سورة آل عمران — الآية ١٧٥
إنما المُخوِّف لكم الشيطان، يرهبكم بأنصاره وأعوانه، فلا تجبنوا عنهم، فإنهم لا حول لهم ولا قوة، وخافوا الله وحده بالتزام طاعته، إن كنتم مؤمنين به حقًّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَكُمْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ أَلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ لِيَرْهَبُوهُمْ وَيَجْبُنُوا عَنْهُمْ، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي: يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَافِرِينَ قَالَ السُّدِّيُّ: يُعَظِّمُ أَوْلِيَاءَهُ فِي صُدُورِهِمْ لِيَخَافُوهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ") ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ فِي تَرْكِ أَمْرِي ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِي فَإِنِّي مُتَكَفِّلٌ لَكُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفَرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قَرَأَ نَافِعٌ " يُحْزِنُكَ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ ضِدَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزِنَ يَحْزُنُ وَأَحْزَنَ يُحْزِنُ إِلَّا أَنَّ اللُّغَةَ الْغَالِبَةَ حَزِنَ يَحْزُنُ، ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ بِمُظَاهَرَةِ الْكُفَّارِ.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ نَصِيبًا فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ حَتَّى سَارَعُوا فِي الْكُفْرِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ اسْتَبْدَلُوا ﴿الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وَإِنَّمَا يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ "فَالَّذِينَ " فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِ وَتَقْدِيرُهُ [[ساقط من (ب) .]] وَلَا يَحْسَبَنَّ الْكَفَّارُ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْرًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ يَعْنِي: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَإِنَّمَا نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ وَالْإِمْلَاءُ الْإِمْهَالُ وَالتَّأْخِيرُ، يُقَالُ: عِشْتُ طَوِيلًا حَمِيدًا وَتَمَلَّيْتُ حِينًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أَيْ: حِينًا طَوِيلًا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ نُمْهِلُهُمْ ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَفَّالُ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَرْوَنْجِرْدِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ" قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" [[أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في طول العمر للمؤمن: ٦ / ٦٢٢ وقال: هذا حديث حسن صحيح والدارمي في الرقاق باب أي المؤمنين خير؟: ٢ / ٣٠٨ والحاكم في المستدرك: ١ / ٣٣٩ وصححه على شرط مسلم وأخرج أيضا عن جابر: "ألا أنبئكم بخياركم من شراركم؟ قالوا: بلى قال: خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم عملا" وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وله شاهد صحيح على شرط مسلم ثم ذكر حديث أبي بكرة. وأخرجه الإمام أحمد: ٤ / ١٨٨، ١٩٠ ٥ / ٤٠، ٤٣، ٤٤ وفي مواضع أخرى والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٢٨٧، ٢٨٨ والطيالسي في المسند ص (١١٦) .]] .
﴿فانْقَلَبُوا﴾ فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عافِيَةٍ وثَباتٍ عَلى الإيمانِ وزِيادَةٍ فِيهِ. ﴿وَفَضْلٍ﴾ ورِبْحٍ في التِّجارَةِ فَإنَّهم لَمّا أتَوْا بَدْرًا وأوْفَوْا بِها سُوقًا فاتَّجَرُوا ورَبِحُوا. ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ مِن جِراحَةٍ وكَيْدِ عَدُوٍّ.
﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو مَناطُ الفَوْزِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ بِجَراءَتِهِمْ وخُرُوجِهِمْ. ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّثْبِيتِ وزِيادَةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ لِلْمُبادَرَةِ إلى الجِهادِ، والتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وإظْهارِ الجَراءَةِ عَلى العَدُوِّ، وبِالحِفْظِ عَنْ كُلِّ ما يَسُوءُهُمْ، وإصابَةِ النَّفْعِ مَعَ ضَمانِ الأجْرِ حَتّى انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ. وفِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وتَخْطِئَةُ رَأْيِهِ حَيْثُ حَرَمَ نَفْسَهُ ما فازُوا بِهِ.
﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ يُرِيدُ بِهِ المُثَبِّطَ نُعَيْمًا أوْ أبا سُفْيانَ، والشَّيْطانُ خَبَرُ ذَلِكُمُ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ أوْ صِفَتِهِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنَّما ذَلِكم قَوْلُ الشَّيْطانِ يَعْنِي إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ. ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ القاعِدِينَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ الرَّسُولِ، أوْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ الَّذِينَ هم (p-50)
أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ. ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّاسِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ وإلى الأوْلِياءِ عَلى الثّانِي. ﴿وَخافُونِ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي. إنْ ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي إيثارَ خَوْفِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَي: يخوفكم من أوليائه الْمُشْركين ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾
﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، وإنما كافة ومكفوفة، وذلكم مبتدأ، والشيطان مبتدأ ثان، وجملة يخوف خبر الشيطان، والمبتدأ الثاني وخبره خبر اسم الإشارة، أو: ذلكم مبتدأ، والشيطان بدل من ذلكم، وجملة يخوف خبر ذلكم، أو ذلكم مبتدأ، والشيطان خبره، وجملة ﴿يخوف أولياءه﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو حال.
﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾: الفاء هي الفصيحة، أي: إذا وثقتم بهذا فلا تخافوهم، و﴿خافون﴾ عطف على ﴿لا تخافوهم﴾، والواو فاعل، والنون للوقاية، وحذفت ياء المتكلم جوازًا، وإن شرطية، ﴿كنتم﴾ فعل ماض ناقص ناسخ، والتاء اسمها، وفعل الشرط في محل جزم بـ﴿إن﴾، والجواب محذوف دل عليه ما قبله، ومؤمنين خبر ﴿كنتم﴾.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ التَّخْوِيفُ كانَ فِعْلَ الشَّيْطانِ، سَوَّلَهُ لِلْمُخَوِّفِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [ الكَهْفِ: ٤ ]، أيْ: بِبَأسُ، وبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [ غافِرِ: ١٥ ]، أيْ: بِيَوْمِ التَّلاقِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: يُخَوِّفُكم مِن أوْلِيائِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ .
وَهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وإبْراهِيمَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
(p-٥٠٧)وَأنَشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ذَلِكَ:
؎ وأيْقَنْتُ التَّفَرُّقَ يَوْمَ قالُوا تُقُسِّمَ مالَ أرْبَدَ بِالسِّهامِ
أرادَ: أيْقَنْتُ بِالتَّفَرُّقِ، قالَ: فَلَمّا أسْقَطَ الباءَ أعْمَلَ الفِعْلَ فِيما بَعْدَها ونَصَبَهُ. قالَ: والَّذِي نَخْتارُهُ في الآَيَةِ: أنَّ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ أعْطَيْتُ الأمْوالَ، يُرِيدُونَ: أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، فَيَحْذِفُونَ القَوْمَ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي. فَهَذا أشْبَهُ مِنِ ادِّعاءِ "باءٍ" ما عَلَيْها دَلِيلٌ، ولا تَدْعُوا إلَيْها ضَرُورَةً.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ، لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ يَعْنِي: أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴿وَخافُونِ﴾ في تَرْكِ أمْرِي. وفي "إنَّ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: "إذْ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها لِلشَّرْطِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ في آَخَرِينَ.
شرح الكلمات:
استجابوا: أجابوا الدعوة وقبلوا الأمر.
القرح: ألم الجراحات.
أحسنوا: أعمالهم وأقوالهم أتوا بها وفق الشرع وأحسنوا إلى غيرهم.
اتقوا: ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه فيما أمرهم به أو نهاهم عنه.
جمعوا لكم: جمعوا الجيوش لقتالكم.
حسبنا الله: يكفينا الله ما أرادونا به من الأذى.
ونعم الوكيل: نعم الوكيل الله نوكل إليه أمورنا ونفوضها إليه.
انقلبوا: رجعوا من حمراء الأسد إلى المدينة.
أولياء الشيطان: أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد.
معنى الآيات:
ما زال السياق في أحداث غزوة أحد وما لا بسها من أمور وأحوال والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد وعلى رأسهم نبيهم محمد ﷺ، رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كُلِموا وهزموا يوم السبت بأحد، وأن يرهب أعداءهُ فأمر مؤذناً يؤذن بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه، فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم المجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره فإذا تعب وضعه فمشى قليل، ثم حمله حتى انتهى رسول الله ﷺ وأصحابه إلى حمراء الأسد، وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول فأخبره أنه خرج في طلبكم وخرج معه جيش كبير وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك أن ترحل فهرب برجاله خوفاً من رسول الله ﷺ وأصحابه، فأقام الرسول ﷺ بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة ثم عادوا لم يمسسهم سوء وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع وهذا نصها:
الآية [١٧٢] ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجابُواْ للَّهِ وٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أصابَهُمُ ٱلْقَرْحُ﴾ يريد في أحد واستجابوا: لبوا نداء الرسول ﷺ وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان، ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُواْ مِنهُمْ وٱتَّقَواْ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، ألا وهو الجنة الآية الثانية [١٧٣] ﴿ٱلَّذِينَ قالَ لَهُمُ ٱلنّاسُ إنَّ ٱلنّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ﴾ المراد من الناس القائلين هم نفر من عبد القيس مروا بأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره فقال له أبو سفيان أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليه وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم أبو سفيان فلما بلغ هذا الخبر الرسول ﷺ وأصحابه زادهم إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله أي يكفينا الله شرهم، ونعم الوكيل الذي يكفينا ما أهمنا ونفوض أمرنا إلى الله.
الآية الثالثة [١٧٤] ﴿فَٱنْقَلَبُواْ﴾ أي رجعوا من حمراء الأسد لأن أبا سفيان ألقى الله الرُّعْب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم سالمين في نعمة الإيمان والإسلام والنصر، ﴿وفَضْلٍ﴾ حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ﴾ أي أذى، ﴿وٱتَّبَعُواْ رِضْوانَ ٱللَّهِ﴾ بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه. وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل عليه الآية الرابعة [١٧٥] ﴿إنَّما ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه (طابور) يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت الآية: ﴿إنَّما ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطانُ﴾ الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه تعالى فلا يجبُنُوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق رضى الله عنهم أجمعين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير.
٢- فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم.
٣- فضل كلمة «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها رسول الله وقالها إبراهيم من قبل فصلى الله عليهما وسلم.
٤- بيان أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْراءِ الأسَدِ وقَدْ أجْمَعَ أبُو سُفْيانَ بِالرَّجْعَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: رَجَعْنا قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَثَنى ذَلِكَ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، ومَرَّ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا أنّا قَدْ أجْمَعْنا الرَّجْعَةَ إلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، فَلَمّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَمْراءِ الأسَدِ أخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآياتِ» .
(p-١٣٧)وأخْرَجَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في ”مَغازِيهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بَدْرًا، فاحْتَمَلَ الشَّيْطانُ أوْلِياءَهُ مِنَ النّاسِ فَمَشَوْا في النّاسِ يُخَوِّفُونَهم وقالُوا: قَدْ أُخْبِرْنا أنْ قَدْ جَمَعُوا لَكم مِنَ النّاسِ مِثْلَ اللَّيْلِ يَرْجُونَ أنْ يُواقِعُوكم فَيَنْتَهِبُوكُمْ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، فَعَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ فاسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وخَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهُمْ، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ فَهو الَّذِي خَرَجْنا لَهُ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بَضائِعَنا. فَكانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنهُ حاجَتَهُمْ، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ هو ولا أصْحابُهُ، ومَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمامٍ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ. فَقَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهُمْ، فَأُرْعِبَ أبُو سُفْيانَ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ تُدْعى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ ثَلاثٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَذَفَ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ» وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ في شَوّالٍ، وكانَ التُّجّارُ يَقْدَمُونَ المَدِينَةَ في ذِي (p-١٣٨)القَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهم قَدِمُوا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وكانَ أصابَ المُؤْمِنِينَ القَرْحُ، واشْتَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أصابَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ النّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ وقالَ: «إنَّما تَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِها حَتّى عامٍ مُقْبِلٍ» فَجاءَ الشَّيْطانُ فَخَوَّفَ أوْلِياءَهُ فَقالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَأبى عَلِيهِ النّاسُ أنْ يَتْبَعُوهُ، فَقالَ: «إنِّي ذاهِبٌ وإنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ» فانْتَدَبَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، في سَبْعِينَ رَجُلًا فَسارُوا في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَطَلَبُوهُ حَتّى بَلَغُوا الصَّفْراءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قالُوا: لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ولا الكَواعِبَ أرْدَفْتُمْ، بِئْسَما صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ فانْتَدَبُوا، حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، أوْ بِئْرَ أبِي عِنَبَةَ- (p-١٣٩)شَكَّ سُفْيانُ- فَقالَ المُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوْعِدُكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ القِتالِ والتِّجارَةِ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أحَدًا وتَسَوَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وبِهِمُ الكُلُومُ، خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَمَرَّ بِهِمْ أعْرابِيٌّ ثُمَّ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ وهو يَقُولُ:
؎ونَفَرَتْ مِن رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وعَجْوَةٍ مَنثُورَةٍ كالعُنْجُدِ
فَتَلْقاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ تَرَكْتُهم بِبَدْرٍ الصُّغْرى. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَقُولُونَ ويَصْدُقُونَ، ونَقُولُ ولا نَصْدُقُ، وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الأعْرابِ، وانْقَلَبُوا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ أصابُوا مِنَ (p-١٤٠)المُسْلِمِينَ ما أصابُوا ورَجَعُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ رَجَعَ وقَدْ قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَمَن يَنْتَدِبُ في طَلَبِهِ»؟ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَبِعُوهُمْ، فَبَلَغَ أبا سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجّارِ فَقالَ: رُدُّوا مُحَمَّدًا ولَكم مِنَ الجُعْلِ كَذا وكَذا، وأخْبِرُوهم أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهم جُمُوعًا وأنِّي راجِعٌ إلَيْهِمْ، فَجاءَ التُّجّارُ فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «أُخْبِرْتُ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا راحَ هو وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ مُنْقَلِبِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: «إنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وتَرَكُوا الأثْقالَ فَهم عامِدُوها، وإنْ جَلَسُوا عَلى الأثْقالِ وتَرَكُوا الخَيْلَ فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ فَلَيْسُوا بِعامِدِيها» فَرَكِبُوا الأثْقالَ، ثُمَّ نَدَبَ ناسًا يَتْبَعُونَهم لِيَرَوْا أنَّ بِهِمْ قُوَّةً فَأتْبَعُوهم لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (p-١٤١)ما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: «مَن يَرْجِعُ في أثَرِهِمْ»؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا في آثارِ القَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ فانْصَرَفُوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا؛ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُحُدٍ السَّبْتَ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَلَمّا كانَ الغَدُ مِن يَوْمِ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أنْ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا أحَدٌ إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ، ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ. فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ (p-١٤٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ؛ لِيُبَلِّغَهم أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وأنَّ الَّذِي أصابَهم لَمْ يُوهِنْهم مِن عَدُوِّهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، كانَ شَهِدَ أُحُدًا قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخُرُوجِ في طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لِأخِي أوْ قالَ لِي: تَفُوتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مَنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ، فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً، ومَشى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، الإثْنَيْنَ والثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ .
(p-١٤٣)قالَ: الجِراحاتُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْصِلُوا بَيْنَهُما؛ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا نَدِمَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ عَلى الرُّجُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَهُزِمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَلَقُوا الأعْرابِيَّ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفي الأعْرابِيِّ الَّذِي لَقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبْزى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ، قالَ لِقَوْمٍ: إنْ لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، فَأخْبِرُوهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهم (p-١٤٤)جُمُوعًا، فَأخْبَرُوهم فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في مُنْصَرَفِهِ مِن أُحُدٍ عِيرًا وارِدَةً المَدِينَةَ بِبِضاعَةٍ لَهُمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ جِبالٌ فَقالَ: إنَّ لَكم عَلَيَّ رِضاكم إنْ أنْتُمْ رَدَدْتُمْ عَنِّي مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ إنْ أنْتُمْ وجَدْتُمُوهُ في طَلَبِي أخْبَرْتُمُوهُ أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فاسْتَقْبَلَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُخْبِرُكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وأنَّهُ مُقْبِلٌ إلى المَدِينَةِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَرْجِعَ فافْعَلْ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ ومَن مَعَهُ إلّا يَقِينًا، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَما انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ خَلْفَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ فَجَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ لَهم: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (p-١٤٥)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ كانَ أرْسَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أوْ يَوْمَ الأحْزابِ إلى قُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وهَوازِنَ، يَسْتَجِيشُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَقِيلَ: لَوْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْكم بِالخَبَرِ، فَذَهَبَ نَفَرٌ حَتّى إذا كانُوا بِالمَكانِ الَّذِي ذُكِرَ لَهم أنَّهم فِيهِ لَمْ يَرَوْا أحَدًا فَرَجَعُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَقالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وجَّهَ عَلِيًّا في نَفَرٍ مَعَهُ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَلَقِيَهم أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ فَقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكم. قالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قالَ: هَذا أبُو سُفْيانَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا.
(p-١٤٦)فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «عَسى» . فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا فَوافَوُا السُّوقَ فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ أنْ يَلْقاهُ بِها، فَلَقِيَهم رَجُلٌ فَقالَ لَهم: إنَّ بِهِما جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ التِّجارَةِ وأُهْبَةَ القِتالِ، وقالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ خَرَجُوا حَتّى جاءُوها فَتَسَوَّقُوا بِها، ولَمْ يَلْقَوْا أحَدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران»: ١٧٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ (p-١٤٧)فِي النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ حِينَ قالُوا: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وقالَ نَبِيُّكم مِثْلَها: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وهي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها نَبِيُّكم وأصْحابُهُ إذْ قِيلَ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ العَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ (p-١٤٨)ونِعْمَ الوَكِيلُ»» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ»» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ عَشْرَ كَلِماتٍ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ وجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُنَّ، مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا: خَمْسٌ لِلدُّنْيا، وخَمْسٌ لِلْآخِرَةِ: حَسْبِيَ اللَّهُ لِدِينِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِما أهَمَّنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن بَغى عَلَيَّ، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن حَسَدَنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن كادَنِي بِسُوءٍ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَسْألَةِ في القَبْرِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المِيزانِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ الصِّراطِ، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النَّعْمَةُ أنَّهم سَلِمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ.
(p-١٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ – يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها مِن مَوْسِمِ بَدْرٍ، فَأصابُوا تِجارَةً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: أمّا النِّعْمَةُ فَهي العافِيَةُ، وأمّا الفَضْلُ فالتِّجارَةُ، والسُّوءُ القَتْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يَقُولُ: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِأوْلِيائِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ.
(p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ أوْلِياءَهُ في أعْيُنِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: تَفْسِيرُها: يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: يُخَوِّفُ النّاسَ أوْلِياءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفَ الشَّيْطانِ، ولا يَخافُ الشَّيْطانَ إلّا ولِيُّ الشَّيْطانِ.
﴿يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ﴾: يُخَوِّفُكم بأوليائِه.
﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ﴾ هو خَبَرُ "ذَلِكُمْ" أيْ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ المُثَبِّطُ هو ﴿الشَيْطانُ﴾ وهو نَعِيمٌ ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، وهو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ. أوِ ﴿الشَيْطانُ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، و﴿يُخَوِّفُ﴾ الخَبَرُ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ ﴿وَخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ يُؤْثِرَ العَبْدُ خَوْفَ اللهِ عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ. وخافُونِي في الوَصْلِ والوَقْفِ، سَهْلٌ ويَعْقُوبُ، وافَقَهُما أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ، أَيْ بِأَوْلِيَائِهِ، أَوْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ إِلَى الِاسْمِ فَنَصَبَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ [الكهف: ٢] [[راجع ج ١٠ ص ٢٤٦.]] أَيْ لِيُنْذِرَكُمْ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ، أَيْ يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنَ بِالْكَافِرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: الْمَعْنَى يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ الْمُنَافِقِينَ، لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ. فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَخَافُونَهُ إِذَا خَوَّفَهُمْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ هَذَا الَّذِي يُخَوِّفُكُمْ بِجَمْعِ الْكُفَّارِ شَيْطَانٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، إِمَّا نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرُهُ، عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَلا تَخافُوهُمْ) أَيْ لَا تَخَافُوا الْكَافِرِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ". أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ إِنْ قُلْتُ: إِنَّ الْمَعْنَى يُخَوِّفُ بِأَوْلِيَائِهِ أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخافُونِ﴾ أَيْ خَافُونِي فِي تَرْكِ أَمْرِي إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِي. وَالْخَوْفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الذُّعْرُ. وَخَاوَفَنِي فُلَانٌ فَخُفْتُهُ، أَيْ كُنْتُ أَشَدَّ خَوْفًا مِنْهُ. وَالْخَوْفَاءُ [[يقال مفازة خوقاء (بالقاف لا بالفاء) أي واسعة الجوف أو لا ماء بها، كما يقال ناقة خوفاء (بالقاف كذلك) أي جرباء (انظر اللسان مادة خوق) وليس فيه ولا في كتاب آخر من كتب اللغة هذان المعنيان في مادة "خوف" بالفاء.]] الْمَفَازَةُ لَا مَاءَ بِهَا. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ خَوْفَاءُ وَهِيَ الْجَرْبَاءُ. وَالْخَافَةُ كَالْخَرِيطَةِ [[كذا في الأصول. وفى اللسان: والخافة: خريطة.]] مِنَ الْأَدَمِ يُشْتَارُ فِيهَا الْعَسَلُ. قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اجْتَمَعَ بَعْضُ الصِّدِّيقِينَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَقَالُوا: مَا الْخَوْفُ؟ فَقَالَ: لَا تَأْمَنُ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَأْمَنَ. قَالَ سَهْلٌ: وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ إِذَا مَرَّ بِكِيرٍ [[الكير: كير الحداد، وهو زق أو جلد غليظ ذو خافات، وهو المعروف ألان بالمنفاخ. وأما الكور فهو المبني من الطين.]] يُغْشَى عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِعَلِيِّ ابن أَبِي طَالِبٍ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا أَصَابَهُ ذَلِكَ فَأَعْلِمُونِي. فَأَصَابَهُ فَأَعْلَمُوهُ، فَجَاءَهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي قَمِيصِهِ فَوَجَدَ حَرَكَتَهُ عَالِيَةً فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا أَخْوَفُ [أَهْلِ] [[عن ج ود.]] زَمَانِكُمْ. فَالْخَائِفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَخَافَ أَنْ يُعَاقِبَهُ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَيْسَ الْخَائِفُ الَّذِي يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، بَلِ الْخَائِفُ الَّذِي يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَيْهِ. فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَخَافُوهُ فَقَالَ: (وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وَقَالَ: "وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ". وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَوْفِ فَقَالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وَلِأَرْبَابِ الْإِشَارَاتِ فِي الْخَوْفِ عِبَارَاتٌ مَرْجِعُهَا إِلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: دَخَلَتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ رَحِمَهُ الله عائدا، فلما رءاني دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَافِيكَ وَيَشْفِيكَ. فَقَالَ لِي: أَتَرَى أَنِّي أَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ؟ إِنَّمَا أَخَافُ مِمَّا وَرَاءَ الْمَوْتِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ [[الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. أي إن كثرة ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت. وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله عز وجل (عن ابن الأثير).]] السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ [[الصعدات: الطرق، وهى جمع صعد، كطرق وطرقات. وقيل: جمع صعدة، كظلمة وهى فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه.]] تَجْأَرُونَ [[جأر القوم جؤارا: رفعوا أصواتهم بالدعاء متضرعين.]] إِلَى اللَّهِ وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ ([[تعضد: تقطع بالمعضد، والمعضد، والمعضاد مثل المنجل يقطع به الشجر.]] خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: (لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شجرة تعضد). والله أعلم.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون:"إن الناس قد جمعوا لكم"، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين -أبي سفيان وأصحابه من قريش- لترهبوهم، وتجبنوا عنهم، كما:-
٨٢٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، يخوف والله المؤمنَ بالكافر، ويُرهب المؤمن بالكافر.
٨٢٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.
٨٢٥٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.
٨٢٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم="يخوّف أولياءه"، أي: يرهبكم بأوليائه. [[الأثر: ٨٢٥٩ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٥٣.]]
٨٢٦٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير مولى قريش، عن سالم الأفطس في قوله:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، قال: يخوفكم بأوليائه.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك، إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين، أيها المنافقون، في أنفسكم فتخافونه.
ذكر من قال ذلك:
٨٢٦١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه.
* *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل:"يخوف أولياءه"؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ [وكيف] قيل= إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه="يخوف أولياءه"؟ [[في المطبوعة والمخطوطة: "وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ قيل إن كان معناه يخوفكم بأوليائه" وهو كلام لا يستقيم، ورجحت أن الناسخ أسقط ما زدته بين القوسين.]] قيل: ذلك نظير قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [سورة الكهف: ٢] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٨.]]
* *
وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل:"هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب"، بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.
* *
قال أبو جعفر: وليس الذي شبه [من] ذلك بمشتبه، [[في المطبوعة: "الذي شبه ذلك بمشبه"، والذي في المخطوطة مثله إلا أنه كتب"بمشتبه" ورجحت أن الناسخ أسقط"من" فوضعها بين القوسين، مع إثبات نص المخطوطة، وهو الصواب.]] لأن"الدراهم" في قول القائل:"هو يعطي الدراهم"، معلوم أن المعطَى هي"الدراهم"، وليس كذلك"الأولياء" -في قوله:"يخوف أولياءه"- مخوَّفين، [[السياق: "وليس كذلك الأولياء. . . مخوفين".]] بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، [[في المخطوطة: "وإني متكلف لكم بالنصر"، وهو خطأ فاحش، تعالى ربنا عن أن يتكلف شيئًا، وهو القادر الذي لا يؤوده شيء. وقد أصاب ناشر الطبعة السالفة فيما فعل.]] ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا="إن كنتم مؤمنين"، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق، [[انظر تفسير"سارع" فيما سلف ٧: ١٣٠، ٢٠٧.]] فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، [[في المطبوعة والمخطوطة: "كما أن مسارعتهم" بغير واو، والصواب إثبات الواو.]] كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته. كما:-
٨٢٦٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، يعني: أنهم المنافقون. [[في المطبوعة: "هم المنافقون"، وأثبت ما في المخطوطة، ولو قرئت المخطوطة: "فهم المنافقون"، لكان أجود.]]
٨٢٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، أي: المنافقون. [[الأثر: ٨٢٦٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٥٩.]]
ثم أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده ، فقال - تعالى - : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } .فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين ، والإشارة بذلك إلى المثبط بالذات أو بالواسطة .وقوله { إِنَّمَا } أداة حصر ، و { ذلكم } مبتدأ و { الشيطان } خبره ، وقوله : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } جملة مستأنفة مبينة لشيطنته .وقيل إن { ذلكم } مبتدأ أول ، و { الشيطان } مبتدأ ثان . وقوله : { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } خبر للمبتدأ الثانى . وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول .والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذى يخوف بالوسوسة . وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكى يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعى .إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان ، الذى يوسوس فى قلوبكم بالشر بذاته ، أو بواسطة أتباعه الضالين ، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة ، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإيمان .وقوله { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين . أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه ، لأن هذا التخويف لا أثر له فى قلب من آمن بالله حق الإيمان ، واتقاه حق تقاته .وقيل إن معنى { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار . كما فى قوله : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } أى فإذا خفت عليه فرعون . فحذف المفعول . وكما فى قوله : { لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق } أى لينذركم يوم التلاقى .وقيل إن المعنى : يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول : أعطيت الأموال ، أى أعطيت القوم الأموال .وقوله { فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } أى فلا تخافوا أولياء الشيطان ، بل اجعلوا خوفكم منى وحدى ، إن كنتم مؤمنين حقا .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم ، وتقويتهم ، وإلهاب شعورهمن إذ الإيمان الحق يستلزم الخوف من الله دون سواه .والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسى : النهى عن أسبابه التى من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت أى خذوا بأسباب القوة التى من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم .وفى المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان ، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من الله وحده ، فى هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذى يزيل الخوف والفزع من نفوسهم . لأن الذى يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق الله إذ يقول : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات ، وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون . كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الجهاد فى سبيل الله ، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح ، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال باطلة ، فرضى الله عنهم وأرضاهم .ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما يراه من كفر الكفارين . وعناد المعاندين ، وفى بيان أن كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لا على غيره ، وأنه - سبحانه - يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، وأن حكمته - سبحانه - تقتضى تمييز الخبيث من الطيب . فقال - تعالى - : { وَلاَ يَحْزُنكَ الذين . . . } .