سورة آل عمران — الآية ١٩٤
ربنا وأعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، من الهداية والنصر في الدنيا، ولا تفضحنا يوم القيامة بدخول النار، إنك - يا ربنا - كريم لا تُخْلف وعدك.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ، ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أَيْ إِلَى الْإِيمَانِ، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أَيْ: فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ.
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ وَلَا تُعَذِّبْنَا وَلَا تُهْلِكْنَا وَلَا تَفْضَحْنَا وَلَا تُهِنَّا، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ؟ قِيلَ: لَفْظُهُ دُعَاءٌ وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ أَيْ: لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ تَقْدِيرُهُ: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ وَقِيلَ: معناه ربنا واجلعنأ ٧٦/ب مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَكَ وَتُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا اسْتِحْقَاقَهُمْ لِتِلْكَ الْكَرَامَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُسْتَحِقِّينَ لَهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَأَلُوهُ تَعْجِيلَ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تُخْلِفُ وَلَكِنْ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى حِلْمِكَ فَعَجِّلْ خِزْيَهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ أَيْ: بِأَنِّي، ﴿لَا أُضِيعُ﴾ لَا أُحْبِطُ، ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [[أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة النساء: ٨ / ٣٧٧ وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٣٠٠ على شرط البخاري والطبري في التفسير: ٧ / ٤٨٦ - ٤٨٧. وعزاه السيوطي أيضا لسعيد بن منصور وابن المنذر وعيد الرزاق وابن أبي حاتم والطبراني عن أم سلمة أيضا. انظر: الدر المنثور: ٢ / ٤١٢ ولباب النقول ص (١٥٠) بهامش الجلالين.]] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي الدِّينِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" [التوبة: ٧١] .
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أَيْ: فِي طَاعَتِي وَدِينِي، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَكَّةَ، ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ " وَقُتِّلُوا " بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي أَنَّهُمْ قُطِّعُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ ثُمَّ أَنَّهُمْ قُتِلُوا وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ﴿وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ وَلَهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ وَقَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَقُتِلُوا﴾ أَيْ: قُتِلَ بَعْضُهُمْ تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ﴿وَقُتِلُوا﴾ وَقَدْ قَاتَلُوا، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاالأنْهَار ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَصْدَرٌ أَيْ: لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ مِنَ الثَّوابِ. لِما أظْهَرَ امْتِثالَهُ لِما أُمِرَ بِهِ سَألَ ما وُعِدَ عَلَيْهِ لا خَوْفًا مِن إخْلافِ الوَعْدِ بَلْ مَخافَةُ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَوْعُودِينَ لِسُوءِ عاقِبَةٍ، أوْ قُصُورٍ في الِامْتِثالِ أوْ تَعَبُّدًا واسْتِكانَةً. ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ما وعَدْتَنا مُنَزَّلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ مَعْناهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِأنْ تَعْصِمَنا عَمّا يَقْتَضِيهِ. ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ بِإثابَةِ المُؤْمِنِ وإجابَةِ الدّاعِي وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِيعادُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ.
وَتَكْرِيرُ رَبَّنا لِلْمُبالَغَةِ في الِابْتِهالِ والدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها.
وَفِي الآثارِ « (مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ رَبَّنا أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ).»
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رسلك﴾ أَي: على أَلْسِنَة رسلك؛ وعد الله الْمُؤمنِينَ على أَلْسِنَة رسله أَن يدخلهم الْجنَّة إِذا أطاعوه.
﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾: كلام معطوف على ما تقدم، وربنا منادى مضاف، و﴿آتنا﴾ عطف على أفعال الدعاء المتقدمة، و﴿نا﴾ ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، و﴿ما﴾ اسم موصول مفعول به ثان، وجملة ﴿وعدتنا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، و﴿على رسلك﴾ جار ومجرور متعلقان بـ﴿وعدتنا﴾، ولا بد من تقدير حذف مضاف، أي: على ألسنة رسلك، أو: متعلقان بمحذوف حال، أي: منزلًا على رسلك.
﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾: الواو عاطفة، ولا ناهية، وتخزنا فعل مضارع مجزوم بلا، و﴿نا﴾ ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و﴿يوم القيامة﴾ ظرف زمان متعلق بـ﴿تخزنا﴾.
﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾: الجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، لتعليل السؤال منهم، وإن حرف ناسخ، والكاف اسمها، وجملة ﴿لا تخلف الميعاد﴾ خبر إن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ: الجَنَّةَ (عَلى رُسُلِكَ) أيْ: عَلى ألْسِنَتِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ المَسْألَةِ، ومَعْناهُ: الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: فَآَمَنّا، فاغْفِرْ لَنا لِتُؤْتِيَنا ما وعَدْتَنا.
والثّانِي: أنَّهُ سُؤالٌ لَهُ، أنْ يَجْعَلَهم مِمَّنْ آَتاهُ ما وعَدَهُ، لا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانُوا قَدْ قَطَعُوا أنَّهم مِنَ الأبْرارِ، لَكانَتْ تَزْكِيَةً لِأنْفُسِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سُؤالٌ لِتَعْجِيلٍ ما وعَدَهم مِنَ النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ، لِأنَّهُ وعَدَهم نَصْرًا غَيْرَ مُؤَقَّتٍ، فَرَغِبُوا في تَعْجِيلِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ: أوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ، أنَّ هَذِهِ صِفَةُ المُهاجِرِينَ، رَغِبُوا في تَعْجِيلِ النَّصْرِ عَلى أعْدائِهِمْ. فَكَأنَّهم قالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى حِلْمِكَ عَنِ الأعْداءِ، فَعَجِّلْ خِزْيَهم، وظَفْرَنا بِهِمْ.
شرح الكلمات:
في خلق السماوات والأرض: أي في وجودهما من العدم.
واختلاف الليل والنهار: تعاقبهما هذا يجيء وذاك يذهب، هذا مظلم وذاك مضيء.
لآيات: دلائل واضحة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.
لأولي الألباب: أصحاب العقول التي تُدرك بها الأشياء وتفهم بها الأدلة.
ربّنا: يقولون: ربنا الخ..
باطلاً: لا لشيء مقصود منه، وإنما هو من باب اللعب.
سبحانك: تنزيها لك عن العبث واللعب، وعن الشريك والولد.
فقنا عذاب النار: أجرنا واحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا للأعمال الصالحة وتجنيبنا الأعمال الفاسدة الموجبة لعذاب النار.
أخزيته: أذللته وأشقيته.
كفر عنا: استر وامح.
الأبرار: جمع برّ أو بار وهم المتمسكون بالشريعة.
على رسلك: على ألسنة رسلك من النصر والتأييد.
الميعاد: الوعد.
هاجروا: تركوا بلادهم وديارهم وأموالهم وأهليهم فراراً بدينهم.
أوذوا في سبيلي: آذاهم المشركون من أجل الإيمان بي ورسولي وطاعتنا.
ثوابا من عند الله: أي أجراً جزاء كائناً من عند الله، وهو الجنات بعد تكفير السيئات.
معنى الآيات:
لما قال اليهود تلك المقالة السيئة: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء، وحرفوا الكتاب وبدلوا وغيروا ويحبون أن يحمدوا على باطلهم كانت مواقفهم هذه دالة على عمى في بصائرهم، وضلال في عقولهم، فذكر تعالى من الآيات الكونيّة ما يدل على غناه، وافتقار عباده إليه، كما يدل على ربوبيته على خلقه، وتدبيره لحياتهم وتصرفه في أمورهم، وإنه ربهم لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه إلا أن هذا لا يدركه إلا أرباب العقول الحصيفة والبصائر النيرة فقال تعالى: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ وٱخْتِلافِ ٱلَّيلِ وٱلنَّهارِ لآياتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبابِ﴾ نعم إن في إيجاد السماوات والأرض من العدم وفي اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والظلام والضياء، والتعاقب بذهاب هذا ومجيء ذاك دلائل واضحات على غنى الله وافتقار عباده وبراهين ساطعة على ربوبيته لخلقه. وألوهيته لهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى [١٩٠] وأما الآيات الأربع بعدها فقد تضمنت وصفاً لأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض فيهتدون إلى معرفة الربّ تعالى فيذكرونه ويشكرونه. فقال تعالى عنهم: ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ وهذا شامل لحالهم فى الصلاة وخارج الصلاة. وقال عنهم: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾، أي في إيجادهما وتكوينهما وإبداعهما، وعظيم خلقهما، وما أودع فيهما من مخلوقات. فلا يلبثون أن يقولوا: ﴿رَبَّنَآ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلاً﴾ أي لا لحكمة مقصودة ولا لهدف مطلوب، بل خلقته بالحق وحاشاك أن تكون من اللاعبين العابثين سبحانك تنزيها لك عن العبث واللعب بل خلقت ما خلقت لحكم عالية خلقته لأجل أن تذكر وتشكر، فتكرم الشاكرين الذاكرين، في دار كرامتك وتهين الكافرين في دار عذابك، ولذا قالوا: في الآية [١٩٢] ﴿رَبَّنَآ إنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾.
والظالمون هم الكافرون. ولذا يعدمون النصير ويخزون بالعذاب المهين، وقال عنهم في الآية [١٩٣] ﴿رَّبَّنَآ إنَّنَآ سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا﴾، والمنادى هو القرآن الكريم والرسول ﷺ وتوسلوا بإيمانهم لربهم طالبين أشرف المطالب وأسماها مغفرة ذنوبهم ووفاتهم مع الأبرار فقالوا ﴿رَبَّنا فَٱغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ ٱلأَبْرارِ﴾ وهو ما جاء في الآية [١٩٣] وأما الآية الخامسة [١٩٤] فقد سألوا ربهم أن يعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله من النصر والتمكين في الأرض، هذا في الدنيا، وأن لا يُخزِيهم يوم القيامة بتعذيبهم في النار، فقالوا: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدتَّنا عَلىٰ رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ ٱلْمِيعادَ﴾، أي وعدك الحق وفي الآية السادسة [١٩٥] ذكر تعالى استجابته لهم فقال لهم: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أوْ أُنْثىٰ﴾ بل أجازي الكل بعمله لا أنقصه له ذكراً كان أو أنثى لأن بعضكم من بعض الذكر من الأنثى والأنثى من الذ١كر فلا معنى للتفرقة بينكم، وذكر تعالى بعض أعمالهم الصالحة التي استوجبوا بها هذا الإنعام فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ هاجَرُواْ وأُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وقَٰتَلُواْ وقُتِلُواْ﴾، وواعدهم قائلا: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها ٱلأَنْهَٰرُ﴾، وكان ذلك ثوابا منه تعالى على أعمالهم الصالحة، والله عنده حسن الثواب، فليُرغَب إليه، وليَطمَع فيه، فإنه البر الرحيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب التفكر في خلق السماوات والأرض للحصول على المزيد من الإيمان والإيقان.
٢- استحباب تلاوة هذه الآيات: إن في خلق السماوات الى آخر السورة وذلك عند القيام للتهجد آخر الليل لثبوت ذلك في الصحيح عنه ﷺ.
٣- استحباب ذكر الله في كل حال من قيام أو قعود أو اضطجاع.
٤- استحباب التعوذ من النار بل وجوبه ولو مرة فى العمر.
٥- مشروعية التوسل الى الله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال.
٦- فضل الهجرة والجهاد في سبيل الله.
٧- المساواة بين المؤمنين والمؤمنات في العمل والجزاء.
٨- استحباب الوفاة بين الأبرار وهم أهل الطاعة لله ولرسوله والصدق فيها وذلك بالحياة معهم والعيش بينهم لتكون الوفاة بإذن الله معهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُما كانا يَقُولانِ: اسْمُ اللَّهِ الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: مَن تُخَلِّدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ خاصَّةٌ لِمَن لا يَخْرُجُ مِنها.
(p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: «قَدِمَ عَلَيْنا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ أنا وعَطاءٌ، فَقُلْتُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] [البَقَرَةِ: ١٦٧] قالَ: أخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُمُ الكُفّارُ، قُلْتُ لِجابِرٍ: فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: وما أخْزاهُ حِينَ أحْرَقَهُ بِالنّارِ! وإنَّ دُونَ ذَلِكَ خِزْيًا»! .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ، لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: سَمِعُوا دَعْوَةً مِنَ اللَّهِ فَأجابُوها وأحْسَنُوا فِيها: وصَبَرُوا عَلَيْها، يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ عَنْ مُؤْمِنِ الإنْسِ كَيْفَ قالَ، وعَنْ مُؤْمِنِ الجِنِّ كَيْفَ قالَ؛ فَأمّا مُؤْمِنُ الجِنِّ فَقالَ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] [الجِنِّ: ١-٢] .
(p-١٨٥)وأمّا مُؤْمِنُ الإنْسِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قالَ: يَسْتَنْجِزُونَ مَوْعِدَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: لا تَفْضَحْنا، ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قالَ: مِيعادُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قالَ: أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أهْلُ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، لا أُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««العارُ والتَّخْزِيَةُ يَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ في القِيامَةِ في المَقامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ما يَتَمَنّى العَبْدُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ إلى النّارِ»» .
وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيَّتِهِ“ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ لا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا تَفْضَحْنا يَوْمَ اللِّقاءِ»» .
(p-١٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ: إذا فَرَغَ أحَدُكم مِنَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِ ما سَألَكَ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما عاذَ مِنهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْعُوَ في المَكْتُوبَةِ بِدُعاءِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: كانَ أحَبَّ دُعائِهِمْ ما وافَقَ القُرْآنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ قالا: ادْعُوا في الفَرِيضَةِ بِما في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عَسْقَلانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، ويُبْعَثُ مِنها خَمْسُونَ ألْفًا شُهَداءَ وُفُودًا إلى اللَّهِ، وبِها صُفُوفُ (p-١٨٧)الشُّهَداءِ، رُؤُوسُهم تَقَطَّعُ في أيْدِيهِمْ، تَثِجُّ أوْداجُهم دَمًا يَقُولُونَ: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَيَقُولُ: صَدَقَ عَبِيدِي، اغْسِلُوهم بِنَهْرِ البَيْضَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنهُ بِيضًا، فَيَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا»» .
﴿وَلَا تُخۡزِنَا﴾: ولاتَفْضَحْنا بذنوبِنا.
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أيْ: عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، أوْ ما وعَدَتْنا مُنَزَّلًا عَلى رُسِلِكَ، أوْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. و"عَلى" مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَعَدَتْنا". والمَوْعُودُ هو الثَوابُ، أوِ النُصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، وإنَّما طَلَبُوا إنْجازَ ما وعَدَ اللهُ -واللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ-، لِأنَّ مَعْناهُ: طَلَبُ التَوْفِيقِ فِيما يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أسْبابَ إنْجازِ المِيعادِ، أوِ المُرادُ: اجْعَلْنا مِمَّنْ لَهُمُ الوَعْدُ إذِ الوَعْدُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ لِمَن هُوَ؟ أوِ المُرادُ: ثَبِّتْنا عَلى ما يُوصِلُنا إلى عِدَتِكَ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (p-٣٢٣)أوْ هو إظْهارٌ لِلْخُضُوعِ والضَراعَةِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ.
فيه خمس وعشرون مسا له: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩١.]] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. فَخَتَمَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ بِالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي آيَاتِهِ، إِذْ لَا تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سَلَامٍ غَنِيٍّ عَنِ الْعَالَمِينَ، حَتَّى يَكُونَ إِيمَانُهُمْ مُسْتَنِدًا إِلَى الْيَقِينِ لَا إِلَى التَّقْلِيدِ.
(لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِي تَأَمُّلِ الدَّلَائِلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ يُصَلِّي، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرءاه يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: (يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةً "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ"- ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا. الثَّانِيَةُ- قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَسْتَفْتِحَ قِيَامَهُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعَمَلِ عَلَى ١٧ خط حذف شده است. مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ هَذَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" كُلَّ لَيْلَةٍ، خَرَّجَهُ أَبُو نَصْرٍ الْوَائِلِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ الْحَافِظُ فِي كِتَابِ "الْإِبَانَةِ" مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ الْمَخْزُومِيِّ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ [[راجع ص ٢ من هذا الجزء.]] السُّورَةِ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ ذَكَرَ تَعَالَى ثلاث هيئات لا يخلوا ابْنُ آدَمَ مِنْهَا فِي غَالِبِ أَمْرِهِ، فَكَأَنَّهَا تَحْصُرُ زَمَانَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ عَلَى الْخَلَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا، فَأَجَازَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ. قَالَ النَّخَعِيُّ: لَا بَأْسَ بِذِكْرِ. اللَّهِ فِي الْخَلَاءِ فَإِنَّهُ يَصْعَدُ. الْمَعْنَى: تَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مَكْتُوبًا فِي صُحُفِهِمْ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. دَلِيلُهُ قول تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] [[راجع ج ١٧ ص ٨.]]. وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١ - ١٠] [[راجع ج ١٩ ص ٢٤٥.]]. ولان اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالذِّكْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَقَالَ: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٤١] [[راجع ج ١٤ ص ١٩٧.]] وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] [[راجع ج ٢ ص ١٧١.]] وَقَالَ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣] [[راجع ج ١٠ ص ٣٩٥.]] فَعَمَّ. فَذَاكِرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالَاتِهِ مُثَابٌ مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَا رَبِّ أَقَرِيبٌ أَنْتَ فَأُنَاجِيَكَ أَمْ بَعِيدٌ فَأُنَادِيَكَ قَالَ: يَا مُوسَى أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنَّا نَكُونُ مِنَ الْحَالِ عَلَى حَالٍ نُجِلُّكَ وَنُعَظِّمُكَ أَنْ نَذْكُرَكَ قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْجَنَابَةُ وَالْغَائِطُ قَالَ: يَا مُوسَى اذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ (. وَكَرَاهِيَةُ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ إِمَّا لِتَنْزِيهِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوَاضِعِ الْمَرْغُوبِ عَنْ ذِكْرِهِ فِيهَا كَكَرَاهِيَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ، وَإِمَّا إِبْقَاءً عَلَى الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ عَلَى أَنْ يُحِلَّهُمْ مَوْضِعَ الْأَقْذَارِ وَالْأَنْجَاسِ لِكِتَابَةِ مَا يَلْفِظُ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَ (قِياماً وَقُعُوداً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ.
(وَعَلى جُنُوبِهِمْ) فِي موضع الحال، أي ومضطجعين ومثله قول تَعَالَى: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً﴾ [يونس: ١٢] [[راجع ج ٨ ص ٣١٧.]] عَلَى الْعَكْسِ، أَيْ دَعَانَا مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبِهِ. وذهب، جماعة من المفسرين منهم الحسن وغير إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ "يَذْكُرُونَ اللَّهَ" إِلَى آخِرِهِ، إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، أَيْ لَا يُضَيِّعُونَهَا، فَفِي حَالِ الْعُذْرِ يُصَلُّونَهَا قُعُودًا أَوْ على جنوبهم. وهي مثل قول تَعَالَى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] [[راجع ج ٥ ص ٣٧٣.]] فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى، مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَإِذَا كَانَتِ الْآيَةُ فِي الصَّلَاةِ فَفِقْهُهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُصَلِّي قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، كَمَا ثبت عن عمران ابن حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ بِي الْبَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ. وَقَدْ كَانَ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ فِي النَّافِلَةِ، عَلَى مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. قَالَ أبو عبد الرحمن [[أبو عبد الرحمن: كنية النسائي.]]: لا أعلم أحد رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ [[الحفري (بفتح المهملة والفاء) نسبة إلى موضع بالكوفة واسمه عمر بن سعد بن عبيد.]] وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا خَطَأً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ وَالْقَاعِدِ وَهَيْئَتِهَا، فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ فِي قيامه، وقال الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ تَهَيَّأَ لِلسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُتَنَفِّلُ. وَنَحْوَهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ: يَجْلِسُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ [[في ى: المذهب. وذلك في الهامش تصحيحا.]] وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ: يَجْلِسُ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَكَذَلِكَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ [[في هـ.]]: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْقُعُودَ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ أَوْ ظَهْرِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَكْسُهُ، يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَيْسَرِ، وَإِلَّا فَعَلَى الظَّهْرِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُصَلِّي عَلَى الْأَيْمَنِ كَمَا يُجْعَلُ فِي لَحْدِهِ، وَإِلَّا فَعَلَى ظَهْرِهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْأَيْسَرِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا صَلَّى مُضْطَجِعًا تَكُونُ رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ. وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. السَّادِسَةُ- فَإِنْ قَوِيَ لِخِفَّةِ الْمَرَضِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنَّهُ يَقُومُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَزُفَرَ وَالطَّبَرِيِّ. وقال أبو حنيفة وَصَاحِبَاهُ يَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا رَكْعَةً ثُمَّ صَحَّ: أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَلَوْ كَانَ قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ثُمَّ صَحَّ بَنَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَبْنِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ صَارَ إِلَى حَدِّ الْإِيمَاءِ فَلْيَبْنِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ وَالْجُلُوسَ: إِنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيُومِئُ إِلَى الرُّكُوعِ، فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ جَلَسَ وَأَوْمَأَ إِلَى السُّجُودِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ، أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُصَلِّي قَاعِدًا. السَّابِعَةُ- وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّاقِدِ الصَّحِيحِ فَرُوِيَ عَنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهِ، وَهِيَ "صَلَاةُ الرَّاقِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُجِيزُونَ النَّافِلَ مُضْطَجِعًا، وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ إلا حسين المعلم وهو حسين ابن ذَكْوَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى حُسَيْنٍ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافًا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْهُ، وَإِنْ صَحَّ فَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ أَجَازَ النَّافِلَةَ مُضْطَجِعًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَوْ عَلَى الْقِيَامِ فَوَجْهُهُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ. وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ رَاقِدًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ أَوِ الْقِيَامِ، فَحَدِيثُ حُسَيْنٍ هَذَا إِمَّا غَلَطٌ وَإِمَّا مَنْسُوخٌ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالآية الذين يستدلون بخلق السموات وَالْأَرْضِ عَلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغَيِّرٍ، وَذَلِكَ الْمُغَيِّرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْكَمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَبْعَثَ الرُّسُلَ، فَإِنْ بَعَثَ رَسُولًا وَدَلَّ عَلَى صِدْقِهِ بِمُعْجِزَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عُذْرٌ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قد بينا معنى "يَذْكُرُونَ" وَهُوَ إِمَّا ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَإِمَّا الصَّلَاةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، فَعَطَفَ تَعَالَى عِبَادَةً أُخْرَى عَلَى إِحْدَاهُمَا [[في اوج وب وهـ وى وط: بعبادة أخرى وهى الفكر.]] بِعِبَادَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ التَّفَكُّرُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَخْلُوقَاتِهِ وَالْعِبَرِ الَّذِي بَثَّ [[كذا في هـ وب ود وج وى. وفى أوح: نبه، وفى ز: ثبت.]]، لِيَكُونَ ذَلِكَ أزيد بَصَائِرِهِمْ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ على أنه واحد
وَقِيلَ: "يَتَفَكَّرُونَ" عَطْفٌ عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: يَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ. وَالْفِكْرَةُ: تَرَدُّدُ الْقَلْبِ فِي الشَّيْءِ، يُقَالُ: تَفَكَّرَ، وَرَجُلٌ فَكِيرٌ كَثِيرٌ الْفِكْرِ، وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي اللَّهِ فَقَالَ: (تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ فَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ قَدْرَهُ) وَإِنَّمَا التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ وَانْبِسَاطُ الذِّهْنِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَالَ: "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ". وَحُكِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الْكَوَاكِبَ غُشِيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَبُولُ الدَّمَ مِنْ طُولِ حُزْنِهِ وَفِكْرَتِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ وَإِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ لَكِ رَبًّا وَخَالِقًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ) وَقَالَ ﷺ: (لَا عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ). وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ). وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. قِيلَ له: أفترى التفكر عمل مِنَ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ الْيَقِينُ. وَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَادَةً، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَالتَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْعَبَّاسِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفِكْرَةُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ يَنْظُرُ فِيهَا إِلَى حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ. وَمِمَّا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مَخَاوِفُ الْآخِرَةِ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَالنَّارِ وَعَذَابِهَا. وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ قَدَحَ الْمَاءِ لِيَتَوَضَّأَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَعِنْدَهُ ضَيْفٌ، فَرَآهُ لَمَّا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِ الْقَدَحِ أَقَامَ لِذَلِكَ مُتَفَكِّرًا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمَّا طَرَحْتُ أُصْبُعِي فِي أُذُنِ الْقَدَحِ تَفَكَّرْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [المؤمن: ٧١] [[راجع ج ١٥ ص ٣٣٢.]] تَفَكَّرْتُ، فِي حَالِي وَكَيْفَ أَتَلَقَّى الْغُلَّ إِنْ طُرِحَ فِي عُنُقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَا زِلْتُ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحْتُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: "وَهَذَا نِهَايَةُ الْخَوْفِ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، وَلَيْسَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ، وَقِرَاءَةُ عِلْمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَانِي سنة رسول الله ﷺ لِمَنْ يَفْهَمُ وَيُرْجَى نَفْعُهُ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا". قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ أَيُّ الْعَمَلَيْنِ أَفْضَلُ: التَّفَكُّرُ أَمِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّفَكُّرَ أَفْضَلُ، فَإِنَّهُ يُثْمِرُ الْمَعْرِفَةَ وَهُوَ أَفْضَلُ، الْمَقَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْحَثِّ عَلَيْهَا وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، وَفِيهِ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ العشر الحواتم مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَقَامَ إِلَى شَنٍّ [[الشن: القربة.]] مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ثُمَّ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، الْحَدِيثَ. فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى جَمْعِهِ بَيْنَ التَّفَكُّرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ هِيَ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا. فَأَمَّا طَرِيقَةُ الصُّوفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ مِنْهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَشَهْرًا مُفَكِّرًا لَا يَفْتُرُ، فَطَرِيقَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوَابِ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِالْبَشَرِ، وَلَا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى السُّنَنِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ قَالَ: كُنْتُ بَائِتًا فِي مَسْجِدِ الْأَقْدَامِ [[مسجد الاقدام: مسجد كان بجهة مصر العتيقة قريبا من سقاية ابن طولون. راجع المقريزي ج ٢ ص ٤٤٥ طبع بولاق.]] بِمِصْرَ فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ فَرَأَيْتُ رَجُلًا قَدِ اضْطَجَعَ فِي كِسَاءٍ لَهُ مُسَجًّى بِكِسَائِهِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَلَّيْنَا نَحْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَاسْتَعْظَمْتُ جَرَاءَتَهُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا فَرَغَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ فَتَبِعْتُهُ لِأَعِظَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ شِعْرًا:
مُسَجَّى الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِرْ ... مُنْتَبِهُ الْقَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ
مُنْقَبِضٌ فِي الْغُيُوبِ مُنْبَسِطْ ... كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفًا ذَاكِرْ
يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَرْ ... فَهْوَ مدى الليل نائم ماهر
قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ بِالْفِكْرَةِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا﴾ أَيْ يَقُولُونَ: مَا خَلَقْتَهُ عَبَثًا وَهَزْلًا، بَلْ خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِكَ وَحِكْمَتِكَ. وَالْبَاطِلُ: الزَّائِلُ الذَّاهِبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
أَلَا كل شي ما خلا الله باطل أَيْ زَائِلٌ. وَ "باطِلًا" نُصِبَ لِأَنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ خَلْقًا بَاطِلًا وَقِيلَ: انْتَصَبَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ مَا خَلَقْتَهَا لِلْبَاطِلِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَيَكُونُ خَلَقَ بِمَعْنَى جَعَلَ.
(سُبْحانَكَ) أَسْنَدَ النَّحَّاسُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَعْنَى "سُبْحَانَ اللَّهِ" فَقَالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "البقرة" [[راج ج ١ ص ٢٧٦.]] معناه مستوفى. و (فَقِنا عَذابَ النَّارِ) أَجِرْنَا مِنْ عَذَابِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ٤٣٣.]]. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أَيْ أَذْلَلْتَهُ وَأَهَنْتَهُ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: أَيْ أَهْلَكْتَهُ، وَأَنْشَدَ:
أَخْزَى الْإِلَهُ مِنَ الصَّلِيبِ عَبِيدَهُ ... وَاللَّابِسِينَ قَلَانِسَ الرُّهْبَانِ
وَقِيلَ: فَضَحْتَهُ وَأَبْعَدْتَهُ، يُقَالُ: أَخْزَاهُ اللَّهُ: أَبْعَدَهُ وَمَقَتَهُ. وَالِاسْمُ الْخِزْيُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: خَزِيَ يَخْزَى خِزْيًا إِذَا وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَصْحَابُ الْوَعِيدِ وَقَالُوا: مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ يَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ مُؤْمِنًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ" فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] [[راجع ج ١٨ ص ٧٩١.]]. وَمَا قَالُوهُ مَرْدُودٌ، لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً لَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي. وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: "مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ" مَنْ تُخَلِّدْ فِي النَّارِ، قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تُدْخِلُ مَقْلُوبُ تُخَلِّدُ، وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ أَهْلُ حَرُورَاءَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي قَوْمٍ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَلِهَذَا قَالَ: (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) أَيِ الْكُفَّارُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْخِزْيُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَيَاءِ، يُقَالُ: خَزِيَ يَخْزَى خِزَايَةً إِذَا اسْتَحْيَا، فَهُوَ خَزْيَانُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
خِزَايَةٌ أَدْرَكَتْهُ عِنْدَ [[في الديوان: بعد.]] جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ
فَخِزْيُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ اسْتِحْيَاؤُهُمْ فِي دُخُولِ النَّارِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا. وَالْخِزْيُ لِلْكَافِرِينَ هُوَ إِهْلَاكُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَمُوتُونَ، فَافْتَرَقُوا. كَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ويأتي.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ أَيْ مُحَمَّدًا ﷺ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ إِذْ قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢ - ١] [[راجع ج ١٩ ص ٦.]]. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ فَقَالُوا: مَنْ سَمِعَ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ، وَهَذَا صحيح معنى. ولِلْإِيمانِ [[من هـ وج وط.]] مِنْ (أَنْ آمِنُوا) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْخَفْضِ، أَيْ بِأَنْ آمِنُوا. وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ سَمِعْنَا مُنَادِيًا لِلْإِيمَانِ يُنَادِي، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، أَيْ إِلَى الْإِيمَانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] [[راجع ج ١٧ ص ٢٩٠.]]. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] [[راجع ج ٢٠ ص ١٤٠.]] وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ [الأعراف: ٤٣] [[راجع ج ٧ ص ٨٠٢.]] أَيْ إِلَى هَذَا، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَقِيلَ: هِيَ لَامُ أَجْلٍ، أَيْ لِأَجْلِ الْإِيمَانِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا﴾ تَأْكِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي الدُّعَاءِ. وَمَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْغَفْرَ وَالْكَفْرَ: السَّتْرُ.
(وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) أَيْ أَبْرَارًا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَيْ في جملتهم. واحدهم وبر وَبَارٌّ وَأَصْلُهُ مِنَ الِاتِّسَاعِ، فَكَأَنَّ الْبَرَّ مُتَّسِعٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمُتَّسِعَةٌ لَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) أَيْ على ألسنة رسلك، مثل "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" [[راجع ج ٩ ص ٢٤٥.]]. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَالزُّهْرِيُّ "رُسْلِكَ" بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ مِنَ اسْتِغْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ دُعَاءِ نُوحٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَاسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمَّتِهِ.
(وَلا تُخْزِنا) أَيْ لَا تُعَذِّبْنَا وَلَا تُهْلِكْنَا وَلَا تَفْضَحْنَا، وَلَا تُهِنَّا وَلَا تُبْعِدْنَا وَلَا تَمْقُتْنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعادَ). إِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَعَدَ مَنْ آمَنَ بِالْجَنَّةِ، فَسَأَلُوا أَنْ يَكُونُوا ممن وعد بذلك دون الخزي: والعقاب.
الثَّانِي- أَنَّهُمْ دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ عَلَى جِهَةِ الْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ، وَالدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] [[على قراءة نافع راجع ج ١١ ص ٣٥١.]] وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَقْضِي إِلَّا بِالْحَقِّ. الثَّالِثُ- سَأَلُوا أَنْ يُعْطَوْا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مُعَجَّلًا، لِأَنَّهَا حِكَايَةٌ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ ذَلِكَ إِعْزَازًا لِلدِّينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى أنس ابن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ رَحْمَةً وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ (. وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْوَعْدِ وَتَمْدَحُ بِذَلِكَ فِي الْوَعِيدِ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ [[هو عامر بن الطفيل، كما في اللسان.]]:
وَلَا يَرْهَبُ ابْنُ الْعَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتِي ... وَلَا أَخْتَفِي [[في هـ وى: أختبي.]] مِنْ خَشْيَةِ الْمُتَهَدِّدِ
وَإِنِّي مَتَى [[كذا في جميع الأصول، والذي في اللسان: وإني إن، وفى التاج: وإني وإن.]] أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أَيْ أَجَابَهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالُوا يَقُولُونَ رَبَّنَا رَبَّنَا حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُمْ. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: مَنْ حَزَبَهُ [[حزبه الامر: إذا نزل به مهم أو أصابه غم.]] أَمْرٌ فَقَالَ خَمْسَ مَرَّاتٍ رَبَّنَا أنجاه لله مِمَّا يَخَافُ وَأَعْطَاهُ مَا أَرَادَ. قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ- إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤ - ١٩١]. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِّي﴾ أَيْ بِأَنِّي. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "إِنِّي" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيْ فَقَالَ: إِنِّي. وَرَوَى الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ بِشَيْءٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ: ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَدَخَلَتْ "مِنْ" لِلتَّأْكِيدِ، لِأَنَّ قَبْلَهَا حَرْفَ نَفْيٍ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هِيَ لِلتَّفْسِيرِ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا، لِأَنَّهَا دَخَلَتْ لِمَعْنًى لَا يَصْلُحُ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا تُحْذَفُ إِذَا كَانَ تَأْكِيدًا لِلْجَحْدِ.
(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ دِينُكُمْ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الثَّوَابِ وَالْأَحْكَامِ وَالنُّصْرَةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، نَظِيرُهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] [[راجع ج ٨ ص ٢٠٢.]]. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مِنِّي، أَيْ عَلَى مَذْهَبِي وَخُلُقِي. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ هَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ وَسَارُوا إِلَى الْمَدِينَةِ.
(وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجل.
(قاتَلُوا) أَيْ وَقَاتَلُوا أَعْدَائِي.
(وَقُتِلُوا) أَيْ فِي سَبِيلِي. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ: "وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا" عَلَى التَّكْثِيرِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا" لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارُ قَدْ، أَيْ قُتِلُوا وَقَدْ قَاتَلُوا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَصَابَى وَأَمْسَى عَلَاهُ الْكِبَرْ
أَيْ وَقَدْ عَلَاهُ الْكِبَرُ. وَقِيلَ: أَيْ وَقَدْ قَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي تَمِيمٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَإِنْ تُقَاتِلُونَا نُقَتِّلْكُمُ
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "وَقَتَلُوا وَقُتِلُوا" خَفِيفَةً بِغَيْرِ أَلِفٍ.
(لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) أَيْ لَأَسْتُرَنَّهَا عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا أُوَبِّخُهُمْ بِهَا وَلَا أُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا.
(ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، لِأَنَّ مَعْنَى "لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ" لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا. الْكِسَائِيُّ: انْتَصَبَ عَلَى الْقَطْعِ. الْفَرَّاءُ: عَلَى التَّفْسِيرِ.
(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) أَيْ حُسْنُ الْجَزَاءِ، وَهُوَ مَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ [[في ز وهـ ود وج: جزاء.]] جَرَّاءِ عَمَلِهِ، مِنْ ثَابَ يَثُوبُ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ قِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ الْأُمَّةُ. وَقِيلَ: لِلْجَمِيعِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَهُمْ تَجَائِرُ وَأَمْوَالٌ وَاضْطِرَابٌ فِي الْبِلَادِ، وَقَدْ هَلَكْنَا نَحْنُ مِنَ الْجُوعِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَيْ لَا يَغُرَّنَّكُمْ سَلَامَتُهُمْ بِتَقَلُّبِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ.
(مَتاعٌ قَلِيلٌ) أَيْ تَقَلُّبُهُمْ مَتَاعٌ قَلِيلٌ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "يَغُرَّنْكَ" سَاكِنَةَ النُّونِ، وَأَنْشَدَ:
لَا يَغُرَّنْكَ عِشَاءُ سَاكِنٍ ... قَدْ يوافي بالمنيات السحر
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [المؤمن: ٤] [[راجع ج ١٥ ص ٢٨٦.]] وَالْمَتَاعُ: مَا يُعَجَّلُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَسَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّهُ فَانٍ، وَكُلُّ فَانٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ قَلِيلٌ. وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ الْفِهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فلينظر بماذا يَرْجِعُ (. قِيلَ:) يَرْجِعُ) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
(وَبِئْسَ الْمِهادُ) أَيْ بِئْسَ مَا مَهَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ، وَمَا مَهَدَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّارِ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] [[راجع ص ٢٨٦ من هذا الجزء.]] الآية. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] [[راجع ج ٧ ص ٣٢٩ وص ٢٣٧.]]. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] [[راجع ج ١٢ ص ١٣٠.]]. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] [[راجع ج ٧ ص ٣٢٩ وص ٢٣٧.]] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ. مُنْعَمٍ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ الْخُلُوصُ مِنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَنِعَمُ الْكُفَّارِ. مَشُوبَةٌ بِالْآلَامِ وَالْعُقُوبَاتِ، فَصَارَ كَمَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ حَلَاوَةً مِنْ عَسَلٍ فِيهَا السُّمُّ، فَهُوَ وَإِنِ اسْتَلَذَّ آكِلُهُ لَا يُقَالُ: أَنْعَمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِيهِ هَلَاكَ رُوحِهِ. ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سَيْفُ السُّنَّةِ وَلِسَانُ الْأُمَّةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالُوا: وَأَصْلُ النِّعْمَةِ مِنَ النَّعْمَةِ بِفَتْحِ النُّونِ، وَهِيَ لِينُ الْعَيْشِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٧] [[راجع ج ١٦ ص ١٣٨.]]. يُقَالُ: دَقِيقٌ نَاعِمٌ، إِذَا بُولِغَ فِي طَحْنِهِ وَأُجِيدَ سَحْقُهُ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْكُفَّارِ أَنْ يَشْكُرُوهُ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَقَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٤] [[راجع ج ٧ ص ٣٢٩ وص ٢٣٧.]]. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] [[راجع ج ٢ ص ٢١٥.]] وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى نِعْمَةٍ. وَقَالَ: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] [[راجع ج ١٣ ص ٣١٤.]] وَهَذَا خِطَابٌ لِقَارُونَ. وَقَالَ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] [[راجع ج ١٠ ص ١٩٣ وص ١٦٦.]] الْآيَةَ. فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ نعمة دنياوية فجحدوها. وقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣] [[راجع ج ١٠ ص ١٩٣ وص ١٦٦.]] وقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣] [[راجع ج ١٤ ص ٣٢١.]]. وهذا عام فِي الْكُفَّارِ وَغَيْرِهِمْ. فَأَمَّا إِذَا قَدَّمَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فِيهِ سُمٌّ فَقَدْ رَفَقَ بِهِ فِي الْحَالِ، إِذْ لَمْ يُجَرِّعْهُ السُّمَّ بَحْتًا، بَلْ دَسَّهُ فِي الْحَلَاوَةِ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنِّعَمُ ضَرْبَانِ: نِعَمُ نَفْعٍ وَنِعَمُ دَفْعٍ، فَنِعَمُ النَّفْعِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ فُنُونِ اللَّذَّاتِ، وَنِعَمُ الدَّفْعِ مَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْآفَاتِ. فَعَلَى هَذَا قَدْ أَنْعَمَ عَلَى الْكُفَّارِ نِعَمَ الدَّفْعِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ مَا زُوِيَ عَنْهُمْ مِنَ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةَ دِينِهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ اسْتِدْرَاكٌ بَعْدَ كَلَامٍ تَقَدَّمَ فِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ، لِأَنَّ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ لَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي الْبِلَادِ كَبِيرُ [[في ج وا: كثير.]] الِانْتِفَاعِ، لَكِنِ الْمُتَّقُونَ لَهُمُ الِانْتِفَاعُ الْكَبِيرُ [[في ج وا: كثير.]] وَالْخُلْدُ الدَّائِمُ. فَمَوْضِعُ "لكِنِ" رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ. وَقَرَأَ يَزِيدُ بْنُ القعقاع "لكن" بتشديد النون. الموافية عِشْرِينَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ نُزُلًا مِثْلُ ثَوَابًا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ يَكُونُ مَصْدَرًا. الْفَرَّاءُ: هُوَ مُفَسِّرٌ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ "نُزُلًا" بِتَخْفِيفِ الزَّاي اسْتِثْقَالًا لِضَمَّتَيْنِ، وَثَقَّلَهُ الْبَاقُونَ. وَالنُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، وَالنَّزِيلُ الضَّيْفُ. قَالَ الشَّاعِرُ: نَزِيلُ الْقَوْمِ أَعْظَمُهُمْ حُقُوقًا وَحَقُّ اللَّهِ فِي حَقِّ النَّزِيلِ وَالْجَمْعُ الْأَنْزَالُ. وَحَظٌّ نَزِيلٌ: مُجْتَمِعٌ. وَالنُّزُلُ [[النزل. بضم فسكون وبالتحريك.]]: أَيْضًا الرِّيعُ، يُقَالُ، طَعَامٌ النُّزُلِ وَالنُّزْلِ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- قُلْتُ: وَلَعَلَّ النُّزُلَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قِصَّةِ [[من ج وهـ وى ود. وفي ب وا: من حديث.]] الْحَبْرِ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسموات؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ) قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ) قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ (زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ) قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ فَقَالَ: (يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا) قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: (مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) وذكر الحديث. قال أهل اللُّغَةِ: وَالتُّحْفَةُ مَا يُتْحَفُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْفَوَاكِهِ. وَالطُّرَفُ مَحَاسِنُهُ وَمَلَاطِفُهُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي النُّزُلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزِيَادَةُ الْكَبِدِ: قِطْعَةٌ مِنْهُ كَالْأُصْبُعِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: "نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" أَيْ ثَوَابًا. وَقِيلَ رِزْقًا.
(وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) أَيْ مِمَّا يَتَقَلَّبُ بِهِ الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: (قُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمُ النَّجَاشِيِّ)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى عِلْجٍ مِنْ عُلُوجِ الْحَبَشَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ". قَالَ الضَّحَّاكُ: (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) الْقُرْآنُ.
(وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ. وفي التنزيل: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، [القصص: ٥٤] [[راجع ج ١٣ ص ٢٩٧.]]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ- فَذَكَرَ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٨١.]] الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا عَامٌّ وَالنَّجَاشِيُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ، وهو بالعربية عطية. و (خاشِعِينَ) أَذِلَّةً، وَنُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُضْمَرِ الَّذِي فِي "يُؤْمِنَّ". وَقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ فِي "إِلَيْهِمْ" أَوْ فِي "إِلَيْكُمْ". وَمَا فِي الْآيَةِ بَيِّنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ الآية. خَتَمَ تَعَالَى السُّورَةَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ مِنَ الْوُصَاةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُّهُورَ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَعَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالصَّبْرُ الْحَبْسُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" بَيَانُهُ [[راجع ج ٢ ص ١٧٤.]]. وَأَمَرَ بِالْمُصَابَرَةِ فَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُصَابَرَةُ الْأَعْدَاءِ، قَالَهُ زَيْدُ بن أسلم.
وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَقِيلَ: إِدَامَةُ مُخَالَفَةِ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَهِيَ تَدْعُو وَهُوَ يَنْزِعُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْقُرَظِيُّ: صَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وُعِدْتُمْ أَيْ لَا تَيْأَسُوا وَانْتَظِرُوا الْفَرَجَ، قَالَ ﷺ: (انْتِظَارُ الْفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ). وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
فَلَمْ أَرَ حَيًّا صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا ... وَلَا كافحوا مثل الذين نكافح
قوله "صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا" أَيْ صَابَرُوا الْعَدُوَّ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ يَبْدُ مِنْهُمْ جُبْنٌ وَلَا خَوَرٌ. وَالْمُكَافَحَةُ: الْمُوَاجَهَةُ وَالْمُقَابَلَةُ فِي الْحَرْبِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ (وَرابِطُوا) فَقَالَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ: رابطوا أعدائكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداءكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] [[راجع ج ٨ ص ٣٦.]] وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كتب أبو عبيدة ابن الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جموعا الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلِ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ. وَاحْتَجَّ أَبُو سَلَمَةَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) ثَلَاثًا، رَوَاهُ مَالِكٌ. قَالَ ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط [هُوَ] [[من ب وج وهـ وط.]] الْمُلَازَمَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَصْلُهَا مِنْ رَبْطِ الْخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلَازِمٍ لِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ [[في ب: المسلمين.]] مُرَابِطًا، فَارِسًا كَانَ أَوْ رَاجِلًا. وَاللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّبْطِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ) إِنَّمَا هُوَ تَشْبِيهٌ بِالرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالرِّبَاطُ اللُّغَوِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهَذَا [[في ب: هكذا.]] كَقَوْلِهِ: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) [[الصرعة بضم ففتح المبالغ في الصراع الذي لا يغلب.]] وَقَوْلِهِ (لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ) إِلَى غير ذلك.
قُلْتُ: قَوْلُهُ "وَالرِّبَاطُ اللُّغَوِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ" لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ أَحَدُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَثِقَاتُهَا قَدْ قَالَ: الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ، وَمُوَاظَبَةُ الصَّلَاةِ أَيْضًا، فَقَدْ حَصَلَ أَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ لُغَوِيٌّ حَقِيقَةً، كَمَا قَالَ ﷺ. وَأَكْثَرُ مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّيْبَانِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ: مَاءٌ مُتَرَابِطٌ أَيْ دَائِمٌ لَا يُنْزَحُ [[في الأصول: لا يبرح. والتصويب من اللسان.]]، حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الرِّبَاطِ لُغَةً إِلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْعَقْدُ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى لَا يَنْحَلَّ، فَيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ صَبَرَ عَنْهُ، فَيَحْبِسُ الْقَلْبَ عَلَى النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ وَالْجِسْمَ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ. وَمِنْ أَعْظَمِهَا وَأَهَمِّهَا ارْتِبَاطُ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] عَلَى مَا يَأْتِي. وَارْتِبَاطُ النَّفْسِ عَلَى الصَّلَوَاتِ كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَعَلِيٌّ وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- الْمُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يَشْخَصُ إِلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرَابِطَ فِيهِ مُدَّةً مَا، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ [وَرَوَاهُ] [[كذا في ز وب وج ود وهـ وى وط وابن عطية وفى اوح وداود.]]. وَأَمَّا سُكَّانُ الثُّغُورِ دَائِمًا بِأَهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ وَيَكْتَسِبُونَ هُنَالِكَ، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين. قال ابن عطية. وقال ابن خويز منداد: وَلِلرِّبَاطِ حَالَتَانِ: حَالَةٌ يَكُونُ الثَّغْرُ مَأْمُونًا مَنِيعًا يَجُوزُ سُكْنَاهُ بِالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ جَازَ أَنْ يُرَابِطَ فِيهِ بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَلَا يَنْقُلُ إِلَيْهِ الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ لِئَلَّا يَظْهَرَ الْعَدُوُّ فَيَسْبِيَ وَيَسْتَرِقَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ- جَاءَ فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:) رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ ([[الفتان: الشيطان. ويروى بفتح الفاء وضمها. فمن رواه بالفتح فهو واحد، لأنه يفتن الناس عن الدين. ومن رواه بالضم فهو جمع فاتن، أي يعاون أحدهما الأخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم.]]. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ في سننه عن فضالة ابن عُبَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ (. وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّبَاطَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَبْقَى ثَوَابُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ [[هذه رواية مسلم كما في كتاب الوصية. وكذا في ز وط وى وج وهـ. وفى رواية: (ابن آدم) والحديث رواه الترمذي وأبو داود وأبو داود والنسائي بلفظ: إلا من ثلاث صدقة الحديث، والبخاري في الأدب المفرد]] انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ وَالْعِلْمَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ وَالْوَلَدَ الصَّالِحَ الذي يَدْعُو لِأَبَوَيْهِ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ بِنَفَادِ الصَّدَقَاتِ وَذَهَابِ الْعِلْمِ وَمَوْتِ الْوَلَدِ. وَالرِّبَاطُ يُضَاعَفُ أَجْرُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنَّمَاءِ إِلَّا الْمُضَاعَفَةُ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلَى سَبَبٍ فَتَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهِ، بَلْ هِيَ فَضْلٌ دَائِمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا لِأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّهَا لَا يُتَمَكَّنُ مِنْهَا إِلَّا بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَدُوِّ وَالتَّحَرُّزِ مِنْهُ بِحِرَاسَةِ بَيْضَةِ الدِّينِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا الْعَمَلُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ ثَوَابُهُ هُوَ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ أَجْرُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ (. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَيْدٌ ثَانٍ وَهُوَ الْمَوْتُ حَالَةَ الرِّبَاطِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا). وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: (لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وأعظم أجرا- أَرَاهُ قَالَ: مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا لم تكتب عليه سينه أَلْفَ سَنَةٍ وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ وَيُجْرَى لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [[رواية ابن ماجة.]]
. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ رِبَاطَ يَوْمٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يُحَصِّلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ الدَّائِمِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ مُرَابِطًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ رَجُلٍ وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ أَلْفَ سَنَةٍ السَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةِ يَوْمٍ [وَسِتُّونَ [[في ج.]] يَوْمًا] وَالْيَوْمُ كَأَلْفِ سَنَةٍ). قُلْتُ: وَجَاءَ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ رِبَاطٌ، فَقَدْ يَحْصُلُ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَوَاتِ ذَلِكَ الْفَضْلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ح [[جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد "ح" وهى حاء مهملة مفردة. والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها: "ح" ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث. وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا وهى كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري.
(راجع مقدمة النوري على صحيح مسلم).]] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ الْمَغْرِبَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَثُوبَ [[في ج: يتوجه.]] النَّاسُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَجَاءَ وَقَدْ حَضَرَهُ النَّاسُ رَافِعًا أُصْبُعَهُ وَقَدْ عَقَدَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ إِلَى السَّمَاءِ فَحَسَرَ ثَوْبَهُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: (أَبْشِرُوا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ يَا مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى (. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عبد الله: أن نوفا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو اجْتَمَعَا فَحَدَّثَ نَوْفٌ عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي لم تؤمروا بِالْجِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَقْوَى.
(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لِتَكُونُوا عَلَى رَجَاءٍ مِنَ الْفَلَاحِ. وَقِيلَ: لَعَلَّ بِمَعْنَى لِكَيْ. وَالْفَلَاحُ الْبَقَاءُ، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ١ ص ١٦٢، ١٨٢، ٢٢٧.]]، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
نُجِزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ (جَامِعِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ) بحمد الله وعونه.
صححه أبو إسحاق إبراهيم الطفيش
تَمَّ الْجُزْءُ الرَّابِعُ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ يَتْلُوهُ إن شاء تعالى الجزء الخامس، وأقوله:" سورة النساء بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الرابع من كتاب (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي الجزء الخامس
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيهم ما وعدهم، وقد علموا أن الله منجز وعده، وغيرُ جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قيل: اختلف في ذلك أهل البحث. [["أهل البحث"، أهل النظر من المتكلمين، وانظر ما سلف ٥: ٣٨٧، تعليق ٢، وأيضا: ٤٠٦، تعليق: ١.]]
فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج المسألة، ومعناه الخبر. قالوا: وإنما تأويل الكلام:"ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار" لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا:"إن توفيتنا مع الأبرار، فأنجز لنا ما وعدتنا"، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء، [[في المخطوطة: "بعطية"، وعلى الياء شدة، وكأن الصواب ما في المطبوعة على الأرجح.]] ولكنه تفضل بابتدائه، ثم ينجزه. [[في المطبوعة: "تفضل بإيتائه"، والصواب ما في المخطوطة، يعني أن الله ابتدأه متفضلا به من غير سؤال ولا دعاء.]]
* *
وقال آخرون: بل ذلك قول من قائليه على معنى المسألة والدعاء لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، [[في المطبوعة: "بل ذلك قول من قائله" على الإفراد، وصواب السياق الجمع، كما في المخطوطة.]] لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يُخلف وعده. قالوا: ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسهم، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه. قالوا. وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين.
* *
وقال آخرون: بل قالوا هذا القول على وجه المسألة، والرغبة منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، فيعجل ذلك لهم. قالوا: ومحال أن يكون القوم= مع وصف الله إياهم بما وصفهم به، كانوا على غير يقين من أن الله لا يخلف الميعاد، فيرغبوا إلى الله جل ثناؤه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعدوا النصرَ، ولم يوقَّت لهم في تعجيل ذلك لهم، لما في تعجَله من سرور الظفر ورَاحة الجسد.
* *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله ﷺ الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل [لهم] خزيهم، ولنا الظفر عليهم. [[في المطبوعة: "فعجل حربهم"، وفي المخطوطة، غير منقوطة، إلا نقطة على الخاء، وصواب قراءتها ما أثبت. وزدت"لهم" بين القوسين، استظهارًا من قوله"ولنا الظفر عليهم". ولو كان قوله"ولنا" تصحيف"وآتنا"، لكان جيدًا أيضًا، ولما احتاج الكلام إلى زيادة"لهم".]]
يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) الآيات بعدها. وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيت قولهم في شيء. وذلك أنه غير موجود في كلام العرب أن يقال:"افعل بنا يا رب كذا وكذا"، بمعنى:"لتفعل بنا كذا وكذا". [[في المطبوعة: "بمعنى أفعل بنا لكذا الذي. ولو جاز ذلك ... "، وهذا خلط ليس له معنى مفهوم. وفي المخطوطة: "بمعنى: افعل بنا كذى الذي. ولو جاز ذلك"، وهذا خلط أشد فسادًا من الأول. والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته، لأن هذا رد من أبي جعفر على أصحاب القول الأول الذين قالوا إنها بمعنى: "لتؤتينا ما وعدتنا" في تفسير"وآتنا ما وعدتنا"، ولأنه مثل بعد بقوله: "أقبل إلي وكلمني"، أنه غير موجود بمعنى"أقبل إلي لتكلمني".]] ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل لآخر [[في المخطوطة والمطبوعة: "أن يقول القائل الآخر" وهو خطأ لا شك فيه.]] : "أقبل إليّ وكلمني"، بمعنى:"أقبل إليّ لتكلمني"، وذلك غير موجود في الكلام ولا معروف جوازه.
وكذلك أيضًا غير معروف في الكلام:"آتنا ما وعدتنا"، بمعنى:"اجعلنا ممن آتيته ذلك". وإن كان كل من أعطى شيئًا سنيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مثله في المعنى الذي أعطيه. ولكن ليس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إليه. [[وهذا رد على أصحاب القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها قبل. وهم الذين قالوا إن قوله: "وآتنا ما وعدتنا"، على معنى المسألة والدعاء لله بإن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك [[في المخطوطة: "بأيدينا على من كفر بك"، وأرجح ما جاء في المطبوعة.]] = وعجَل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك- ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا. وقد:-
٨٣٦٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك"، قال: يستنجز موعود الله على رُسله.
ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل ، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .أي نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا ، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة ، ما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك ، وطاعتنا لهم ، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } أى ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } . أى أنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك الصالحين .فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة ، ختاما لدعواتهم ، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه .والمراد بقولهم { مَا وَعَدتَّنَا } الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه - و " ما " موصولة أى آتنا الذى وعدتنا به أو وعدتنا إياه .وقوله { على رُسُلِكَ } فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب . أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟ .قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، " يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل لربهم ، والتضرع إليه ، والملجأ الذى هو سيما العبودية " .تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول السليمة ، وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها؟