سورة آل عمران — الآية ١٧٠
قد غمرتهم السعادة، وشملتهم الفرحة، بما مَنَّ الله عليهم من فضله، ويأملون وينتظرون أن يلحق بهم إخوانهم الذين بقوا في الدنيا، أنهم إن قتلوا في الجهاد فسينالون من الفضل مثلهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رِزْقِهِ وَثَوَابِهِ، ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ وَيَفْرَحُونَ ﴿بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾
مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَاهِجِ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتُشْهِدُوا وَلَحِقُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنَ الْكَرَامَةِ مَا نَالُوا فَهُمْ لِذَلِكَ مُسْتَبْشِرُونَ، ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو شَرَفُ الشَّهادَةِ والفَوْزُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّمَتُّعُ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ بِإخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ. ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ مِن خَلْفِهِمْ زَمانًا أوْ رُتْبَةً. ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ والمَعْنى: إنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ وحالُ مَن تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو أنَّهم إذا ماتُوا أوْ قُتِلُوا كانُوا أحْياءً حَياةً لا يُكَدِّرُها خَوْفُ وُقُوعٍ مَحْذُورٍ، وحُزْنُ فَواتٍ مَحْبُوبٍ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ الهَيْكَلِ المَحْسُوسِ بَلْ هو جَوْهَرٌ مُدْرَكٌ بِذاتِهِ لا يَفْنى بِخَرابِ البَدَنِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إدْراكُهُ وتَألُّمُهُ والتِذاذُهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آلِ فِرْعَوْنَ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ وما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أرْواحُ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ».»
وَمَن أنْكَرَ ذَلِكَ ولَمْ يَرَ الرُّوحَ إلّا رِيحًا وعَرَضًا قالَ هم أحْياءٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما وُصِفُوا بِهِ في الحالِ لِتَحَقُّقِهِ ودُنُوِّهِ أوْ أحْياءٌ بِالذِّكْرِ أوْ بِالإيمانِ. وفِيها حَثٌّ عَلى الجِهادِ وتَرْغِيبٌ في الشَّهادَةِ وبَعْثٌ عَلى ازْدِيادِ الطّاعَةِ وإحْمادٌ لِمَن يَتَمَنّى لِإخْوانِهِ مِثْلَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ولِيُعَلِّقَ بِهِ ما هو بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ بِحالِ إخْوانِهِمْ وهَذا بِحالِ أنْفُسِهِمْ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثَوابًا لِأعْمالِهِمْ. ﴿وَفَضْلٍ﴾ زِيادَةٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّعْظِيمِ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ المُسْتَبْشِرِ بِهِ عُطِفَ عَلى فَضْلٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ أجْرٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ وأُجُورُهُ مَضِيعَةٌ.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضله﴾ أَي: من الشَّهَادَة والرزق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلفهم﴾ الْآيَة، يَقُول بَعضهم لبَعض: تركنَا إِخْوَاننَا: فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا يُقَاتلُون الْعَدو؛ فَيُقْتَلون إِن شَاءَ الله؛ فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن.
يَحْيَى: عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَتْ أَرْوَاحُ أَهْلِ أُحُدٍ عَلَى اللَّهِ، جُعِلَتْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ يُجَاوِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِ؛ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ خَلَّفْنَا مِنْ بَعْدِنَا عَلِمُوا مِثْلَ الَّذِي عَلِمْنَا فَسَارَعُوا إِلَى مِثْلِ مَا سَارَعْنَا فِيهِ؛ فَإِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ لَيُخْبِرَنَّ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَهُمْ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أجر الْمُؤمنِينَ﴾ [١٧٦ - ١٧٧]
﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾: فرحين حال من الضمير في ﴿يرزقون﴾، وبما جار ومجرور متعلقان بفرحين، وجملة ﴿آتاهم الله﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و﴿من فضله﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿آتاهم﴾، أو: ﴿من﴾ تبعيضية متعلقة مع مجرورها بمحذوف حال.
﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾: الجملة معطوفة على فرحين من جهة المعنى فهي حال، وبالذين جار ومجرور متعلقان بـ﴿يستبشرون﴾، وجملة ﴿لم يلحقوا﴾ بهم صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، ومن خلفهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الواو في: لم يلحقوا.
﴿ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾: ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة ﴿لا خوف عليهم﴾ في محل رفع خبر أن المخففة، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض، أي: بأنه لا خوف عليهم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف بدل اشتمال من ﴿الذين﴾، ولا نافية، وخوف مبتدأ، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، ﴿ولا هم يحزنون﴾ عطف عليه، الواو عاطفة، ولا: نافية، وهم: مبتدأ. ويحزنون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وواو الجماعة فاعل وجملة ﴿يحزنون﴾ في محل رفع خبر المبتدأ ﴿هم﴾.
(p-٥٠٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الفَرَحُ: المَسَرَّةُ، فَأمّا الَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ، فَما نالُوا مِن كَرامَةِ اللَّهِ ورِزْقِهِ، والِاسْتِبْشارُ: السُّرُورُ بِالبِشارَةِ، ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ إخْوانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ. وفي سَبَبِ اسْتِبْشارِهِمْ بِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أخْبَرَ بِكَرامَةِ الشُّهَداءِ، أخْبَرَ الشُّهَداءَ بِأنِّي قَدْ أُنْزِلْتُ عَلى نَبِيِّكم، وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم، فاسْتَبْشَرُوا، وعَلِمُوا أنَّ إخْوانَهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الشَّهادَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: يَسْتَبْشِرُونَ بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لَهُمُ الشَّهادَةَ، يَقُولُونَ: إنْ قُتِلُوا نالُوا ما نِلْنا مِنَ الفَضْلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، وفِيهِ يُقَدَّمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ بِقُدُومِهِ، كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ، بِهِ هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ. و"الهاءُ" و"المِيمُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ تَعُودُ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: يَسْتَبْشِرُونَ لَهم بِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، ولا حُزْنٌ. وفي ماذا يَرْتَفِعُ "الخَوْفُ" و"الحُزْنُ" عَنْهُمْ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَن خَلَّفُوهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما خَلَّفُوا مِن أمْوالِهِمْ.
والثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى مُفارَقَةِ الدُّنْيا فَرَحًا بِالآَخِرَةِ.
شرح الكلمات:
ولا تحسبن: ولا تظنن.
قتلوا: استشهدوا.
أحياء: يُحسون ويتنعمون في نعيم الجنة بالطعام والشراب.
فرحين: مسرورين.
لا خوف عليهم: لما وجدوا من الأمن التام عن ربهم.
ولا هم يحزنون: على ما خلفوا وراءهم في الدنيا لما نالهم من كرامة في الجنة.
يستبشرون: يفرحون
وفضل: وزيادة.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فقال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ أي لا تظنن الذين استشهدوا من المؤمنين في أحد وغيرها أمواتاً لا يحسون ولا يتنعمون بطيب الرزق ولذيذ العيش بل هم أحياء عند ربهم يرزقون أرواحهم في حواصل طير خضر يأكلون من ثمار الجنة ويأوون إلى قناديل معلقة بالعرش. إنهم فرحون بما أكرمهم الله تعالى به، ويستبشرون بإخوانهم المؤمنين الذين خلفوهم في الدنيا على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم لم يخافوا ولم يحزنوا لأجل ما يصيرون إليه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى لهم فيها. إن الشهداء جميعا مستبشرون فرحون بما ينعم الله عليهم ويزيدهم وبأنه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين شهداء وغير شهداء بل يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الشهداء أحياء والمؤمنون أحياء في الجنة غير أن حياة الشهداء أكمل.
٢- الشهداء يستبشرون بالمؤمنين الذين خلفوهم على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم نالهم من الكرامة والنعيم ما نالهم هم قبلهم.
٣- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَمْزَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الضُّحى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ، اسْتُشْهِدَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا: أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن بَنِي هاشِمٍ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَمّاسُ بْنُ عُثْمانَ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِن بَنِي أسَدٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ.
(p-١١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا» وفي لَفْظٍ قالُوا: «مَن يُبَلِّغُ أنّا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ؟ فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، وما بَعْدَها» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ في ”السُّنَّةِ“، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا جابِرُ، ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا»؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا. فَقالَ: «ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا، وقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قالَ: يا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، قالَ: أيْ رَبِّ، فَأبْلِغْ مَن ورائِي» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١١٢)﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجابِرٍ: ««ألا أُبَشِّرُكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «شَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيا أباكَ فَأقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ ما شِئْتَ أُعْطِيكَهُ. قالَ: يا رَبِّ، ما عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أتَمَنّى أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلُ مَعَ نَبِيِّكَ مَرَّةً أُخْرى، قالَ: سَبَقَ مِنِّي أنَّكَ إلَيْها لا تَرْجِعُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: ذُكِرَ لَنا عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَبَضَ أرْواحَهم وأدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ جُعِلَتْ أرْواحُهم في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في الجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ بَعْدَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا تَعَجَّلُوا إلى (p-١١٣)ما نَحْنُ فِيهِ. فَقالَ اللَّهُ: إنِّي مُنْزِلٌ عَلى نَبِيِّكم ومُخْبِرٌ إخْوانَكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ. فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وقالُوا: يُخْبِرُ اللَّهُ إخْوانَكم ونَبِيَّكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا أتَوْكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِحِينَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قالُوا: يا رَبِّ، ألا رَسُولٌ لَنا يُخْبِرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَسُولُكم. فَأمَرَ جِبْرِيلَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا أُصِيبَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ لَقُوا رَبَّهم فَأكْرَمَهُمْ، فَأصابُوا الحَياةَ والشَّهادَةَ والرِّزْقَ الطَّيِّبَ، قالُوا: يا لَيْتَ بَيْنَنا وبَيْنَ إخْوانِنا مَن يُبَلِّغُهم أنا لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا وأرْضانا. فَقالَ اللَّهُ: أنا رَسُولُكم إلى نَبِيِّكم وإخْوانِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى بِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: لا أدْرِي أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ، وعَلى ذَلِكَ الماءِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ حَتّى أتَوْا غارًا مُشْرِفًا عَلى الماءِ، فَقَعَدُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّكم (p-١١٤)يُبَلِّغُ رِسالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ هَذا الماءِ؟ فَقالَ ابْنُ مِلْحانَ الأنْصارِيُّ: أنا. فَخَرَجَ حَتّى أتى حِواءَهم فاحْتَبى أمامَ البُيُوتِ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكُمْ، إنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن كِسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فاتَّبَعُوا أثَرَهُ حَتّى أتَوْا أصْحابَهُ في الغارِ فَقَتَلَهم أجْمَعِينَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَحَدَّثَنِي أنَسٌ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: (بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ) . ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: يا لَيْتَ لَنا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إخْوانَنا بِالَّذِي صِرْنا إلَيْهِ مِنَ الكَرامَةِ لَنا، فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم: أنا رَسُولُكم إلى إخْوانِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] .
(p-١١٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ بِأُحُدٍ قالُوا: لَيْتَ مَن خَلْفَنا عَلِمُوا ما أعْطانا اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ لِيَكُونَ أجْرَأ لَهُمْ! فَقالَ اللَّهُ: أنا أُعْلِمُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ - ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ: أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ كَطَيْرٍ خُضْرٍ- لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَمْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا.
(p-١١٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ في الثّالِثَةِ حِينَ قالَ لَهم: هَلْ تَشْتَهُونَ مِن شَيْءٍ؟ قالُوا: تُقْرِئُ نَبِيَّنا السَّلامَ، وتُبَلِّغُهُ أنّا قَدْ رَضِينا ورُضِيَ عَنّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قالَ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها ولَيْسُوا فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَعارَفُ في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأنَّ مَساكِنَهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، وأنَّ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَلاثَ خِصالٍ: مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنهم صارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، ومَن غَلَبَ آتاهُ اللَّهُ أجْرًا عَظِيمًا، ومَن ماتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ يَطِيرُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا مِنها، يَأْكُلُونَ مِن حَيْثُ شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ.
(p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الإفْرِيقِيِّ، عَنِ ابْنِ يَسارٍ السُّلَمِيِّ، أوْ أبِي يَسارٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في قِبابٍ بَيْضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كُلِّ قُبَّةٍ زَوْجَتانِ رِزْقُهم في كُلِّ يَوْمٍ ثَوْرٌ وحُوتٌ، فَأمّا الثَّوْرُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، وأمّا الحُوتُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَرابٍ في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَهي تَرْعى بُكْرَةً وعَشِيَّةً في الجَنَّةِ، وتَبِيتُ في القَنادِيلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ تَجُولُ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ في ثَمَرِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في كِتابِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في رِياضِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْواها إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: هَلْ تَعْلَمُونَ كَرامَةً أكْرَمَ مِن كَرامَةٍ أُكْرُمْتُكُمُوها؟ فَيَقُولُونَ: لا، إلّا أنّا ودِدْنا أنَّكَ (p-١١٨)أعَدْتَ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقاتِلَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى في سَبِيلِكَ»» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الشُّهَداءُ في قِبابٍ مِن رِياضٍ بِفَناءِ الجَنَّةِ، يُبْعَثُ إلَيْهِمْ ثَوْرٌ وحُوتٌ فَيَعْتَرِكانِ فَيَلْهُونَ بِهِما، فَإذا احْتاجُوا إلى شَيْءٍ عَقَرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَيَأْكُلُونَ مِنهُ فَيَجِدُونَ فِيهِ طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يُخْرَجُ إلَيْهِمْ رِزْقَهم مِنَ الجَنَّةِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً»» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ قالَ: حَدَّثَنا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الشُّهَداءَ ثَلاثَةٌ؛ فَأدْنى الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً: رَجُلٌ خَرَجَ مَنبُوذًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ، لا يُرِيدُ أنْ يُقْتَلَ ولا يَقْتُلَ، أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأصابَهُ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِهِ يُغْفَرُ لَهُ ما (p-١١٩)تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ثُمَّ يُهْبِطُ اللَّهُ جَسَدًا مِنَ السَّماءِ يَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَما يَمُرُّ بِسَماءٍ مِنَ السَّمَواتِ إلّا شَيَّعَتْهُ المَلائِكَةُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى اللَّهِ، فَإذا انْتُهِيَ بِهِ وقَعَ ساجِدًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسى سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الإسْتَبْرَقِ، ثُمَّ يُقالُ: اذْهَبُوا بِهِ إلى إخْوانِهِ مِنَ الشُّهَداءِ فاجْعَلُوهُ مَعَهُمْ، فَيُؤْتى بِهِ إلَيْهِمْ وهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ غَداؤُهم مِنَ الجَنَّةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا ما يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ والرِّزْقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ ورَأوْا ما فِيها مِنَ الكَرامَةِ لِلشُّهَداءِ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ في الدُّنْيا يَعْلَمُونَ ما صِرْنا فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، فَإذا شَهِدُوا القِتالَ باشَرُوها بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، فَيُصِيبُونَ ما أصَبْنا مِنَ الخَيْرِ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأخْبَرَهم أنِّي قَدْ أنْزَلْتُ عَلى نَبِيِّكم (p-١٢٠)وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم وما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِن إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أنَّهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الجِهادِ ويَلْحَقُونَ بِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ: إنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، فَيُقالُ: يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا.
﴿وَيَسۡتَبۡشِرُونَ﴾: ويَفْرحون.
﴿أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾: فيما يَسْتقبلون من أمورِ الآخرةِ.
﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾: على مافاتَهم في الدنيا.
﴿فَرِحِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يُرْزَقُونَ ﴿بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو التَوْفِيقُ في الشَهادَةِ، وما ساقَ إلَيْهم مِنَ الكَراهَةِ والتَفْضِيلِ عَلى غَيْرِهِمْ مِن كَوْنِهِمْ أحْياءً مُقَرَّبِينَ، مُعَجَّلًا لَهم رِزْقُ الجَنَّةِ ونَعِيمُها، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَدُورُ في أنْهارٍ (p-٣١١)الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ". » وقِيلَ: هَذا الرِزْقُ في الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَبْقى لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ﴾ بِإخْوانِهِمُ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لَمْ يُقْتَلُوا فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ مِن خَلْفِهِمْ قَدْ بَقُوا مِن بَعْدِهِمْ، وهم قَدْ تَقَدَّمُوهُمْ، أوْ ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يُدْرِكُوا فَضْلَهم ومَنزِلَتَهم ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ"، والمَعْنى: ويَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حالِ مَن تَرَكُوا خَلْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو أنَّهم يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَشَّرَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ، وفي ذِكْرِ حالِ الشُهَداءِ واسْتِبْشارِهِمْ بِمَن خَلْفَهم بَعْثٌ لِلْباقِينَ بَعْدَهم عَلى الجِدِّ في الجِهادِ، والرَغْبَةِ في نَيْلِ مَنازِلِ الشُهَداءِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾
فيه ثمان مسائل: الْأُولَى- لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا جَرَى يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ امْتِحَانًا يُمَيِّزُ الْمُنَافِقَ مِنَ الصَّادِقِ، بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْهَزِمْ فَقُتِلَ لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْحَيَاةُ عِنْدَهُ. وَالْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الشُّهَدَاءِ. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكَلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ (- قَالَ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ... ) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَرَوَى بَقِيُّ [[حافظ الأندلس ابن يزيد القرطبي.]] بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (يَا جَابِرُ مالي أَرَاكَ مُنَكِّسًا مُهْتَمًّا)؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: (أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَبَاكَ)؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا [[كفاحا (بكسر الكاف) أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.]] وَمَا كُلِّمَ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدِي تَمَنَّ أُعْطِكَ قَالَ يَا رَبُّ فَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ [إِلَيْهَا] [[زيادة عن سنن الترمذي وابن ماجة.]] لَا يُرْجَعُونَ قَالَ يَا رَبُّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" الْآيَةَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ"
قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطْلَّبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَأَوْا مَا رُزِقُوا مِنَ الْخَيْرِ قَالُوا: لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا أَصَابَنَا مِنَ الْخَيْرِ كَيْ يَزْدَادُوا فِي الْجِهَادِ رَغْبَةً، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- إِلَى قَوْلِهِ: لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ". وَقَالَ أَبُو الضُّحَى: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ أُحُدٍ خَاصَّةً. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي [[كذا في أوح. وفى د: يقتضى هذا القول، وفى ب وج وهـ: يقضى بصحة إلخ.]] صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَسِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [[راجع سيرة ابن هشام ص ٦٤ طبع أوربا.]] وَغَيْرُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءِ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ وَسُرُورٌ تَحَسَّرُوا وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَالسُّرُورِ، وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ. قُلْتُ: وَبِالْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ بِسَبَبِ الْمَجْمُوعِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَنِ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ مَاتُوا وَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ فِي التُّرَابِ، وَأَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ كَأَرْوَاحِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَقْتِ الْقَتْلِ حَتَّى كَأَنَّ حَيَاةَ الدُّنْيَا دَائِمَةٌ لَهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ مُحَقَّقَةٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تُرَدُّ إِلَيْهِمُ الْأَرْوَاحُ فِي قُبُورِهِمْ فَيُنَعَّمُونَ، كَمَا يَحْيَا الْكُفَّارُ فِي قُبُورِهِمْ فَيُعَذَّبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْزَقُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، أَيْ يَجِدُونَ رِيحَهَا وَلَيْسُوا فِيهَا. وَصَارَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ اللَّهِ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّنَعُّمِ فِي الْجَنَّةِ. وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: مَا مَاتَ فُلَانٌ، أَيْ ذِكْرُهُ حَيٌّ، كَمَا قِيلَ:
مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لَا فَنَاءَ لَهَا ... قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ
فالمعنى أنهم يرزقون الشاء الْجَمِيلَ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ مَا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ فَهُوَ الْوَاقِعُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَافَ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ". وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ كم الشُّهَدَاءَ، وَأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُو الْحَالِ. وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَ فِي الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ فَبَعِيدٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "بَلْ أَحْياءٌ" دَلِيلٌ عَلَى حَيَاتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَلَا يُرْزَقُ إِلَّا حَيٌّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَوَابُ غَزْوَةٍ، وَيُشْرَكُونَ فِي ثَوَابِ كُلِّ جِهَادٍ كَانَ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُمْ سَنُّوا أَمْرَ الْجِهَادِ. نَظِيرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً﴾ [المائدة: ٣٢] [[راجع ج ٦ ص ١٤٥.]]. عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَأَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَاتُوا عَلَى وُضُوءٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي "التَّذْكِرَةِ" وَأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالشُّهَدَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَالْمُؤَذِّنِينَ الْمُحْتَسِبِينَ وَحَمَلَةَ الْقُرْآنِ. الثَّانِيَةُ- إِذَا كَانَ الشَّهِيدُ حَيًّا حُكْمًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَالْحَيِّ حِسًّا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غُسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى غُسْلِ جَمِيعِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، إِلَّا قَتِيلَ الْمُعْتَرَكِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ خَاصَّةً، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ) يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا؟ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ودَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَابْنُ عُلَيَّةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ: يُغَسَّلُونَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا لَمْ تُغَسَّلْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَالشُّغْلِ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بن الحسن العنبري، وليس مَا ذَكَرُوا مِنَ الشُّغْلِ عَنْ غُسْلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ عِلَّةً، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ يَشْتَغِلُ بِهِ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ. وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي دِمَائِهِمْ (أَنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرِيحِ الْمِسْكِ) فَبَانَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتِ الشُّغْلَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَدْخَلٌ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةُ اتِّبَاعٍ لِلْأَثَرِ الَّذِي نَقَلَهُ الْكَافَّةُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا. وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْحَسَنِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
(أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يَشْرَكهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا يُشْبِهُ الشُّذُوذَ، وَالْقَوْلُ بِتَرْكِ غُسْلِهِمْ أَوْلَى، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ. قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. الثانية- وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: (أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ)؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَرَوَوْا آثَارًا كَبِيرَةً أَكْثَرُهَا مَرَاسِيلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ. والرابعة- وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ إِذَا حُمِلَ حَيًّا وَلَمْ يَمُتْ فِي الْمُعْتَرَكِ وَعَاشَ وَأَكَلَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا قَدْ صُنِعَ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا كَقَتِيلِ الْخَوَارِجِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: كُلُّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ شَهِيدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ سَائِرٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَرَوَوْا من طرق كثير صِحَاحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا. وَثَبَتَ [[كذا في د وج وهـ وب. وفى أوح: روى.]] عَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسر أنه قال مثل قول زيد ابن صُوحَانَ. وَقُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ وَلَمْ يُغَسِّلْهُ عَلِيٌّ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- يُغَسَّلُ كَجَمِيعِ الْمَوْتَى إِلَّا مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يُغَسَّلُ مَنْ قتله الكفار ومات في المعترك. وكان مَقْتُولٍ غَيْرِ قَتِيلِ الْمُعْتَرَكِ- قَتِيلِ الْكُفَّارِ- فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ- لَا يُغَسَّلُ قَتِيلُ الْبُغَاةِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ، فَإِنَّ غُسْلَ الْمَوْتَى قَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَنَقْلِ الْكَافَّةِ. فَوَاجِبٌ غُسْلُ كُلِّ مَيِّتٍ إِلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ إِجْمَاعٌ أَوْ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْخَامِسَةُ- الْعَدُوُّ إِذَا صَبَّحَ قَوْمًا فِي مَنْزِلِهِمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ قَتِيلِ الْمُعْتَرَكِ، أَوْ حُكْمَ سَائِرِ الْمَوْتَى، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَزَلَتْ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ أَعَادَهَا الله: أغار العدوقصمه اللَّهُ- صَبِيحَةَ الثَّالِثِ مِنْ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةِ وَالنَّاسُ فِي أَجْرَانِهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ، فَقَتَلَ وَأَسَرَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ، فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْمُقْرِئَ الْأُسْتَاذَ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفَ بِأَبِي [[في ج: "بابن حجة".]] حِجَّةَ فقال، غسله وصلي عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَبَاكَ لَمْ يُقْتَلْ فِي الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. ثُمَّ سَأَلْتُ شَيْخَنَا رَبِيعَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَبِيعِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ: إِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَتْلَى فِي الْمُعْتَرَكِ. ثُمَّ سَأَلْتُ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ قَطْرَالٍ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: غَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَصَلِّ عَلَيْهِ، فَفَعَلْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَفْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي "التَّبْصِرَةِ" لِأَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهَا. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا غَسَّلْتُهُ، وَكُنْتُ دَفَنْتُهُ بِدَمِهِ فِي ثِيَابِهِ. السَّادِسَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ ثَوَابِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ حَتَّى إِنَّهُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا قَالَ ﷺ: (الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ الله يكفر كل شي إِلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا). قَالَ عُلَمَاؤُنَا ذِكْرُ الدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ، كَالْغَصْبِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ وَجِرَاحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّبِعَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ هَذَا أَوْلَى أَلَّا يُغْفَرَ بِالْجِهَادِ مِنَ الدَّيْنِ فإنه أشد، والقصاص في هذا كُلِّهِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ- أَوْ قَالَ النَّاسَ، شَكَّ هَمَّامٌ [[هو همام بن يحيى، أحد رجال سند هذا الحديث.]]، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ- عُرَاةً غُرْلًا [[الغرل (بضم فسكون): جمع الأغرل، وهو الأقلف.]] بُهْمًا. قُلْنَا: مَا بُهْمٌ؟ [[في ط وهـ وب: ما بهما؟.]] قَالَ: لَيْسَ معهم شي فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَةِ. قَالَ قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا؟. قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ (. أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ [[في ج: أمامة. والصحيح ما أثبت كما في التمهيد.]]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:) أَتَدْرُونَ مَنَ الْمُفْلِسُ (؟. قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ:) إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خطاياه فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ (. وَقَالَ ﷺ:) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ (. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ (. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ حِينِ الْقَتْلِ، وَلَا تكون أرواحهم في جوف طير كما ذكرتكم، وَلَا يَكُونُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَأَيْنَ يَكُونُونَ؟ قُلْنَا: قَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ بَارِقٌ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) فَلَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: وَهَؤُلَاءِ طَبَقَاتٌ وَأَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجْمَعُهَا أَنَّهُمْ "يُرْزَقُونَ". وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ عن سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيِ [[قال في شرح الجامع: بلفظ التثنية.]] الْبَرِّ وَالْمَائِدُ [[المائد: الذي تدور رأسه من ريح البحر، واضطراب السفينة بالأمواج.]] فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ [[تشحط المقتول في دمه تخبط في واضطراب وتمرغ.]] فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا شُهَدَاءَ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الدَّيْنَ وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَالدَّيْنَ (. السَّابِعَةُ- الدَّيْنُ الَّذِي يُحْبَسُ بِهِ صَاحِبُهُ عَنِ الْجَنَّةِ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُوَ الَّذِي قَدْ تَرَكَ لَهُ وَفَاءً وَلَمْ يُوصِ بِهِ. أَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، أَوِ ادَّانَهُ فِي سَرَفٍ أَوْ فِي سَفَهٍ وَمَاتَ وَلَمْ يُوَفِّهِ. وَأَمَّا مَنِ ادَّانَ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ لِفَاقَةٍ وَعُسْرٍ وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْبِسُهُ عَنِ الْجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ فَرْضًا أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ دَيْنَهُ، إِمَّا مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، أَوْ مِنَ الْفَيْءِ الرَّاجِعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ﷺ: (مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا [[الضياع: (بفتح أوله): العيال.]] فَعَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ). وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ بَيَانًا فِي كتاب (التذكرة) والحمد لله. الثانية- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ كَرَامَةِ رَبِّهِمْ. وَ "عِنْدَ" هُنَا تَقْتَضِي غَايَةَ الْقُرْبِ، فَهِيَ كَ (- لَدَى) وَلِذَلِكَ لَمْ تُصَغَّرْ فَيُقَالُ! عُنَيدَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ. فَهَذِهِ عِنْدِيَّةُ الْكَرَامَةِ لَا عِنْدِيَّةُ الْمَسَافَةِ وَالْقُرْبِ. وَ "يُرْزَقُونَ" هُوَ الرِّزْقُ الْمَعْرُوفُ فِي الْعَادَاتِ. وَمَنْ قَالَ: هِيَ حَيَاةُ الذِّكْرِ قَالَ: يُرْزَقُونَ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ. وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ تُدْرِكُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي يَسْرَحُونَ فيها من روائح الجنة وطيبها ونعبمها وَسُرُورِهَا مَا يَلِيقُ بِالْأَرْوَاحِ، مِمَّا تُرْتَزَقُ وَتَنْتَعِشُ بِهِ. وَأَمَّا اللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ فَإِذَا أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا اسْتَوْفَتْ مِنَ النَّعِيمِ جَمِيعَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهَا. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمَجَازِ، فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا اخْتَرْنَاهُ. وَالْمُوَفِّقُ الْإِلَهُ. وَ (فَرِحِينَ) نصب في موضع الحال مِنَ الْمُضْمَرِ فِي "يُرْزَقُونَ". وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ "فَرِحُونَ" عَلَى النَّعْتِ لِأَحْيَاءٍ. وَهُوَ مِنَ الْفَرَحِ بِمَعْنَى السُّرُورِ. وَالْفَضْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ النَّعِيمُ الْمَذْكُورُ. وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْقَعِ "فَارِحِينَ" بِالْأَلِفِ وَهُمَا لُغَتَانِ، كَالْفَرِهِ وَالْفَارِهِ، وَالْحَذِرِ وَالْحَاذِرِ، وَالطَّمِعِ وَالطَّامِعِ، وَالْبَخِلِ وَالْبَاخِلِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ رَفْعُهُ، يَكُونُ نَعْتًا لِأَحْيَاءٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الْمَعْنَى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فِي الْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فَضْلٌ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَشَرَةِ [[كذا في ب وز وهـ وج. وفى ط: البشارة.]]، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَرِحَ ظَهَرَ أَثَرُ السُّرُورِ فِي وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ.: يُؤْتَى الشَّهِيدُ بِكِتَابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنْ إِخْوَانِهِ، فَيَسْتَبْشِرُ كَمَا يَسْتَبْشِرُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِقُدُومِهِ فِي الدنيا. وقال قتادة وابن جريح وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُهُمْ: اسْتِبْشَارُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِخْوَانُنَا الَّذِينَ تَرَكْنَا خَلْفَنَا فِي الدُّنْيَا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، فَيُسْتَشْهَدُونَ فَيَنَالُونَ مِنَ الْكَرَامَةِ مِثْلَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيُسَرُّونَ وَيَفْرَحُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِشَارَةَ بِالِاسْتِبْشَارِ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا عَايَنُوا ثَوَابَ اللَّهِ وَقَعَ الْيَقِينُ بِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُمْ فَرِحُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، مُسْتَبْشِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. ذَهَبَ إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك ="لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، يعني بذلك: [[انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ١: ٥٥١ / ٢: ١٥٠، ٥١٢، ٥١٣ / ٥: ٥١٩.]] لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة. [["الخفض": لين العيش وسعته وخصبه، يقال: "عيش خفض، وخافض، وخفيض، ومخفوض": خصيب في دعة ولين. و"الزلفة": القربة والدرجة والمنزلة، عند الله رب العالمين.]] .
* *
ونصب"أن لا" بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٧.]] .
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٨٢٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الآية، يقول: لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم، لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم.
٨٢٢٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الآية، قال، يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقونا فيصيبون من كرامة الله تعالى ما أصبنا.
٨٢٢٨- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم في قوله:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة، [[انظر تفسير"زعم" فيما سلف قريبًا ص ٣٩٢ تعليق: ١.]] جُعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه! فإذا شهدوا قتالا تعجَّلوا إلى ما نحن فيه! فقال الله تعالى: إنيّ منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه. ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالا أتوكم! قال: فذلك قوله:"فرحين بما آتاهم الله من فضله" إلى قوله:"أجر المؤمنين".
٨٢٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن. [[الأثر: ٨٢٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٢٠ ونص ابن هشام: "قد أذهب الله. . ."، وهو أجود.]] .
٨٢٣٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، قال: هم إخوانهم من الشهداء ممَّن يُستشهد من بعدهم ="لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" حتى بلغ:"وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين".
٨٢٣١- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، فيقال:"يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا"، فيستبشر حين يقدم عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.
ثم بين - سبحانه - ما هم فيه من مسرة وحبور فقال : { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ } أى فرحين فرحا عظيما بعد انتقالهم من الدنيا ، بما أعطاهم الله ف حياتهم الجديدة من ضروب النعم المتعددة التى من بينها الثواب العظيم ، والنعيم الدائم ، والسعادة التى ليس بعدها سعادة .وقوله { فَرِحِينَ } يصح أن يكون حالا من الضمير فى { يُرْزَقُونَ } أو من الضمير فى " أحياء " وقوله { مِن فَضْلِهِ } متعلق بأتاهم .و { مِن } يصح أن تكون للسببية أى الذى آتاهم متسبب عن فضله . أو لابتداء الغاية وقوله { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ } معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون . أو هو حال من الضمير فى { فَرِحِينَ } بتقدير وهم يستبشرون . . .وأصل الاستبشار : طلب البشارة وهو الخبر السار الذى تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ فى لازم معناه .أى : أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم الله من فضله من شرف الشهادة ، ومن الفوز برضا الله ، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة ، لأن الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته ، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها . فالمراد لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم فى الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد ، لأنهم ما زالوا على قيد الحياة .وفى هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها الله - تعالى - من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم فى الدنيا .وقيل : إن معنى { لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم .وقوله { مِّنْ خَلْفِهِمْ } متعلق بمحذوف حال من فاعل { يَلْحَقُواْ } أى لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد فى الدنيا . أو متعلق بقوله { يَلْحَقُواْ } ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم .وقوله { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل اشتمال من قوله { الذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم .والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم فى الدنيا من رفقائهم المجاهدين ، وهو أنهم لا خوف عليهم فى المستقبل ولا هم يحزنون على ما تركوه فى الدنيا ، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا وعندما يبعثون يوم القيامة .ونفى عنهم الخوف والحزن ، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل فى المستقبل .والحزن يكون بسبب فوات المنافع إلتى كانت موجودة فى الماضى . فبين - سبحانه - أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا .