سورة آل عمران — الآية ١٦٩
ولا تظنن - أيها النبي - أن الذين قُتلوا في الجهاد في سبيل الله أموات، بل هم أحياء حياة خاصة عند ربهم في دار كرامته، يرزقون من أنواع النعيم الذي لا يعلمه إلا الله.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ، ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: لِيُمَيِّزَ وَقِيلَ لِيَرَى.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عَنْ أَهْلِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ كَثِّرُوا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ وَرَابِطُوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا يَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ ﴿مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ) [[زيادة من (ب) .]] ، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَلِمَةَ الْإِيمَانِ ﴿مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ وَهُمْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ ﴿وَقَعَدُوا﴾ يَعْنِي: قَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ عَنِ الْجِهَادِ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ وَانْصَرَفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ ﴿مَا قُتِلُوا قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿فَادْرَءُوا﴾ فَادْفَعُوا، ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ الْحَذَرَ لَا يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الْآيَةَ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ [[انظر: تفسير الطبري: ٧ / ٣٩٠ الدر المنثور للسيوطي: ٢ / ٣٧٢.]] وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَرْبَعَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ [[عزاه السيوطي لسعيد بن منصور وهو عنده في السنن في الجهاد باب جامع الشهادة: ٢ / ٣١٩ وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. الدر المنثور: ٢ / ٣٧١ وانظر أسباب النزول ص (١٦٣) .]] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (هُوَ بن مَسْعُودٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الْآيَةَ قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ" وَيُرْوَى "فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا: يَا رَبُّ كَيْفَ نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا شَيْئًا قَالُوا: إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا نُقْتَلُ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تُرِكُوا" [[أخرجه مسلم في الإمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. . . برقم (١٨٨٧) ٣ / ١٥٠٢. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٦٤.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَنَا جيعويةُ أَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأَوْا طِيبَ مَقِيلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَرَأَوْا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الكرامة قالوا: ياليت قَوْمَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَمَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا كَيْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَتَّكِلُوا عَنْهُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ وَمُبَلِّغٌ إِخْوَانَكُمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ " [[أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الشهادة: ٣ / ٣٧٣ - ٣٧٤ قال المنذري: وذكر الدارقطني أن عبد الله بن ادريس تفرد به عن محمد بن إسحاق وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٨٨، ٢٩٧ وصححه على شرط مسلم والإمام أحمد في المسند: ١ / ٢٦٦ عن ابن عباس. والطبري في التفسير: ٧ / ٢٨٥ وانظر ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن الحديث في الموضع نفسه. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (٣٤) لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار كلهم من حديث ابن عباس به وأتم منه. وأصل الحديث عند مسلم من حديث ابن مسعود السابق. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل. انظر: الدر المنثور: ٢ / ٣٧١ وذكره ابن كثير في التفسير: ١ / ٤٢٨ وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مختصر سنن أبي داود: ٣ / ٣٧٤.]] .
سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الْقُتَيْبِيَّ [[في "أ": "الليثي".]] قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ [[في "أ": "أحمد".]] بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَكْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا"؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ: "أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهَ بِهِ أَبَاكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قال: ٧٣/أ "مَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا قَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ أَحْيِنِي فَأُقْتَلُ فِيكَ الثَّانِيَةَ، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مَنِّي أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [[أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: ٨ / ٣٦٠ - ٣٦١ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية. . برقم (١٩٠) : ١ / ٦٨ وفي الجهاد أيضا وابن أبي عاصم في السنة: ١ / ٢٦٧ وصححه الحاكم في المستدرك: ٣ / ٢٠٣ وتعقبه الذهبي فقال: فيض بن وثيق: كذاب وزاد السيوطي نسبته للطبراني وابن خزيمة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل " الدر المنثور: ٢ / ٣٧١" وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (١٦٢) . وقال الألباني في تخريج السنة: إسناده حسن رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" [[أخرجه مسلم في الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (١٨٧٧) : ٣ / ١٤٩٨ والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٣٦٨.]] .
وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ [[انظر: تفسير الطبري: ٧ / ٣٩٢ أسباب النزول للواحدي ص (١٦٣) .]] وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، فَأَسْلِمْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أَقْبَلَ هَدِيَّتَكَ؟ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ فِيهِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ فَلَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ".
فَقَالَ أَبُو الْبَرَاءِ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوَا النَّاسَ إِلَى أَمْرِكَ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ابن وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ وَعَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ فَلَمَّا نَزَلُوهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: أَنَا فَخَرَجَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ لَمْ يَنْظُرْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَنِي عَامِرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -عُصَيَّةَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ -فَأَجَابُوهُ فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا السُّيُوفَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتَثَّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَضَّلُوهُ فِيهِمْ [[زيادة من (ب) .]] فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ يُنَبِّهْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْمُعَسْكَرِ! فَقَالَا وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذَا الطَّيْرِ لَشَأْنًا فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ اللَّهُ أَكْبَرُ [[زيادة من (ب) .]] لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ أَسِيرًا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا" فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إِيَّاهُ وَمَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ.
وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ عَلَى فَرَسِهِ فَقَتَلَهُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: ٢ / ١٧٤ - ١٧٦.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ لَهُمْ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، وَكَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ.
قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَرَأْنَا، فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا" [[أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة: ٧ / ٣٨٥ ومسلم في المساجد باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة مختصرا برقم (٦٧٧) : ١ / ٤٦٨. والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٩٥ - ٣٩٦.]] ثُمَّ نُسِخَتْ (فَرُفِعَ بَعْدَمَا قَرَأْنَاهُ) [[في "أ" جاءت العبارة هكذا: (فرفعت بعد ما قرأناها) .]] زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الْآيَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءَ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ تَحَسَّرُوا عَلَى الشُّهَدَاءِ، وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (١٦٣) .]] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ وَلَا تَظُنَّنَّ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "قُتِّلُوا") بِالتَّشْدِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ "أَمْوَاتًا ") كَأَمْوَاتِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ أَحْيَاءٌ فِي الدِّينِ وَقِيلَ: فِي الذِّكْرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَالْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ وَلَا تَأْكُلُهُ الأرض.
وقال عبيدة بْنُ عُمَيْرٍ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودعا له ٧٣/أثُمَّ قَرَأَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ" [[أخرجه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٢٤٨ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال وأنا أحسبه موضوعا وقطن لم يرو له البخاري وعبد الأعلى: لم يخرجا له. ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله. قال: الهيثمي: وفيه عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة؛ وهو متروك. مجمع الوائد: ٦ / ١٢٣.]] .
﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتُحَفِهَا.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ نَزَلَتْ في شُهَداءِ أُحُدٍ. وقِيلَ في شُهَداءِ بَدْرٍ والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقُرِئَ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ، أوْ مَن يَحْسَبُ أوْ إلى الَّذِينَ قُتِلُوا. والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ قُتِّلُوا بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ. ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءً ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذَوُو زُلْفى مِنهُ. ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنَ الجَنَّةِ وهو تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بل أَحيَاء﴾ بِالرَّفْع؛ الْمَعْنى: بل هم أَحيَاء.
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾: الواو استئنافية، والكلام بعدها مستأنف لا محل له من الإعراب، ولا ناهية، وتحسبن فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت، والذين اسم موصول مفعول به أول، وأمواتًا مفعول به ثان.
﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾: ﴿بل﴾ حرف عطف يعطف جملة على جملة، وأحياء خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم أحياء، و﴿عند ربهم﴾ ظرف متعلق بـ﴿يرزقون﴾، أو متعلق بمحذوف خبر ثان، أو متعلق بمحذوف صفة، وجملة ﴿يرزقون﴾ في محل رفع خبر ثالث أو ثان.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "قُتِلُوا" بِالتَّشْدِيدِ. واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ أُحُدٍ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ، وحُسْنِ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ بِما صَنَعَ اللَّهُ لَنا، لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ [وَلا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ ] قالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ"» وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي الضُّحى.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ لَمّا أفْضَوْا إلى كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: رَبُّنا أعْلَمَ (p-٥٠٠)إخْوانَنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ أشْياخٍ لَهُ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ إلى أهْلِ نَجْدٍ، فَلَمّا نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، خَرَجَ حَرامُ بْنُ مِلْحانَ إلى عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ عامِرٌ، وخَرَجَ رَجُلٌ مِن كَسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِ حَرامٍ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآَخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقَتَلَ سائِرَ أصْحابِهِ غَيْرَ واحِدٍ مِنهم، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: "بَلِّغُوا قَوْمَنا عَنّا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا ورَضِيَنا عَنْهُ" ثُمَّ رُفِعَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾»
(p-٥٠١)فَهَذا اخْتِلافُ النّاسِ فِيمَن نَزَلَتْ، واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الشُّهَداءَ بَعْدَ اسْتِشْهادِهِمْ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُخْبِرَ إخْوانَهم بِمَصِيرِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ رَجُلًا قالَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما لَقِيَ إخْوانُنا الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ أوْلِياءَ الشُّهَداءِ كانُوا إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ أوْ سُرُورٌ، تَحَسَّرُوا، وقالُوا: نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ، وآَباؤُنا، وأبْناؤُنا، وإخْوانُنا، في القُبُورِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَمَعْنى الآَيَةِ: لا تَحْسَبَنَّهم أمْواتًا كالأمْواتِ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى في (البَقَرَةِ) وذَكَرْنا أنَّ مَعْنى حَياتِهِمْ: أنْ أرْواحَهم في حَواصِلِ طَيْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وتَشْرَبُ مِن أنْهارِها. قالَ مُجاهِدٌ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ.
شرح الكلمات:
ولا تحسبن: ولا تظنن.
قتلوا: استشهدوا.
أحياء: يُحسون ويتنعمون في نعيم الجنة بالطعام والشراب.
فرحين: مسرورين.
لا خوف عليهم: لما وجدوا من الأمن التام عن ربهم.
ولا هم يحزنون: على ما خلفوا وراءهم في الدنيا لما نالهم من كرامة في الجنة.
يستبشرون: يفرحون
وفضل: وزيادة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ أي لا تظنن الذين استشهدوا من المؤمنين في أحد وغيرها أمواتاً لا يحسون ولا يتنعمون بطيب الرزق ولذيذ العيش بل هم أحياء عند ربهم يرزقون أرواحهم في حواصل طير خضر يأكلون من ثمار الجنة ويأوون إلى قناديل معلقة بالعرش. إنهم فرحون بما أكرمهم الله تعالى به، ويستبشرون بإخوانهم المؤمنين الذين خلفوهم في الدنيا على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم لم يخافوا ولم يحزنوا لأجل ما يصيرون إليه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى لهم فيها. إن الشهداء جميعا مستبشرون فرحون بما ينعم الله عليهم ويزيدهم وبأنه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين شهداء وغير شهداء بل يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الشهداء أحياء والمؤمنون أحياء في الجنة غير أن حياة الشهداء أكمل.
٢- الشهداء يستبشرون بالمؤمنين الذين خلفوهم على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم نالهم من الكرامة والنعيم ما نالهم هم قبلهم.
٣- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَمْزَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الضُّحى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ، اسْتُشْهِدَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا: أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن بَنِي هاشِمٍ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَمّاسُ بْنُ عُثْمانَ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِن بَنِي أسَدٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ.
(p-١١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا» وفي لَفْظٍ قالُوا: «مَن يُبَلِّغُ أنّا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ؟ فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، وما بَعْدَها» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ في ”السُّنَّةِ“، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا جابِرُ، ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا»؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا. فَقالَ: «ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا، وقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قالَ: يا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، قالَ: أيْ رَبِّ، فَأبْلِغْ مَن ورائِي» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١١٢)﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجابِرٍ: ««ألا أُبَشِّرُكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «شَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيا أباكَ فَأقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ ما شِئْتَ أُعْطِيكَهُ. قالَ: يا رَبِّ، ما عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أتَمَنّى أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلُ مَعَ نَبِيِّكَ مَرَّةً أُخْرى، قالَ: سَبَقَ مِنِّي أنَّكَ إلَيْها لا تَرْجِعُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: ذُكِرَ لَنا عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَبَضَ أرْواحَهم وأدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ جُعِلَتْ أرْواحُهم في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في الجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ بَعْدَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا تَعَجَّلُوا إلى (p-١١٣)ما نَحْنُ فِيهِ. فَقالَ اللَّهُ: إنِّي مُنْزِلٌ عَلى نَبِيِّكم ومُخْبِرٌ إخْوانَكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ. فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وقالُوا: يُخْبِرُ اللَّهُ إخْوانَكم ونَبِيَّكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا أتَوْكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِحِينَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قالُوا: يا رَبِّ، ألا رَسُولٌ لَنا يُخْبِرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَسُولُكم. فَأمَرَ جِبْرِيلَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا أُصِيبَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ لَقُوا رَبَّهم فَأكْرَمَهُمْ، فَأصابُوا الحَياةَ والشَّهادَةَ والرِّزْقَ الطَّيِّبَ، قالُوا: يا لَيْتَ بَيْنَنا وبَيْنَ إخْوانِنا مَن يُبَلِّغُهم أنا لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا وأرْضانا. فَقالَ اللَّهُ: أنا رَسُولُكم إلى نَبِيِّكم وإخْوانِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى بِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: لا أدْرِي أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ، وعَلى ذَلِكَ الماءِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ حَتّى أتَوْا غارًا مُشْرِفًا عَلى الماءِ، فَقَعَدُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّكم (p-١١٤)يُبَلِّغُ رِسالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ هَذا الماءِ؟ فَقالَ ابْنُ مِلْحانَ الأنْصارِيُّ: أنا. فَخَرَجَ حَتّى أتى حِواءَهم فاحْتَبى أمامَ البُيُوتِ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكُمْ، إنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن كِسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فاتَّبَعُوا أثَرَهُ حَتّى أتَوْا أصْحابَهُ في الغارِ فَقَتَلَهم أجْمَعِينَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَحَدَّثَنِي أنَسٌ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: (بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ) . ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: يا لَيْتَ لَنا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إخْوانَنا بِالَّذِي صِرْنا إلَيْهِ مِنَ الكَرامَةِ لَنا، فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم: أنا رَسُولُكم إلى إخْوانِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] .
(p-١١٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ بِأُحُدٍ قالُوا: لَيْتَ مَن خَلْفَنا عَلِمُوا ما أعْطانا اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ لِيَكُونَ أجْرَأ لَهُمْ! فَقالَ اللَّهُ: أنا أُعْلِمُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ - ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ: أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ كَطَيْرٍ خُضْرٍ- لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَمْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا.
(p-١١٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ في الثّالِثَةِ حِينَ قالَ لَهم: هَلْ تَشْتَهُونَ مِن شَيْءٍ؟ قالُوا: تُقْرِئُ نَبِيَّنا السَّلامَ، وتُبَلِّغُهُ أنّا قَدْ رَضِينا ورُضِيَ عَنّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قالَ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها ولَيْسُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَعارَفُ في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأنَّ مَساكِنَهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، وأنَّ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَلاثَ خِصالٍ: مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنهم صارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، ومَن غَلَبَ آتاهُ اللَّهُ أجْرًا عَظِيمًا، ومَن ماتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ يَطِيرُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا مِنها، يَأْكُلُونَ مِن حَيْثُ شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ.
(p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الإفْرِيقِيِّ، عَنِ ابْنِ يَسارٍ السُّلَمِيِّ، أوْ أبِي يَسارٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في قِبابٍ بَيْضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كُلِّ قُبَّةٍ زَوْجَتانِ رِزْقُهم في كُلِّ يَوْمٍ ثَوْرٌ وحُوتٌ، فَأمّا الثَّوْرُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، وأمّا الحُوتُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَرابٍ في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَهي تَرْعى بُكْرَةً وعَشِيَّةً في الجَنَّةِ، وتَبِيتُ في القَنادِيلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ تَجُولُ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ في ثَمَرِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في كِتابِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في رِياضِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْواها إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: هَلْ تَعْلَمُونَ كَرامَةً أكْرَمَ مِن كَرامَةٍ أُكْرُمْتُكُمُوها؟ فَيَقُولُونَ: لا، إلّا أنّا ودِدْنا أنَّكَ (p-١١٨)أعَدْتَ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقاتِلَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى في سَبِيلِكَ»» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الشُّهَداءُ في قِبابٍ مِن رِياضٍ بِفَناءِ الجَنَّةِ، يُبْعَثُ إلَيْهِمْ ثَوْرٌ وحُوتٌ فَيَعْتَرِكانِ فَيَلْهُونَ بِهِما، فَإذا احْتاجُوا إلى شَيْءٍ عَقَرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَيَأْكُلُونَ مِنهُ فَيَجِدُونَ فِيهِ طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يُخْرَجُ إلَيْهِمْ رِزْقَهم مِنَ الجَنَّةِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً»» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ قالَ: حَدَّثَنا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الشُّهَداءَ ثَلاثَةٌ؛ فَأدْنى الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً: رَجُلٌ خَرَجَ مَنبُوذًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ، لا يُرِيدُ أنْ يُقْتَلَ ولا يَقْتُلَ، أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأصابَهُ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِهِ يُغْفَرُ لَهُ ما (p-١١٩)تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ثُمَّ يُهْبِطُ اللَّهُ جَسَدًا مِنَ السَّماءِ يَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَما يَمُرُّ بِسَماءٍ مِنَ السَّمَواتِ إلّا شَيَّعَتْهُ المَلائِكَةُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى اللَّهِ، فَإذا انْتُهِيَ بِهِ وقَعَ ساجِدًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسى سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الإسْتَبْرَقِ، ثُمَّ يُقالُ: اذْهَبُوا بِهِ إلى إخْوانِهِ مِنَ الشُّهَداءِ فاجْعَلُوهُ مَعَهُمْ، فَيُؤْتى بِهِ إلَيْهِمْ وهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ غَداؤُهم مِنَ الجَنَّةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا ما يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ والرِّزْقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ ورَأوْا ما فِيها مِنَ الكَرامَةِ لِلشُّهَداءِ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ في الدُّنْيا يَعْلَمُونَ ما صِرْنا فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، فَإذا شَهِدُوا القِتالَ باشَرُوها بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، فَيُصِيبُونَ ما أصَبْنا مِنَ الخَيْرِ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأخْبَرَهم أنِّي قَدْ أنْزَلْتُ عَلى نَبِيِّكم (p-١٢٠)وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم وما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِن إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أنَّهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الجِهادِ ويَلْحَقُونَ بِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ: إنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، فَيُقالُ: يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا.
﴿أَحۡيَآءٌ﴾: حياةً بَرْزَخيةً.
﴿عِندَ رَبِّهِمۡ﴾: في الجنةِ.
وَنَزَلَ في قَتْلى أُحُدٍ (وَلا تَحْسَبَنَّ) شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعاصِمٌ، وبِكَسْرِ السِينِ غَيْرُهم. والخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (قُتِّلُوا) شامِيٌّ.
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ بَلْ هم أحْياءٌ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ، ذَوُو زُلْفى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِثْلَ ما يُرْزَقُ سائِرُ الأحْياءِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وهو تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، ووَصْفٌ لِحالِهِمُ الَّتِي هم عَلَيْها مِنَ التَنَعُّمِ بِرِزْقِ اللهِ.
فيه ثمان مسائل: الْأُولَى- لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا جَرَى يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ امْتِحَانًا يُمَيِّزُ الْمُنَافِقَ مِنَ الصَّادِقِ، بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْهَزِمْ فَقُتِلَ لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْحَيَاةُ عِنْدَهُ. وَالْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الشُّهَدَاءِ. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكَلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ (- قَالَ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ... ) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَرَوَى بَقِيُّ [[حافظ الأندلس ابن يزيد القرطبي.]] بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (يَا جَابِرُ مالي أَرَاكَ مُنَكِّسًا مُهْتَمًّا)؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: (أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَبَاكَ)؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا [[كفاحا (بكسر الكاف) أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.]] وَمَا كُلِّمَ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدِي تَمَنَّ أُعْطِكَ قَالَ يَا رَبُّ فَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ [إِلَيْهَا] [[زيادة عن سنن الترمذي وابن ماجة.]] لَا يُرْجَعُونَ قَالَ يَا رَبُّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" الْآيَةَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ"
قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطْلَّبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَأَوْا مَا رُزِقُوا مِنَ الْخَيْرِ قَالُوا: لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْخَيْرِ كَيْ يَزْدَادُوا فِي الْجِهَادِ رَغْبَةً، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- إِلَى قَوْلِهِ: لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ". وَقَالَ أَبُو الضُّحَى: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ أُحُدٍ خَاصَّةً. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي [[كذا في أوح. وفى د: يقتضى هذا القول، وفى ب وج وهـ: يقضى بصحة إلخ.]] صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [[راجع سيرة ابن هشام ص ٦٤ طبع أوربا.]] وَغَيْرُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءِ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ وَسُرُورٌ تَحَسَّرُوا وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَالسُّرُورِ، وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ. قُلْتُ: وَبِالْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ بِسَبَبِ الْمَجْمُوعِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَنِ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ مَاتُوا وَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ فِي التُّرَابِ، وَأَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ كَأَرْوَاحِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَقْتِ الْقَتْلِ حَتَّى كَأَنَّ حَيَاةَ الدُّنْيَا دَائِمَةٌ لَهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ مُحَقَّقَةٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تُرَدُّ إِلَيْهِمُ الْأَرْوَاحُ فِي قُبُورِهِمْ فَيُنَعَّمُونَ، كَمَا يَحْيَا الْكُفَّارُ فِي قُبُورِهِمْ فَيُعَذَّبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْزَقُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، أَيْ يَجِدُونَ رِيحَهَا وَلَيْسُوا فِيهَا. وَصَارَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ اللَّهِ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّنَعُّمِ فِي الْجَنَّةِ. وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: مَا مَاتَ فُلَانٌ، أَيْ ذِكْرُهُ حَيٌّ، كَمَا قِيلَ:
مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لَا فَنَاءَ لَهَا ... قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ
فالمعنى أنهم يرزقون الشاء الْجَمِيلَ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ مَا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ فَهُوَ الْوَاقِعُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَافَ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ". وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ كم الشُّهَدَاءَ، وَأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُو الْحَالِ. وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَ فِي الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ فَبَعِيدٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "بَلْ أَحْياءٌ" دَلِيلٌ عَلَى حَيَاتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَلَا يُرْزَقُ إِلَّا حَيٌّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَوَابُ غَزْوَةٍ، وَيُشْرَكُونَ فِي ثَوَابِ كُلِّ جِهَادٍ كَانَ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُمْ سَنُّوا أَمْرَ الْجِهَادِ. نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً﴾ [المائدة: ٣٢] [[راجع ج ٦ ص ١٤٥.]]. عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَأَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَاتُوا عَلَى وُضُوءٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي "التَّذْكِرَةِ" وَأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالشُّهَدَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَالْمُؤَذِّنِينَ الْمُحْتَسِبِينَ وَحَمَلَةَ الْقُرْآنِ. الثَّانِيَةُ- إِذَا كَانَ الشَّهِيدُ حَيًّا حُكْمًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَالْحَيِّ حِسًّا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غُسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى غُسْلِ جَمِيعِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، إِلَّا قَتِيلَ الْمُعْتَرَكِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ خَاصَّةً، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ) يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا؟ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ودَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَابْنُ عُلَيَّةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ: يُغَسَّلُونَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا لَمْ تُغَسَّلْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَالشُّغْلِ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بن الحسن العنبري، وليس مَا ذَكَرُوا مِنَ الشُّغْلِ عَنْ غُسْلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ عِلَّةً، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ يَشْتَغِلُ بِهِ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ. وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي دِمَائِهِمْ (أَنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرِيحِ الْمِسْكِ) فَبَانَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتِ الشُّغْلَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَدْخَلٌ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةُ اتِّبَاعٍ لِلْأَثَرِ الَّذِي نَقَلَهُ الْكَافَّةُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا. وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْحَسَنِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
(أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يَشْرَكهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا يُشْبِهُ الشُّذُوذَ، وَالْقَوْلُ بِتَرْكِ غُسْلِهِمْ أَوْلَى، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ. قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. الثانية- وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: (أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ)؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَرَوَوْا آثَارًا كَبِيرَةً أَكْثَرُهَا مَرَاسِيلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ. والرابعة- وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ إِذَا حُمِلَ حَيًّا وَلَمْ يَمُتْ فِي الْمُعْتَرَكِ وَعَاشَ وَأَكَلَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا قَدْ صُنِعَ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا كَقَتِيلِ الْخَوَارِجِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: كُلُّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَهِيدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ سَائِرٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَرَوَوْا من طرق كثير صِحَاحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا. وَثَبَتَ [[كذا في د وج وهـ وب. وفى أوح: روى.]] عَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسر أنه قال مثل قول زيد ابن صُوحَانَ. وَقُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ وَلَمْ يُغَسِّلْهُ عَلِيٌّ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- يُغَسَّلُ كَجَمِيعِ الْمَوْتَى إِلَّا مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يُغَسَّلُ مَنْ قتله الكفار ومات في المعترك. وكان مَقْتُولٍ غَيْرِ قَتِيلِ الْمُعْتَرَكِ- قَتِيلِ الْكُفَّارِ- فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ- لَا يُغَسَّلُ قَتِيلُ الْبُغَاةِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ، فَإِنَّ غُسْلَ الْمَوْتَى قَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَنَقْلِ الْكَافَّةِ. فَوَاجِبٌ غُسْلُ كُلِّ مَيِّتٍ إِلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ إِجْمَاعٌ أَوْ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْخَامِسَةُ- الْعَدُوُّ إِذَا صَبَّحَ قَوْمًا فِي مَنْزِلِهِمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ قَتِيلِ الْمُعْتَرَكِ، أَوْ حُكْمَ سَائِرِ الْمَوْتَى، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَزَلَتْ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ أَعَادَهَا الله: أغار العدوقصمه اللَّهُ- صَبِيحَةَ الثَّالِثِ مِنْ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةِ وَالنَّاسُ فِي أَجْرَانِهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ، فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْمُقْرِئَ الْأُسْتَاذَ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفَ بِأَبِي [[في ج: "بابن حجة".]] حِجَّةَ فقال، غسله وصلي عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَبَاكَ لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. ثُمَّ سَأَلْتُ شَيْخَنَا رَبِيعَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَبِيعِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ: إِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَتْلَى فِي الْمُعْتَرَكِ. ثُمَّ سَأَلْتُ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ قَطْرَالٍ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: غَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَصَلِّ عَلَيْهِ، فَفَعَلْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَفْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي "التَّبْصِرَةِ" لِأَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهَا. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا غَسَّلْتُهُ، وَكُنْتُ دَفَنْتُهُ بِدَمِهِ فِي ثِيَابِهِ. السَّادِسَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ ثَوَابِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ حَتَّى إِنَّهُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا قَالَ ﷺ: (الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ الله يكفر كل شي إِلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا). قَالَ عُلَمَاؤُنَا ذِكْرُ الدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ، كَالْغَصْبِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ وَجِرَاحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّبِعَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ هَذَا أَوْلَى أَلَّا يُغْفَرَ بِالْجِهَادِ مِنَ الدَّيْنِ فإنه أشد، والقصاص في هذا كُلِّهِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ- أَوْ قَالَ النَّاسَ، شَكَّ هَمَّامٌ [[هو همام بن يحيى، أحد رجال سند هذا الحديث.]]، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ- عُرَاةً غُرْلًا [[الغرل (بضم فسكون): جمع الأغرل، وهو الأقلف.]] بُهْمًا. قُلْنَا: مَا بُهْمٌ؟ [[في ط وهـ وب: ما بهما؟.]] قَالَ: لَيْسَ معهم شي فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَةِ. قَالَ قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا؟. قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ (. أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ [[في ج: أمامة. والصحيح ما أثبت كما في التمهيد.]]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:) أَتَدْرُونَ مَنَ الْمُفْلِسُ (؟. قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ:) إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خطاياه فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ (. وَقَالَ ﷺ:) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ (. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ (. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ حِينِ الْقَتْلِ، وَلَا تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتكم، وَلَا يَكُونُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَأَيْنَ يَكُونُونَ؟ قُلْنَا: قَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ بَارِقٌ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) فَلَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: وَهَؤُلَاءِ طَبَقَاتٌ وَأَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجْمَعُهَا أَنَّهُمْ "يُرْزَقُونَ". وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ عن سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيِ [[قال في شرح الجامع: بلفظ التثنية.]] الْبَرِّ وَالْمَائِدُ [[المائد: الذي تدور رأسه من ريح البحر، واضطراب السفينة بالأمواج.]] فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ [[تشحط المقتول في دمه تخبط في واضطراب وتمرغ.]] فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا شُهَدَاءَ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الدَّيْنَ وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَالدَّيْنَ (. السَّابِعَةُ- الدَّيْنُ الَّذِي يُحْبَسُ بِهِ صَاحِبُهُ عَنِ الْجَنَّةِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُوَ الَّذِي قَدْ تَرَكَ لَهُ وَفَاءً وَلَمْ يُوصِ بِهِ. أَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، أَوِ ادَّانَهُ فِي سَرَفٍ أَوْ فِي سَفَهٍ وَمَاتَ وَلَمْ يُوَفِّهِ. وَأَمَّا مَنِ ادَّانَ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ لِفَاقَةٍ وَعُسْرٍ وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْبِسُهُ عَنِ الْجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ فَرْضًا أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ دَيْنَهُ، إِمَّا مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، أَوْ مِنَ الْفَيْءِ الرَّاجِعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ﷺ: (مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا [[الضياع: (بفتح أوله): العيال.]] فَعَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ). وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ بَيَانًا فِي كتاب (التذكرة) والحمد لله. الثانية- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ كَرَامَةِ رَبِّهِمْ. وَ "عِنْدَ" هُنَا تَقْتَضِي غَايَةَ الْقُرْبِ، فَهِيَ كَ (- لَدَى) وَلِذَلِكَ لَمْ تُصَغَّرْ فَيُقَالُ! عُنَيدَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ. فَهَذِهِ عِنْدِيَّةُ الْكَرَامَةِ لَا عِنْدِيَّةُ الْمَسَافَةِ وَالْقُرْبِ. وَ "يُرْزَقُونَ" هُوَ الرِّزْقُ الْمَعْرُوفُ فِي الْعَادَاتِ. وَمَنْ قَالَ: هِيَ حَيَاةُ الذِّكْرِ قَالَ: يُرْزَقُونَ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ. وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ تُدْرِكُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي يَسْرَحُونَ فيها من روائح الجنة وطيبها ونعبمها وَسُرُورِهَا مَا يَلِيقُ بِالْأَرْوَاحِ، مِمَّا تُرْتَزَقُ وَتَنْتَعِشُ بِهِ. وَأَمَّا اللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ فَإِذَا أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا اسْتَوْفَتْ مِنَ النَّعِيمِ جَمِيعَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهَا. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمَجَازِ، فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا اخْتَرْنَاهُ. وَالْمُوَفِّقُ الْإِلَهُ. وَ (فَرِحِينَ) نصب في موضع الحال مِنَ الْمُضْمَرِ فِي "يُرْزَقُونَ". وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ "فَرِحُونَ" عَلَى النَّعْتِ لِأَحْيَاءٍ. وَهُوَ مِنَ الْفَرَحِ بِمَعْنَى السُّرُورِ. وَالْفَضْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ النَّعِيمُ الْمَذْكُورُ. وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْقَعِ "فَارِحِينَ" بِالْأَلِفِ وَهُمَا لُغَتَانِ، كَالْفَرِهِ وَالْفَارِهِ، وَالْحَذِرِ وَالْحَاذِرِ، وَالطَّمِعِ وَالطَّامِعِ، وَالْبَخِلِ وَالْبَاخِلِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ رَفْعُهُ، يَكُونُ نَعْتًا لِأَحْيَاءٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الْمَعْنَى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فِي الْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فَضْلٌ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَشَرَةِ [[كذا في ب وز وهـ وج. وفى ط: البشارة.]]، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَرِحَ ظَهَرَ أَثَرُ السُّرُورِ فِي وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ.: يُؤْتَى الشَّهِيدُ بِكِتَابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَيَسْتَبْشِرُ كَمَا يَسْتَبْشِرُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِقُدُومِهِ فِي الدنيا. وقال قتادة وابن جريح وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُهُمْ: اسْتِبْشَارُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِخْوَانُنَا الَّذِينَ تَرَكْنَا خَلْفَنَا فِي الدُّنْيَا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، فَيُسْتَشْهَدُونَ فَيَنَالُونَ مِنَ الْكَرَامَةِ مِثْلَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيُسَرُّونَ وَيَفْرَحُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِشَارَةَ بِالِاسْتِبْشَارِ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا عَايَنُوا ثَوَابَ اللَّهِ وَقَعَ الْيَقِينُ بِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُمْ فَرِحُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، مُسْتَبْشِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. ذَهَبَ إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"ولا تحسبن"، ولا تظنن. كما:-
٨٢٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولا تحسبن"، ولا تظنن. [[الأثر: ٨٢٠٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٩.]]
* *
وقوله:"الذين قتلوا في سبيل الله"، يعني: الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ="أمواتًا"، يقول: ولا تحسبنهم، يا محمد، أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي، كما:-
٨٢٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق = وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق = عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! [[نكل عن عدوه: جبن فنكص على عقبيه، وانصرف عنه هيبة له وخوفًا.]] فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عز وجل على رسوله ﷺ هؤلاء الآيات. [[الحديث: ٨٢٠٥- أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو تابعي ثقة، مضى مرارًا. وقيل إنه لم يسمع من ابن عباس، ففي المراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٧١، عن ابن عيينة: "يقولون: ابن المكي لم يسمع من ابن عباس". وفيه أيضًا: "سمعت أبي يقول: رأى ابن عباس رؤية".
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٣٨٨، عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ثم رواه عقبة: ٢٣٨٩، "نحوه"، عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، به. وزاد في الإسناد"عن سعيد بن جبير"، بين أبي الزبير وابن عباس.
وكذلك رواه أبو داود في السنن: ٢٥٢٠، عن عثمان بن أبي شيبة، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٧ - ٢٩٨، من طريق عثمان بن أبي شيبة. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢: ٢٩٠ - ٢٩١، من رواية المسند الأولى، وأشار إلى رواية الطبري هذه، ثم إلى زيادة سعيد بن جبير في الإسناد، عند أبي داود والحاكم، ثم قال: "وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس".
وذكره السيوطي ٢: ٩٥، وزاد نسبته إلى هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل. وقوله: "وحسن مقيلهم" - في المسند: "منقلبهم". ومعناها صحيح أيضًا. ولكن وجدت بعد ذلك في مخطوطة الرياض من المسند (المصور عندي) نسخة أخرى بهامشها"مقيلهم". وهي أصح وأجود. وهي الموافقة لما في ابن كثير نقلا عن المسند، والموافقة لروايتي أبي داود والحاكم. ويؤيد صحتها أنها الموافقة لألفاظ الكتاب العزيز. قال الله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلا) [سورة الفرقان: ٢٤] .
وانظر ما يأتي من حديث ابن مسعود: ٨٢٠٦ - ٨٢٠٨، ٨٢١٨، ٨٢١٩. وما يأتي من حديث ابن عباس: ٨٢٠٩ - ٨٢١٣.]]
٨٢٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = قالا جميعًا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق بن الأجدع قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآيات:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله" الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطَّلع الله إليهم اطِّلاعةً فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! [[قوله: "لا فوق ما أعطيتنا"، أي لا شيء فوق ذلك. و"الجنة" قال أبو ذر الخشني: "يروى هنا بالخفض والرفع، بخفض الجنة، على البدل من"ما" في قوله: ما أعطيتنا - ورفعها على خبر مبتدأ مضمر، تقديرها هو الجنة". وجائز أن تكون على النصب أيضًا، على تقدير"أعطيتنا الجنة".]] ثلاث مرات - ثم يطلع فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: رّبنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! إلا أنا نختار أن تُردّ أرواحنا في أجسادنا، [[في المطبوعة: إلا أنا نختار أن ترد أرواحنا. . ."، وفي المخطوطة: "إلا أنا نختار ترد أرواحنا"، وهو تصحيف ما في سيرة ابن هشام"نحب أن ترد"، فأثبت ما في السيرة، وفي رواية مسلم"إلا أنا نريد أن ترد"، وهما سواء.]] ثم تردَّنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى". [[الحديث: ٨٢٠٦- أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح -بالتصغير- الهمداني. مضى الكلام عليه مرارًا، آخرها: ٧٢١٧. والحديث سيأتي عقب هذا، من رواية الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق. ويأتي بعده: ٨٢٠٨، من رواية سليمان -وهو الأعمش- عن عبد الله بن مرة، عن مسروق. فللأعمش فيه شيخان. سمعه منهما عن مسروق. وسيأتي تخريجه في الأخير.]] .
٨٢٠٧- حدثنا الحسن بن يحيى المقدسي قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية = ثم ذكر نحوه وزاد فيه: إني قد قضيت أن لا ترجعوا. [[الحديث: ٨٢٠٧- الحسن بن أبي يحيى المقدسي، شيخ الطبري: لم أصل إلى الآن إلى معرفته. وقد مضى كذلك من قبل في: ٧٢١٦. ووقع اسمه في المطبوعة هنا: "الحسن بن يحيى العبدي". والتصويب من المخطوطة. ومن السهل جدًا على الناسخ أو الطابع سقوط كلمة"أبي"، وتحريف كلمة"المقدسي" إلى"العبدي" إذا كانت غير واضحة الرسم. وهذا الحديث تكرار للذي قبله من هذا الوجه، كما قلنا.]] .
٨٢٠٨- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء، ولولا عبد الله ما أخبرنا به أحدٌ! قال: أرواح الشهداء عند الله في أجواف طير خضر في قناديل تحت العرش، تسرحُ في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيطَّلع إليها ربُّها، فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى. [[الحديث: ٨٢٠٨- سليمان: هو ابن مهران الأعمش. والحديث مكرر ما قبله باختصار، من وجه آخر، من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق.
وعبد الله بن مرة الهمداني الخارفي: تابعي ثقة، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٦٥. والحديث رواه مسلم ٢: ٩٨، بأسانيد، من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، به نحوه - أطول مما هنا.
وكذلك رواه الترمذي ٤: ٨٤ - ٨٥، من رواية الأعمش، عن عبد الله بن مرة. ونقله ابن كثير ٢: ٢٨٩، عن صحيح مسلم. وذكره السيوطي ٢: ٩٦، وزاد نسبته لعبد الرزاق في المصنف، والفريابي، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الدلائل. ولم يروه أحمد في المسند، فيما تحقق لدي، إلا أن يكون أثناء مسند صحابي آخر فيما بعد المسانيد التي حققتها. فالله أعلم. وسيأتي مرة رابعة: ٨٢١٨، من رواية عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله - وهو ابن مسعود ويأتي مرة خامسة: ٨٢١٩، من رواية أبي عبيد بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه.]]
٨٢٠٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الشهداء على بارق = على نهر بباب الجنة = في قبة خضراء = وقال عبدة:"في روضة خضراء = يخرج عليهم رزقهم من الجنةُ بكرة وعشيًّا". [[الحديث: ٨٢٠٩- سبق هذا الحديث، بهذا إسناد: ٢٣٢٣. وفصلنا القول فيه هناك. وسيأتي عقبه - هنا - بأربعة أسانيد.]]
٨٢١٠- حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بمثله = إلا أنه قال: في قبة خضراء = وقال: يخرج عليهم فيها.
٨٢١١- حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مثله.
٨٢١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الشهداء على بارق = نهر بباب الجنة = في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا.
٨٢١٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني أيضًا = يعني إسماعيل بن عياش = عن ابن إسحاق، عن الحارث بن الفضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الأحاديث: ٨٢١٠ - ٨٢١٣، هي أربعة أسانيد، تكرارًا للحديث قلبها.]]
٨٢١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني بعض أصحابي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله ﷺ:"ألا أبشرك يا جابر؟ قال قلت: بلى، يا رسول الله! قال: إن أباك حيث أصيب بأحد، أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب، أحب أن تردَّني إلى الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى". [[الحديث: ٨٢١٤- هكذا روى ابن إسحاق هذا الحديث مجهلا شيخه الذي حدثه، فأضعف الإسناد بذلك. وهو في سيرة ابن هشام ٣: ١٢٧. وقد ورد معناه عن جابر، بإسناد آخر صحيح:
فروى أحمد في المسند: ١٤٩٣٨ (ج٣ ص ٣٦١ حلبي) ، عن علي بن المديني، عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن محمد بن علي بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السُّلَمي، عن عبد الله بن محمد بن عُقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا جابر، أمَا علمتَ أن الله عز وجل أحيا أباك، فقال له: تَمَنَّ عليَّ. فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا، فأُقتَل مرة أخرى. فقال: إني قَضَيْتُ الحكمَ، أنهم إليها لا يُرْجَعون". وهذا إسناد صحيح. محمد بن علي بن ربيعة السلمي: ثقة، وثقه ابن معين، وغيره، وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٦ - ٢٧. وترجمه البخاري في الكبير ١ / ١ / ١٨٣ - ١٨٤ باسم"محمد بن علي السلمي". وكذلك ابن سعد في الطبقات ٦: ٢٥٧ - فلم يذكروا فيه جرحًا.
والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٢٨٩ من رواية المسند. ثم قال: "تفرد به أحمد من هذا الوجه". يشير بهذا إلى أن الترمذي روى معناه مطولا ٤: ٨٤، من وجه آخر، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". ثم قال: "وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر - شيئًا من هذا". وهو إشارة إلى حديث المسند.
وقد ذكر السيوطي الرواية المطولة ٢: ٩٥، ونسبها أيضًا لابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، وابن خزيمة والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وانظر المستدرك ٣: ٢٠٣ - ٢٠٤ ووالد جابر: هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، الخزرجي، السلمي، صحابي جليل مشهور، من أهل العقبة، وممن شهد بدرًا، وكان من النقباء. استشهد يوم أحد، رضي الله عنه.]] .
٨٢١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" = كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة. [[الأثر: ٨٢١٥- مضى مطولا برقم: ٢٣١٩.]] .
٨٢١٦- حدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = إلا أنه قال: تعارف في طير خضر وبيض = وزاد فيه أيضًا: وذكر لنا عن بعضهم في قوله:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء"، قال: هم قتلى بدر وأحد.
٨٢١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ ﷺ عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله"، الآيتين.
٨٢١٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآيات:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، قال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت. قال: فاطلع إليهم ربك اطِّلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيِّها شئنا! ثم اطَّلع عليهم الثالثة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك مرة أخرى! فسكت عنهم. [[الحديث: ٨٢١٨- هذا هو الإسناد الرابع لحديث عبد الله بن مسعود، الذي مضى بثلاثة أسانيد: ٨٢٠٦ - ٨٢٠٨.
رواه هنا من طريق عبد الرزاق. وهو في مصنف عبد الرزاق ٣: ١١٥ (مخطوط مصور) . بهذا الإسناد وهذا اللفظ. ولكن ليس في نسخة المصنف كلمة"خضر" في وصف الطير. وقوله: "ثم اطلع عليهم الثالثة" - هكذا ثبت أيضا في المصنف، بحذف الاطلاعة الثانية. فليس ما هنا سقطًا من الناسخين، بل هو اختصار في الرواية.]]
٨٢١٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: أنهم قالوا في الثالثة = حين قال لهم: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ = قالوا: تقرئ نبينا عنا السلام، وتخبره أن قد رضينا ورُضيَ عنا. [[الحديث: ٨٢١٩- هذا هو الإسناد الخامس لحديث عبد الله بن مسعود. وهو من رواية ابنه أبي عبيدة عنه. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: تابعي ثقة. الراجح أن اسمه كنيته. وقيل إن اسمه"عامر". وبه ترجم في التهذيب، وترجمه ابن سعد ٦: ١٤٩ بالكنية. وكذلك ترجمه البخاري في الكنى، رقم: ٤٤٧، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٠٣.
وروايته عن أبيه منقطعة، مات أبوه وهو صغير. وجزم أبو حاتم وغيره بأنه لم يسمع منه، انظر المراسيل، ص: ٩١ - ٩٢. وروى الترمذي (١: ٢٦ بشرحنا) ، بإسناد صحيح، عن عمرو بن مرة، قال، "سألت أبا عبيدة بن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: "لا".
والحديث -من هذا الوجه- رواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، وهو ابن عيينة - بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه، بل جعله تابعًا لرواية الأعمش، عن عبد الله بن مرة، كمثل صنيع الطبري هنا، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وقوله: "ورضي عنا": هو بالبناء لما لم يسم فاعله. أي: ورضى الله عنا. كما هو ظاهر من السياق، وكما نص عليه شارح الترمذي.]]
٨٢٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ، يرغِّب المؤمنين في ثواب الجنة ويهوِّن عليهم القتل:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، أي: قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في رَوْح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه. [[الأثر: ٨٢٢٠- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تمام الآثار التي آخرها: ٨٢٠٤.]]
٨٢٢١- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، يرزقون فيه الشهادة، ويرزقون فيه الجنة والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا" الآية.
٨٢٢٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر الشهداء فقال:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم" إلى قوله:"ولا هم يحزنون"، زَعم أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، [[قوله: "زعم"، لا يراد به القول الباطل، بل يراد به القول الحق، والزعم: هو القول، يكون تاره حقًا، وتارة باطلا، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وَإنِّي أَذِينٌ لَكُمْ أَنَهُ ... سَيُنْجِزُكُمْ رَبُّكُمْ ما زَعَمْ
أي: ما قال وما وعد.]] في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بُكرة وعشية في الجنة، تبيت في القناديل، فإذا سرحن نادى مناد: ماذا تريدون؟ ماذا تشتهون؟ فيقولون: ربنا، نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألهم ربهم أيضًا: ماذا تشتهون؟ وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألون الثالثة، فيقولون ما قالوا: ولكنا نحب أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا! لما يرون من فضل الثواب. [[في المطبوعة: "لما يرون من فضل للثواب"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
٨٢٢٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عباد قال، حدثنا إبراهيم بن معمر، عن الحسن قال:، ما زال ابن آدم يتحمَّد [["تحمد الرجل يتحمد"، إذا طلب بفعله الحمد، و"فلان يتحمد إلى الناس بفعله"، أي يلتمس بذلك حمدهم.]] حتى صار حيًّا ما يموت. ثم تلا هذه الآية:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون".
٨٢٢٤- حدثنا محمد بن مرزوق قال، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة قال، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال -أُراه أبو ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ. فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، [[البيت: يعني الخيمة. وكسر البيت (بكسر الكاف وسكون السين) : أسفل شقة البيت التي تلي الأرض من حيث يكسر جانباه من عن يمين ويسار.]] فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل [[في المخطوطة: "فقتلوهم أجمعين"، والصواب من التاريخ وسائر المراجع.]] = قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا. [[نص ما في التاريخ: "أَنزَل فيهم قرآنًا: ﴿" بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ "﴾ ، ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زمانا ".]] وأنزل الله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون". [[الحديث: ٨٢٢٤- محمد بن مرزوق - شيخ الطبري - هو محمد بن محمد بن مرزوق، نسب إلى جده. وقد مضت له عنه رواية، برقم: ٢٨. مترجم في التهذيب. وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٣: ١٩٩ - ٢٠٠، وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٨٩ - ٩٠ باسم"محمد بن مرزوق".
عمر بن يونس اليمامي: مضى في: ٤٤٣٥. ووقع في الأصول هنا باسم"عمرو بن يونس"، وكذلك في تاريخ الطبري في هذا الحديث، وكذلك في تفسير ابن كثير، في نقله الحديث عن هذا الموضع. ولعل الخطأ في هذا يكون من الطبري نفسه، إذ يبعد أن يخطئ الناسخون في هذه المصادر الثلاثة خطأ واحدًا. وليس في الرواة - فيما أعلم - من يسمى"عمرو بن يونس". ووقع في الإسناد هنا - في التفسير - خطأ آخر. في المخطوطة والمطبوعة، إذ سقط من الإسناد [عن عكرمة] بين عمر بن يونس وإسحاق بن أبي طلحة. وهو ثابت في التاريخ وتفسير ابن كثير. وعكرمة هذا: هو عكرمة بن عمار اليمامي، مضت ترجمته في: ٢١٨٥. وعمر بن يونس معروف بالرواية عنه. ولم يدرك أن يروى عن"عكرمة مولى ابن عباس". إسحاق بن أبي طلحة: هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري البخاري. نسب إلى جده. وهو تابعي ثقة حجة، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٣٩٣ - ٣٩٤، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٢٦. وأبوه"أبو طلحة": هو"زيد بن سهل"، وهو أخو أنس بن مالك لأمه.
وهذا الحديث رواه الطبري أيضًا في التاريخ ٣: ٣٦، بهذا الإسناد.
ونقله ابن كثير في التفسير ٢: ٢٨٨، عن هذا الموضع من التفسير.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٧: ٢٩٨، حيث قال: "في رواية الطبري من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة. . ." ولكن وقع فيه"عكرمة عن عمار" - وهو خطأ مطبعي واضح.
ووقع في أصل الطبري هنا -المخطوط والمطبوع-: "فقال أراه أبو ملحان". وكذلك في نقل ابن كثير عن هذا الموضع. وهو خطأ قديم من الناسخين، صوابه: "ابن ملحان". وثبت على الصواب في التاريخ، ومنه صححناه.
وهو"حرام بن ملحان الأنصاري"، وهو خال أنس بن مالك، أخو أمه"أم سليم بنت ملحان". ولا نعلم أن كنيته"أبو ملحان" - حتى نظن أنه ذكر هنا بكنيته. وهو مترجم في ابن سعد ٣ / ٢ / ٧١ - ٧٢، والإصابة.
وهذا الحديث - في قصة بئر معونة - ثابت عن أنس بن مالك من أوجه، مختصرًا ومطولا.
وقد رواه أحمد في المسند: ١٣٢٢٨، عن عبد الصمد، و: ١٤١١٩، عن عفان - كلاهما عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس (المسند ج٣ ص ٢١٠، ٢٨٨ - ٢٨٩ حلبي) . ورواه أيضا: ١٢٤٢٩ (٣: ١٣٧ حلبي) ، من رواية ثابت، عن أنس.
ورواه البخاري ٧: ٢٩٧ - ٢٩٩، عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة" ورواه قبله وبعده من أوجه أخر.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٣ / ٢ / ٧١ - ٧٢، عن عفان، كرواية المسند: ١٤١١٩. وقد مضى بعض معناه مختصرًا، في تفسير الطبري: ١٧٦٩، من رواية قتادة، عن أنس. وتفصيل القصة في تاريخ ابن كثير ٤: ٧١ - ٧٤. وانظر أيضًا جوامع السيرة لابن حزم، ص: ١٧٨- ١٨٠، وما أشير إليه من المراجع في التعليق عليه هناك. وروى أحمد في المسند، بعض هذا المعنى، من حديث ابن مسعود: ٣٩٥٢.]] .
٨٢٢٥- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد من أصحاب النبي ﷺ، لقوا ربَّهم، فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب، قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا! فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" إلى قوله:"ولا هم يحزنون". فهذا النبأ الذي بلَّغ الله رسوله والمؤمنين ما قال الشهداء.
* *
وفي نصب قوله:"فرحين" وجهان.
أحدهما: أن يكون منصوبًا على الخروج من قوله:"عند ربهم". [["الخروج"، نصبها على الخروج، يعني على خروجها منه على الحال. انظر ما سلف ٥: ٢٥٣ / ثم ٦: ٥٨٦ / ٧: ٢٥، تعليق: ٣. ثم انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٧.]] والآخر من قوله:"يرزقون". ولو كان رفعًا بالردّ على قوله:"بل أحياء فرحون"، كان جائزًا.
قوله - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ } كلام مستأنف ساقه الله - تعالى - لبيان أن القتل فى سبيل الله الذى يحذره المنافقون ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر ، بل هو أجل المطالب وأسناها ، إثر بيان أن الحذر لا يدفع القدر ، لأن من قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه . ومن لم يقدر له ذلك لا خوف عليه منه .فهذه الآيات الكريمة رد على شماتة المنافقين إثر الردود السابقة ، وتحريض للمؤمنين على القتال ، وتقرير لحقيقة إسلامية ثابتة هى أن الاستشهاد فى سبيل الله ليس فناء بل هو بقاء .والخطاب فى قوله " ولا تحسبن " للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب .والحسبان : الظن ، والنهى بلا هنا منصب على هذا الظن ، أى أنهاكم عن أن تظنوا أنهم أموات ، ونون التوكيد فى قوله " ولا تحسبن " لتأكيد هذا النهى .أى : لا تحسبن أيها الرسول الكريم ، أو أيها المؤمن أن الذين قتلوا فى سبيل الله ، من أجل إعلان كلمته ، لا تحسبنهم أمواتا لا يحسون شيئاً ولا يتلذون ولا يتنعمون ، بل هم أحياء عند ربهم ، يرزقون رز الأحياء ، ويتنعمون بألوان النعم التى أسبغها الله عليهم ، جزاء إخلاصهم وجهادهم وبذلهم أنفسهم فى سبيل الله .وقوله { الذين } مفعول أول لقوله : { تَحْسَبَنَّ } وقوله { أَمْوَاتاً } مفعوله الثانى وقوله { أَحْيَاءٌ } خبر لمبتدأ محذوف أى بل هم أحياء .وقوله { عِندَ رَبِّهِمْ } يصح أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ المقدر أو صفة لأحياء أو ظرفا له لأن المعنى : يحيون عند ربهم .والمراد بالعندية هنا المجاز عن القرب والإكرام والتشريف ، أى هم أحياء مقربون عنده ، فقد خصهم بالمنازل الرفيعة ، والدرجات العالية ، وليس المراد بها القرب المكانى لاستحالة ذلك فى حق الله - تعالى - .وقوله { يُرْزَقُونَ } صفة لقوله { أَحْيَاءٌ } أو حال من الضمير فيه أى يحيون مرزوقين .هذا وقد وردت أحاديث متعددة تصرح بأن هذه الآيات الكريمة قد نزلت فى شهداء أحد ، ويدخل فى حكمهم كل شهيد فى سبيل الله ، ومن هذه الأحدايث ما أرخرجه أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر تَرِد أنهار الجنة تأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة فى ظل العرش . فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء فى الجنة نرزق لئلا يزهدوا فى الجهاد ، ولا ينكلوا عند الحرب . فقال الله - تعالى - : " أنا أبلغهم عنكم . قال : فأنزل الله هؤلاء الآيات { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً } . . . إلخ الآيات " .وأخرج الترمذى وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال : لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " " يا جابر مالى أراك منكساً مهتما "؟ قلت يا رسول الله استشهد أبى - فى أحد - وترك عيالا وعليه دين . فقال : ألا أبشرك بما لقى الله - عز وجل - به أباك؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً - أى مواجهة ليس بينهما حجاب - وما كلم أحداً قط إلا من وراء حجاب ، فقال له يا عبدى تمن أعطك . قال يا رب فردنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية . فقال الرب - تعالى - إنه قد سبق منى أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب فأبلغ من ورائى فأنزل الله - تعالى - { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً } . . . الآية " .قال القرطبى - بعد أن ساق هذين الحديثين وغيرهما - ما ملخصه : " فقد أخبر الله - تعالى - فى هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء فى الجنة يرزقون . والذى عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققه . ثم منهم من يقول : ترد إليهم الأرواح فى قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار فى قبورهم فيعذبون . وصار قوم إلى أن هذا مجاز ، والمعنى أنهم فى حكم الله مستحقون للتنعم فى الجنة . وقال آخرون أرواحهم فى أجواف طير خضر وأنهم يزرقون فى الجنة ويأكلون ويتنعمون . وهذا هو الصحيح من الأقوال ، لأن ما صح به النقل فهو الواقع . وحديث ابن عباس - الذى سقناه قبل قليل - نص يرفع الخلاف " .والذى تطمئن إليه النفس : أن الآية الكريمة تنبه على أن للشهداء مزية خاصة تجعلهم يفضلون الموتى المعروفين لدى الناس ، وهى أنهم فى حياة سارة ، ونعيم لذيذ ، ورزق حسن عند ربهم . وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم : أموات ، وإن كان المعنى اللغوى للموت - بمعنى مفارقة الروح للجسد فى ظاهر الأمر - حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى .إلا أن الحياة البرزخية التى أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله - تعالى - ولا ندرك حقيقتها ، إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحى ، فقد قال - تعالى - فى آية أخرى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } أى ولكن لا تحسون وال تدركون حال هؤلاء الذين قتلوا فى سبيل الله بمشاعركم وحواسكم ، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعمل بها إلا بالوحى .