت ترجمته برقم: ٧٥٨١، وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الآملي" مكان"الأيلي"، وهو خطأ، وفي المخطوطة"الأيلي" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الوليد بن مسلم القرشي"، سلفت ترجمته برقم: ٦٤١٠. و"عتبة بن ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الحمصي"، روى عن أبيه، وعمه المهاجر، ومحمد بن زياد الألهاني، وأبي عون الشامي. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، و"أبو عون الأنصاري الشامي الأعور" روى عن أبي إدريس الخولاني، ثقة. مترجم في التهذيب.]]
* *
وأما قوله:"والله أعلم بما يكتمون"، فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، [[في المطبوعة: "بما يخفونه من ذلك"، غير ما في المخطوطة لغير شيء!! ، إلا أن يريدوا أن يدرجوا به على ما ألفوا من الكلام!!]] مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.
وقوله : { وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } حكمة ثانية لما حدث فى غزوة أحد ليعلم - سبحانه - المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية وظهور يتميز معه عند الناس كل فريق عن الآخر تميزا ظاهرا .إذ أن نصر المسملين فى بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر باعتناق الإسلام . وعدم انتصارهم فى أحد ، كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على حقيقتهم ، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف عن معادن النفوس ، وحنايا القلوب .ثم بين - سبحانه - بعض النصائح التى قيلت لهؤلاء المنافقين حتى يقلعوا عن نفاقهم ، وحكى مارد به المنافقون على الناصحين فقال : { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } .أى فعل - سبحانه - ما فعل فى أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم من النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعض أصحابه : تعالوا معنا لتقاتلوا فى سبيل الله ، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين ، فيكثر عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء .أو المعنى : تعالوا معنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله ، فإن لم تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم ، واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم ، فلا أقل من أن تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة .أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة الله ، فقالتوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم .قال الجمل : وهذه الجملة وعى قوله - تعالى - { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ } تحتمل وجهين :أحدهما : أن تكون مستأنفة ، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال وإما بالدفع أى تكثير سواد المسلمين - أى عددهم .والثانى : أن تكون معطوفة على { نَافَقُواْ } فتكون داخلة فى خبر الموصول . أى وليعلم الذين حصل منهم النافق والقول المذكور وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا ، لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين مقصودة بذاتها .وقوله { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } حكاية لردهم القبيح على من نصحهم بالبقاء مع المجاهدين .أى قال المنافقون - وعم عبد الله بن أبى وأتباعه - لو نعلم أنكم تقاتلون حقا لسرنا معكم ، ولكن الذى نعلمه هو أنكم ستذهبون إلى أحد ثم تعودون بدون قتال لأى سبب من الأسباب .أو المعنى - كما يقول الزمخشرى - " لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا { لاَّتَّبَعْنَاكُمْ } يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشىء ، ولا يقال لمثله قتال ، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، لأن رأى عبد الله بن أبى كان فى الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج " .وقال ابن جرير : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد فى ألف رجل من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة ، انخذل عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال . أطاعهم ، أى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وعصانى . والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب ، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أخو بنى سلمة - يقول لهم . يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم - وقاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا - فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكننا لا نرى أن يكون قتال .فلما استعصوا عليه ، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم . أبعدكم الله يا أعداء الله فسيغنى الله رسوله عنكم ، ثم مضى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .هذا هو موقف المنافقين فى غزوة أحد ، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم ، وخبث نفوسهم ، وجبنهم عن لقاء الأعداء .ولقد كان المؤمنون الصادقون على نقيض ذلك ، فلقد خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه فكانوا ممن قال الله فيهم : { مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } ولقد حكى لنا التاريخ أن بعض المؤمنين الذين كانت لهم أعذارهم التى تسقط عنهم الخروج للجهاد ، كانوا يخرجون مع المجاهدين لتكثير عددهم .فعن أنس بن مالك قال : " رأيت يوم القادسية - عبد الله بن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء ، فقيل له : أليس قد أنزل الله عذرك؟ فقال : بلى ولكنى أحب أن أكثر المسلمين بنفسى .هذا ، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال : { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } .أى هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون ، لأنهم قبل أن يقولوا : " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " كانوا يتظاهرون بالإيمان ، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر .أو المعنى : هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين .قال الجمل : " وقوله { هُمْ } مبتدأ ، وقوله { أَقْرَبُ } خبره ، وقوله { لِلْكُفْرِ } وقوله { لِلإِيمَانِ } متعلقان بأقرب ، لأن أفعل التفضيل فى قوة عاملين . فكأنه قيل : قربوا من الكفر وقربوا من الإيمان ، وقربهم الكفر فى هذا اليوم أشد لوجود العلامة وهى خذلانهم للمؤمنين " .وقوله { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقا لا فى ذلك اليوم فحسب .أى أن هؤلاء القوم من صفاتهم الذميمة أنهم يقولون بألسنتهم قولا يخالف ما انطوت عليه قلوبهم من كفر ، وما امتلأت به نفوسهم من بغضاء لكم - أيها المؤمنون - .قال صاحب الكشاف : وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم وأن إيمانهم موجود فى أفواههم معدوم فى قلوبهم ، بخلاف صفة المؤمنين فى مواطأة قلوبهم لأفواههم " .وقوله { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } تذييل قصد به زجرهم وتوعدهم بسوء المصير بسبب نفاقهم وخداعهم .أى والله - تعالى - أعلم منكم - أيها المؤمنون - بما يضمره هؤلاء المنافقون من كفر ومن كراهية لدينكم ، لأنه - سبحانه - يعلم ما ظهر وما خفى من أمورهم ، وقد كشف الله لكم أحوالهم لكى تحذروهم ، وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم ، وسينزل بهم ما يستحقونه من عذاب مهين .