سورة آل عمران — الآية ١٨٣
وهم الذين قالوا -كذبًا وافتراء-: إن الله أوصانا في كتبه وعلى ألسنة أنبيائه ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بما يصدق قوله، وذلك بأن يتقرب إلى الله بصدقة تُحْرقُها نار تنزل من السماء، فكذبوا على الله في نسبة الوصية إليه، وفي حصر دلائل صدق الرسل فيما ذكروا، ولهذا أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: قد جاءكم رسل من قبلي بالبراهين الواضحة على صدقهم، وبالذي ذكرتم من القُربان الذي تحرقه نار من السماء، فلِمَ كذبتموهم وقتلتموهم إن كنتم صادقين فيما تقولون؟!
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَيُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الْآيَةَ قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا وَزَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ [[في أ: (الباقر) .]] وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ فَإِنْ جِئْتَنَا بِهِ صَدَّقْنَاكَ؛ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ [[انظر: أسباب النزول ص (١٦٧) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٩٥.]] أَيْ: سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا وَمَحَلُّ ﴿الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ رَدًّا عَلَى ﴿الَّذِينَ﴾ الْأَوَّلِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أَيْ: أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا فِي كُتُبِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنُ بِرَسُولٍ أَيْ: لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَالْقُرْبَانُ: كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسِيكَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فُعْلَانٌ مِنَ الْقُرْبَةِ وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالْغَنَائِمُ لَا تَحِلُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا إِذَا قَرَّبُوا قُرْبَانًا أَوْ غَنِمُوا غَنِيمَةً جَاءَتْ نَارٌ بَيْضَاءُ مِنَ السَّمَاءِ لَا دُخَانَ لَهَا وَلَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ [[في ب: (وهفيف) .]] فَتَأْكُلُهُ وَتُحْرِقُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ وَتِلْكَ الْغَنِيمَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ جَاءَكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ، فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِغَيْرِ قُرْبَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ الْقُرْبَانِ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مَعْنَاهُ تَكْذِيبُهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، كَقَتْلِ آبَائِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْبَانِ وَالْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ:
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكٌ وحُيَيٌّ وفِنْحاصُ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا. ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا. ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ بِأنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ الخاصَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو أنْ يُقَرِّبَ بِقُرْبانٍ فَيَقُومُ النَّبِيُّ فَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نارٌ سَماوِيَّةٌ فَتَأْكُلُهُ، أيْ تُحِيلُهُ إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ. وهَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ تَكْذِيبٌ وإلْزامٌ بِأنَّ رُسُلًا جاءُوهم قَبْلَهُ كَزَكَرِيّا ويَحْيى بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ مُوجِبَةٍ لِلتَّصْدِيقِ وبِما اقْتَرَحُوهُ فَقَتَلُوهُمْ، فَلَوْ كانَ المُوجِبُ لِلتَّصْدِيقِ هو الإتْيانُ بِهِ وكانَ تَوَقُّفُهم وامْتِناعُهم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِهِ فَما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَن جاءَ بِهِ في مُعْجِزاتٍ أُخَرَ واجْتَرَءُوا عَلى قَتْلِهِ.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من القربان الَّذِي تَأْكُله النَّار؛ فَلم تؤمنوا بهم وَقَتَلْتُمُوهُمْ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنَّ اللَّهَ عهد إِلَيْكُم ذَلِك؛ يَعْنِي بِهِ أوائلهم وَكَانَت الْغَنِيمَة قبل هَذِه (ل ٥٧) الْأمة [لَا تحل لَهُم] كَانُوا يجمعونها فتنزل عَلَيْهَا نَار من السَّمَاء؛ فتأكلها.
قَالَ مُجَاهِد: وَكَانَ الرجل إِذا تصدق بِصَدقَة فتقبلت مِنْهُ أنزلت عَلَيْهَا نَار، فَأَكَلتهَا.
﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا﴾: الذين بدل من الموصول السابق في قوله: ﴿لقد سمع الله قول الذين﴾، أو نعت له، أو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿قالوا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إن الله... إلخ﴾ في محل نصب مقول القول، وإن حرف ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وجملة ﴿عهد﴾ خبرها، و﴿إلينا﴾ جار ومجرور متعلقان بعهد.
﴿ألا نؤمن لرسول﴾: أن المصدرية، وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: أمرنا في التوراة بأن لا نؤمن لرسول، و﴿لرسول﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿نؤمن﴾.
﴿حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾: حتى حرف غاية وجر، و﴿يأتينا﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وأن والفعل في تأويل مصدر مجرور بحتى، والجار والمجرور متعلقان بنؤمن، و﴿نا﴾ ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وبقربان جار ومجرور متعلقان بـ﴿يأتينا﴾، وجملة ﴿تأكله النار﴾ صفة لقربان.
﴿قل قد جاءكم رسل من قبلي﴾: الكلام مستأنف لا محل له من الإعراب، وقل فعل أمر، وفاعله: أنت، وجملة ﴿قد جاءكم﴾ في محل نصب مقول القول، ورسل فاعل، و﴿من قبلي﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسل.
﴿بالبينات وبالذي قلتم﴾: الجار والمجرور متعلقان بـ﴿جاءكم﴾، ﴿وبالذي﴾ عطف على قوله: بالبينات، وجملة ﴿قلتم﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾: الفاء عاطفة، واللام حرف جر، وما الاستفهامية المحذوفة الألف في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بقتلتموهم، و﴿قتلتموهم﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والواو لإشباع حركة الميم، وإن شرطية، وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسم كان، وصادقين خبرها، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلم قتلتموهم.
(p-٥١٦)«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وجَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ: أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، أيْ: لا نُصَدِّقُ رَسُولًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ، حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ.» قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقُرْبانُ: ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبْحٍ وغَيْرِهِ. وإنَّما طَلَبُوا القُرْبانَ، لِأنَّهُ كانَ مِن سُنَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانَ نُزُولُ النّارِ عَلامَةَ القَبُولِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ، فَإذا قُبِلَتْ مِنهُ، نَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ، فَأكْلَتْهُ، وكانَتْ نارًا لَها دَوِيٌّ، وحَفِيفٌ. وقالَ عَطاءٌ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ أطايِبَ اللَّحْمِ، فَيَضَعُونَها في وسَطِ البَيْتِ تَحْتَ السَّماءِ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ، ويُناجِي رَبَّهُ، فَتَنْزِلُ نارٌ، فَتَأْخُذُ ذَلِكَ القُرْبانَ، فَيَخِرُّ النَّبِيُّ ساجِدًا، فَيُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ ما يَشاءُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالآَياتِ، ﴿وَبِالَّذِي﴾ سَألْتُمْ مِنَ القُرْبانِ.
شرح الكلمات:
عذاب الحريق: هو عذاب النار المحرقة تحرق أجسادهم.
ذلك بما قدمت أيديهم: أي ذلك العذاب بسبب ما قدمته أيديكم من الجرائم.
عهد إلينا: أمرنا ووصانا في كتابنا (التوراة).
أن لا نؤمن لرسول: أي لا نتابعه، على ما جاء به ولا نصدقه في نبوته.
بقربان تأكله النار: القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من حيوان وغيره يوضع في مكان فتنزل عليه نار بيضاء من السماء فتحرقه.
البينات: الآيات والمعجزات.
وبالذي قلتم: أي من القربان.
فلم قتلتموهم: الاستفهام للتوبيخ، وممن قتلوا من الأنبياء زكريا ويحيى عليهما السلام.
الزبر: جمع زبور وهو الكتاب كصحف إبراهيم.
الكتاب المنير: الواضح البين كالتوراة والزبور والإنجيل.
معنى الآيات:
لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَّن ذا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أضْعافاً كَثِيرَةً وٱللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد: ١١] ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت (المدراس) واليهود به وهم يستمعون لأكبر علمائهم وأجل أحبارهم فنحاص فدعاه أبو بكر إلى الإسلام. فقال فنحاص: إن رباً يستقرض نحن أغنى منه! ينهانا صاحبك عن الربا ويقبله فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب اليهودي فجاء إلى رسول الله ﷺ فشكا أبا بكر فسأل الرسول أبا بكر قائلا: «ما حملك على ما صنعت»؟ فقال إنه قال: إن الله فقير ونحن أغنياء فأنكر اليهودي فأنزل الله تعالى الآية ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قالُوۤاْ إنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ ما قالُواْ وقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي نكتبه أيضا، ونقول لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، وقولنا ذلك بسبب ما قدمته أيديكم من الشر والفساد، وأن الله ليس بظلام للعبيد، فلم يكن جزاؤكم مجافيا للعدل ولا مباعدا له أبداً لتنزه الرب تعالى عن الظلم لعباده هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٨١] ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قالُوۤاْ إنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ ما قالُواْ وقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُواْ عَذابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ والآية الثانية [١٨٢] ﴿ذٰلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ وأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وأما الآية الثالثة [١٨٣] وهي قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قالُوۤاْ إنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّىٰ يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّناتِ وبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إن كُنتُمْ صادِقِينَ﴾؟ فقد تضمنت دعوى يهودية كاذبة باطلة لا صحة لها البتة، والرد عليها فالدعوى هي قولهم إنّ الله قد أمرنا موصياً لنا أن لا نؤمن لرسول فنصدقه ونتابعه على ما جاء به، حتى يأتينا بقربان تأكله النار، يريدون صدقة من حيوان أو غيره توضع أمامهم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها فذلك آية نبوته، وأنت يا محمد ما اتيتنا بذلك فلا نؤمن بك ولا نتابعك على دينك، وأما الرد فهو قول الله تعالى لرسوله ﷺ قل يا رسولنا: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّناتِ﴾ وهي المعجزات، ﴿وبِٱلَّذِي قُلْتُمْ﴾ وهو قربان تأكله النار فلم قتلتموهم، إذ قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى، إن كنتم صادقين في دعواكم؟ وأما الآية الرابعة [١٨٤] فإنها تحمل العزاء لرسول الله ﷺ إذ يقول له ربه تعالى: ﴿فَإن كَذَّبُوكَ﴾ فلم يؤمنوا بك، فلا تحزن ولا تأسى لأنك لست وحدك الذي كُذبت، فقد كذبت رسل كثر كرام، جاءوا أقوامهم بالبينات أي المعجزات، وبالزبر، والكتاب المنير كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وكذبتهم أممهم كما كذبك هؤلاء اليهود والمشركون معهم فاصبر ولا تحزن.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- كفر اليهود وسوء أدبهم مع الله تعالى ومع أنبيائهم ومع الناس أجمعين.
٢- تقرير جريمة قتل اليهود للأنبياء وهي من أبشع الجرائم.
٣- بيان كذب اليهود في دعواهم أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا بالرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار.
٤- تعزية الرسول ﷺ وحمله على الصبر والثبات أمام ترهات اليهود وأباطيلهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ قالَ: يَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ مِنّا، فَإذا تُقَبِّلَ مِنهُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأُمَمِ يُقَرِّبُ أحَدُهُمُ القُرْبانَ، فَيَخْرُجُ النّاسُ فَيَنْظُرُونَ، أيُتَقَبَّلُ مِنهم أمْ لا؟ فَإنْ تُقُبِّلَ مِنهم جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ بَيْضاءُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْ ما قُرِّبَ، وإنْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تَأْتِ النّارُ، فَعَرَفَ النّاسُ أنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا سَألَهُ أهْلُ الكِتابِ أنْ يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾: القُرْبانِ، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ؟ يُعَيِّرُهم بِكُفْرِهِمْ قَبْلَ اليَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودَ، قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إنْ أتَيْتَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ صَدَّقْناكَ، وإلّا فَلَسْتَ بِنَبِيٍّ.
(p-١٦٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِكُ في دَمِ الرَّجُلِ، وقَدْ قُتِلَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ فَجَعَلَهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، ولَقَدْ قُتِلُوا قَبْلَ أنْ يُولَدُوا بِسَبْعِمِائَةِ عامٍ، ولَكِنْ قالُوا: قُتِلُوا بِحَقٍّ وسُنَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَذَبُوا عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ قالَ: كانَتْ رُسُلٌ تَجِيءُ بِالبَيِّناتِ، ورُسُلٌ عَلامَةُ نُبُوَّتِهِمْ أنْ يَضَعَ أحَدُهم لَحْمَ البَقَرِ عَلى يَدِهِ فَتَجِيءَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أصْحابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ (p-١٦٣)قالَ: الحَلالُ والحَرامُ، ﴿والزُّبُرِ﴾ قالَ: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: يُضاعِفُ الشَّيْءَ وهو واحِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كُلِّ ما فاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا؛ فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَقالَ عَلِيٌّ: هَذا الخَضِرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» .
(p-١٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها، ولَقابُ قَوْسِ أحَدِهِمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّ آخِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما دامَ يَحْبُو، فَهو في النُّورِ حَتّى تَجاوَزَ الصِّراطَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وأنْ يُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» .
(p-١٦٥)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ قالَ: سَعِدَ ونَجا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎وعَسى أنْ أفُوزَ ثُمَّتَ ألْقى حُجَّةً أتَّقِي بِها الفَتّانا
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي، يُزَوِّدُهُ الكَفُّ مِنَ التَّمْرِ، أوِ الشَّيْءُ مِنَ الدَّقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها؛ فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
﴿عَهِدَ إِلَيۡنَآ﴾: في التوراةِ.
﴿بِقُرۡبَانࣲ﴾: بصَدَقَةٍ يُتَقَرَّبُ بها إلى الله، فتنزلُ نارٌ من السماءِ فتحرقُها.
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي: أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم ﴿إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَوْراةِ، وأوْصانا.
﴿ألا نُؤْمِنَ﴾ بِألّا نُؤْمِنَ.
﴿لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾ أيْ: يُقَرِّبَ قُرْبانًا فَتَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، لِأنَّ أكْلَ النارِ القُرْبانَ سَبَبُ الإيمانِ لِلرَّسُولِ الآتِي بِهِ، لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو إذًا وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ سِوى القُرْبانِ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أيْ: بِالقُرْبانِ. يَعْنِي: قَدْ جاءَ أسْلافُكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ عَلى مِلَّتِهِمْ، وراضُونَ بِفِعْلِهِمْ.
﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ امْتِناعُكم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِ هَذا، فَلِمَ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِينِ أتَوْا بِهِ؟! ولِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في قَوْلِكُمْ: إنَّما نُؤَخِّرُ الإيمانَ لِهَذا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ﴾ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ "الَّذِينَ" فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا" أَوْ نَعْتٌ "لِلْعَبِيدِ" أَوْ خَبَرُ ابتداء، أي هم الذين قالوا. وقال الكلب وَغَيْرُهُ. نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا، وَفِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ وَجَمَاعَةٍ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، فإن جئتنا بِهِ صَدَّقْنَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. فَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، وَلَكِنْ كَانَ تَمَامُ الْكَلَامِ: حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فآمنوا بهما من غير قربان.
وَقِيلَ: كَانَ أَمْرُ الْقَرَابِينِ ثَابِتًا إِلَى أَنْ نسخت على لسان عيسى بن مَرْيَمَ. وَكَانَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ يَذْبَحُ وَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نَارٌ بَيْضَاءُ لَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ لَا دُخَانَ لَهَا، فَتَأْكُلُ الْقُرْبَانَ. فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ دَعْوَى مِنَ الْيَهُودِ، إِذْ كَانَ ثَمَّ اسْتِثْنَاءٌ فَأَخْفَوْهُ، أَوْ نُسِخَ، فَكَانُوا فِي تَمَسُّكِهِمْ بِذَلِكَ مُتَعَنِّتِينَ، وَمُعْجِزَاتُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي إِبْطَالِ دَعْوَاهُمْ، وَكَذَلِكَ مُعْجِزَاتُ عِيسَى، وَمَنْ وَجَبَ صِدْقُهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: (قُلْ) يَا مُحَمَّدُ (قَدْ جاءَكُمْ) يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ (رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) مِنَ الْقُرْبَانِ (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يَعْنِي زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَشَعْيَا، وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِمْ. أَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ. وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي تَلَاهَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاحْتَجَّ بِهَا عَلَى الَّذِي حَسَّنَ قَتْلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْيَهُودَ قَتَلَةً لِرِضَاهُمْ بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ. وَالْقُرْبَانُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نُسُكٍ [[في هـ وط: نسيكة.]] وَصَدَقَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُوَ فَعْلَانُ مِنَ الْقُرْبَةِ. وَيَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، فَمِثَالُ الِاسْمِ السُّلْطَانُ وَالْبُرْهَانُ. وَالْمَصْدَرُ الْعُدْوَانُ والخسران. وكان عيسى ابن عُمَرَ يَقْرَأُ "بِقُرْبانٍ" بِضَمِ الرَّاءِ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْقَافِ، كَمَا قِيلَ فِي جَمْعِ ظُلْمَةٍ: ظُلُمَاتٌ، وَفِي حُجْرَةٍ حُجُرَاتٌ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ وَمُؤْنِسًا لَهُ.
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ) أَيْ بِالدِّلَالَاتِ.
(وَالزُّبُرِ) أَيِ الْكُتُبِ الْمَزْبُورَةِ، يَعْنِي الْمَكْتُوبَةَ. وَالزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وَهُوَ الْكِتَابُ. وَأَصْلُهُ مِنْ زَبَرْتُ أَيْ كَتَبْتُ. وَكُلُّ زَبُورٍ فَهُوَ كِتَابٌ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي كَخَطِّ زَبُورٍ فِي عَسِيبِ [[العسيب: سعف النخل الذي جرد عنه خوصة، وهى الجريدة.]] يَمَانِي وَأَنَا أَعْرِفُ تَزْبِرَتِي أَيْ كِتَابَتِي. وَقِيلَ: الزَّبُورُ مِنَ الزَّبْرِ بِمَعْنَى الزَّجْرِ. وَزَبَرْتُ الرَّجُلَ انْتَهَرْتُهُ. وَزَبَرْتُ الْبِئْرَ: طَوَيْتُهَا بِالْحِجَارَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "بِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ" بِزِيَادَةِ بَاءٍ فِي الْكَلِمَتَيْنِ [[في ط وب: في الحرفين.]]. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفَ أَهْلِ الشَّامِ.
(وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) أي الواضح المضي، مِنْ قَوْلِكَ: أَنَرْتُ الشَّيْءَ أُنِيرُهُ، أَيْ أَوْضَحْتُهُ: يُقَالُ: نَارَ الشَّيْءَ وَأَنَارَهُ وَنَوَّرَهُ وَاسْتَنَارَهُ بِمَعْنًى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَجَمَعَ بَيْنَ الزُّبُرِ وَالْكِتَابِ- وَهُمَا بِمَعْنًى- لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا، وَأَصْلُهَا كما ذكرنا.
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا:"إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول".
* *
وقوله:"الذين قالوا إن الله"، في موضع خفض ردًّا على قوله:"الذين قالوا إن الله فقيرٌ".
* *
ويعني بقوله:"قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول"، أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه [[انظر تفسير"عهد إليه" فيما سلف ٣: ٣٨، وتفسير"العهد" في فهارس اللغة.]] ="أن لا نؤمن لرسول"، يقول: أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك="حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، يقول: حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة.
* *
وهو مصدر مثل"العدوان" و"الخسران" من قولك:"قرَّبتُ قربانًا".
وإنما قال:"تأكله النار"، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان، كان دليلا على قبول الله منه ما قرِّب له، ودلالة على صدق المقرِّب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال، كما:-
٨٣١٠ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته.
٨٣١١ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"بقربان تأكله النار"، كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنزلت على القربان فأكلته.
* *
= فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: [قل، يا محمد، للقائلين: إنّ الله عهد إلينا] أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار: [قد جاءكم] رسل من قبلي بالبينات"، [[في المخطوطة: "فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار رسل من قبلي بالبينات. . ."، وقد وضع ناسخ المخطوطة أمام السطرين في الهامش (ط ط كذا) ، يعني أنه خطأ كان في النسخة التي نقل عنها، فنقله هكذا كما وجده، فجاء ناشر المطبوعة -أو ناسخ قبله- فأراد أن يصححها، فزاد صدر الآية: "قل قد جاءكم" بعد قوله: "بقربان تأكله النار"، ولكن يبقى السياق غير حسن، فزدت ما بين القوسين، استظهارًا من نهج أبي جعفر في بيانه عن معاني آي كتاب الله، والله الموفق للصواب.]] يعني: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم="وبالذي قلتم"، يعني: وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إذ قرب لله"، والسياق يقتضي"إذا".]] ="فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين"، يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم، فقتلتموهم، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم="إن كنتم صادقين" في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقُربان تأكله النار حجة له على نبوته؟
* *
قال أبو جعفر: وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، لن يَعْدوا أن يكونوا في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته [[في المطبوعة: "لن يفروا أن يكونوا في كذبهم على الله"، وفي المخطوطة: "لن يقروا" ولا معنى لهما، وصوابهما ما أثبت. وسياق العبارة: "لن يعدوا أن يكونوا في كذبهم. . . إلا كمن مضى من أسلافهم".]] إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه.
ثم ذكر - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال : { الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } .وقوله { الذين قالوا إنَّ } . . إلخ . فى محل نصب بتقدير : أعنى . أو فى محل رفع بتقدير : هم الذين قالوا . ويجوز أن يكون فى محل جر على البدلية من قوله { الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ } .والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ، وفنحاص بن عازوراء ، وحيى بن أخطب . . وغيرهم ، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا له هذا القول وهو : { إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } . . . إلخ .و ( القربان ) هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات .والمعنى : أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ، والذين قالوا إن الله امرنا فى التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة غلينا من قبل الله - تعالى - حتى ياتينا بقربان يتقرب به إلى الله ، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان ، فإذا فعل ذلك كان صادقا فى رسالته .ومقصدهم من وراء هذا القول الذى حكاه القرآن عنهم ، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود الله . وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم حسدا له ، وإنما تركوا الإيمان به ، لأنه لم يأتب بالمعجزات التى أتى بها الأنبياء السابقون ، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا - فى زعمهم - .ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان ، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول ، إذ أن آيات الله فى إثبات رسالات رسله متعددة النواحى ، مختلفة المناهج ، وكون هذا الإتيان بالقربان الذى تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله - تعالى - رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بما يبطل قولهم فقال : { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .أى : قل لهم يا محمد { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي } كثير عددهم " بالبينات " أى بالحجج الواضحة ، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم { وبالذي قُلْتُمْ } أى وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذى تأكله النار { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } فى دعواكم أنكم تتبعون الحق ، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يهد بصدقهم؟فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التى تثبت كذبهم فيما يدعون ، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم ، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان ، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم متوقف على مجيئه بالقربان الذى تأكله النار دعوة كاذبة ، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم .. .قال الفخر الرازى : وقد بني الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت . وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل : زكريا ويحيى وعيسى ، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا فى قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة . وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا فى قتلهم ، ومتأخروا اليهود راضون بفعل متقدميهم . وهذا يقتضى كونهم متعنتين - أيضا - فى مطالبهم . ولهذا لم يجبهم الله فيها " .