سورة آل عمران — الآية ٢٥
فكيف يكون حالهم وندمهم؟! سيكون غاية في السوء إذا جمعناهم للحساب في يوم لا شك فيه وهو يوم القيامة، وأعطيت كل نفس جزاء ما عملت على قدر ما تستحق، من غير ظلم بنقص حسناتها، أو زيادة سيئاتها.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ وَالْغُرُورُ هُوَ الْإِطْمَاعُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وَالِافْتِرَاءُ اختلاق الكذب.
٥٥/ب قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ أَيْ فَكَيْفَ حَالُهُمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ] [[ساقط من "ب".]] ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ [وُفِّرَتْ] ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أَيْ لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَلِّي والإعْراضِ. ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ بِسَبَبِ تَسْهِيلِهِمْ أمْرَ العِقابِ عَلى أنْفُسِهِمْ لِهَذا الِاعْتِقادِ الزّائِغِ والطَّمَعِ الفارِغِ. ﴿وَغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا قَلائِلَ، أوْ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أوْ أنَّهُ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يُعَذِّبَ أوْلادَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.
﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتِعْظامٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ.
رُوِيَ: «أنَّ أوَّلَ رايَةٍ تُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.» ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِبادَةَ لا تُحْبَطُ وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُدُ في النّارِ، لِأنَّ تَوْفِيَةَ إيمانِهِ وعَمَلِهِ لا تَكُونُ في النّارِ ولا قَبْلَ دُخُولِها، فَإذَنْ هي بَعْدَ الخَلاصِ مِنها ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِكُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى - وَالله أعلم - فَكيف يكون حَالهم فِي ذَلِكَ الْيَوْم؛ وَهَذَا من الِاخْتِصَار. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كسبت﴾ أما الْمُؤْمن فيوفى حَسَنَاته فِي الْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فيجازى بِهَا فِي الدُّنيا، ولَهُ فِي الْآخِرَة عَذَاب النَّار.
﴿فكيف إذا جمعناهم﴾: الفاء الداخلة على كيف استئنافية، والجملة بعدها مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وكيف: اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم، والمبتدأ محذوف تقديره: حالهم، وإذا: ظرف خال من معنى الشرط متعلق بالمبتدأ المقدر، وتقدير الكلام: فكيف حالهم في وقت جمعنا لهم. وجمعناهم: فعل ماض وفاعل ومفعول به، وجملة ﴿جمعناهم﴾ في محل جر بإضافة الظرف إليها.
﴿ليوم لا ريب فيه﴾: الجار والمجرور متعلقان بجمعناهم، ولا نافية للجنس، وريب اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وفيه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة ﴿لا ريب فيه﴾ في محل جر صفة ليوم.
﴿ووفيت كل نفس ما كسبت﴾: الواو عاطفة، ووفيت فعل ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، وكل نفس نائب فاعل، وما اسم موصول مفعول به، وجملة كسبت صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿وهم لا يظلمون﴾: الواو حالية، وهم مبتدأ، ولا نافية، ويظلمون فعل مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله، والواو نائب فاعل، وجملة ﴿لا يظلمون﴾ في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية المقترنة بالواو في محل نصب على الحال.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم (لِيَوْمٍ) أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، أوْ لِحِسابِ يَوْمٍ. وقِيلَ "اللّامُ" بِمَعْنى: "فِي" .
شرح الكلمات:
أوتوا نصيباً من الكتاب: اعطوا حظا وقِسْطا من التوراة.
يدعون: يُطْلب إليهم أن يتحاكموا فيما اختلفوا فيه من الحق إلى كتابهم الذي يؤمنون به وهو التوراة فيأبون ويعرضون.
يتولى: يرجع وهو مصمم على عدم العودة إلى الحق.
أياما معدودات: هذا قول اليهود ويعنون بالأيام الأربعين يوماً تلك التي عبدوا فيها العجل بعد غياب موسى عليه السلام عنه.
يفترون: يكذبون.
ليوم لا ريب فيه: هو يوم القيامة.
ما كسبت: ما عملت من خير أو شر.
لا يظلمون: بأن يعذبوا بدون المقتضي لعذابهم من الشرك والكفر والمعاصي.
معنى الآيات:
ما زال السياق في فضح أهل الكتاب بذكر ذنوبهم وجرائمهم فيقول تعالى لرسوله حاملاً له على التعجب من حال اليهود ألم تر يا رسولنا إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب أي ألم ينته إلى علمك أمرهم حيث يدعون إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى فيما أنكروه واختلفوا فيه من صفاتك وشأن نبُوَّتك ورسالتك، ثم يتولى عدد منهم وهم مصممون على عدم العودة وطلب الحق والإقرار به. إنها حال تدعو إلى التعجب حقاً، وصارفهم عن قبول الحق. ومراجعته هو إعتقادهم الفاسد بأن النار لا تمسهم إذا ألقوا فيها إلا مدة أربعين يوما وهي المدة التي عبد فيها أسلافهم العجل يوم غاب موسى عنهم لمناجاته ربه تعالى في جبل الطور. وهذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة بل يُخلدون في النار لا بعبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً بل بكفرهم وظلمهم وجحودهم وعنادهم. ويبين تعالى الحقيقة لرسوله والمؤمنين وهي أن هذه الدعوى اليهودية ما هي إلا فرية افتراها علماؤهم ليهونّوا عليهم ارتكاب الجرائم وغشيان عظائم الذنوب، كما حصل للمسلمين في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث أصبح مشايخ التصوف يُدَجِّلون على المريدين بأنهم سيستغفرون لهم ويغفر لهم. ثم قال تعالى مستعظماً حالهم مهوِّلاً موقفهم: فكيف أي حالهم. إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القيامة كيف تكون حالهم أنها حال يعجز الوصف عنها، ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ﴾ من خير أو شر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم إن كانت لهم حسنات، ولا بالزيادة في سيئآتهم وما لهم إلا السَّيئات.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- من الإعراض عن الدين والكفر به رفض التحاكم إليه قال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُواْ فِيۤ أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [ النساء: ٦٥].
٢- أفسد شيء للأديان بعقائدها وشرائعها وعباداتها الافتراء فيها والإبتداع عليها والقول فيها بغير علم.
٣- مضرّة الإغترار بما يقوله بعض المفسرين والمحشين على الكتب الدينية من الحكايات والأباطيل بحجة الترغيب أو الترهيب فيغتر بها الناس فيضلوا ويهلكوا.
٤- فضيلة ذكر أهوال يوم القيامة وما يلاقي فيها أهل الظلم والشر والفساد وفي القرآن ﴿إنَّآ أخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرى ٱلدّارِ﴾ [ص: ٤٦].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: ”عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ“ . قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم“ . فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران»: ٢٤] .
(p-٤٩٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ الآيَةَ. قالَ: هُمُ اليَهُودُ، دُعُوا إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وإلى نَبِيِّهِ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وهم مُعْرِضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وفي الحُدُودِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا﴾ . قالَ: حَظًّا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ . قالَ: التَّوْراةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ . قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾: حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . قالَ: غَرَّهم قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا (p-٤٩٦)مَعْدُوداتٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووُفِّيَتْ﴾ . يَعْنِي: تُوَفّى، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ، ﴿ما كَسَبَتْ﴾: ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: مِن أعْمالِهِمْ.
﴿فَكَيۡفَ﴾: أي: فكيف يكونُ حالهُم؟
﴿وَوُفِّيَتۡ﴾: وجُوزِيَتْ.
﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾: ما عَمِلَتْ من خيرٍ أو شَرٍّ.
﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿لا (p-٢٤٦)رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ فِيهِ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ جَزاءَ ما كَسَبَتْ ﴿وَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ في مَعْنى كُلِّ الناسِ.
﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِزِيادَةٍ في سَيِّئاتِهِمْ، ونُقْصانٍ فى حَسَناتِهِمْ.
خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ عَلَى جِهَةِ التَّوْقِيفِ وَالتَّعَجُّبِ، أَيْ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا حُشِرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاضْمَحَلَّتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الزَّخَارِفُ الَّتِي ادَّعَوْهَا فِي الدُّنْيَا، وَجُوزُوا بِمَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ كُفْرِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ [[في د: اجترمهم.]] وَقَبِيحِ أَعْمَالِهِمْ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ "لِيَوْمٍ" بِمَعْنَى "فِي"، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: الْمَعْنَى لِحِسَابِ يَوْمٍ، الطَّبَرِيُّ: لِمَا يَحْدُثُ فِي يوم.
القول في تأويل قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فكيف إذا جمعناهم"، فأيُّ حال يكون حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله، واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديد، وتهديدٌ غليظٌ.
وإنما يعني بقوله:"فكيف إذا جمعناهم" الآية: فما أعظم ما يلقوْن من عقوبة الله وتنكيله بهم، إذا جمعهم ليوم يُوفَّى كلّ عامل جزاءَ عمله على قدر استحقاقه، غير مظلوم فيه، لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم، ولا يؤاخذُ إلا بما عمل، يُجزَي المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يخاف أحدٌ من خلقه منه يومئذ ظلمًا ولا هضمًا. [[انظر ألفاظ هذه الآية مفسرة فيما سلف، واطلبها في فهارس اللغة من الأجزاء الماضية.]]
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل:"فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه"، ولم يقل: في يوم لا رَيب فيه؟
قيل: لمخالفة معنى"اللام" في هذا الموضع معنى "في". وذلك أنه لو كان مكان"اللام""في"، لكان معنى الكلام: فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول"اللام"، ولكن معناه مع"اللام": فكيف إذا جمعناهم لما يحدُث في يوم لا ريب فيه، ولما يكون في ذلك اليوم من فَصْل الله القضاءَ بين خلقه، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب؟ فمع"اللام" في"ليوم لا ريب فيه" نيَّة فِعْل، وخبرٌ مطلوب قد ترك ذكره، أجزأت دلالةُ دخول"اللام" في"اليوم" عليه، منه. [[في المطبوعة والمخطوطة: "قد ترك ذكره أخيرًا بدلالة دخول اللام في اليوم عليه منه"، وهو كلام خلو من المعنى، والظاهر أن الناسخ رأى تاء"أجزأت" متصلة بدال"دلالة"، فجعلها، "بدلالة" وجعل"أجزأ""أخيرًا" فذهب الكلام هدرًا ولغوًا. وسياق العبارة كما أثبتناها: "أجزأت منه دلالة دخول اللام في اليوم" فأخر"منه" على عادته في تأخير مثل ذلك في كل كلامه.]] وليس ذلك مع"في"، فلذلك اختيرت"اللام" فأدخلت في"اليوم"، دون"في". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٠٢، ٢٠٣، وعبارته هناك."تقول في الكلام: جمعوا ليوم الخميس، وكأن اللام لفعل مضمر في"الخميس"، كأنهم جمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: جمعوا في يوم الخميس = لم تضمر فعلا. وقوله: جمعناهم ليوم لا ريب فيه = أي للحساب والجزاء".]]
* *
وأما تأويل قوله:"لا ريب فيه"، فإنه: لا شك في مجيئه. وقد دللنا على أنه كذلك بالأدلة الكافية، مع ذكر من قال ذلك في تأويله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٢٢٨، ٣٧٨ / ثم ٦: ٢٢١.]]
* *
وعنى بقوله:"ووُفِّيت"، ووَفَّى الله ="كلُّ نفس ما كسبت"، يعني: ما عملت من خير وشر [[انظر تفسير"كسب" فيما سلف ٢: ٢٧٣، ٢٧٤ / ٣: ١٠١، ١٢٨ / ٤: ٤٤٩ / ٦: ١٣١.]] ="وهم لا يظلمون"، يعني أنه لا يبخس المحسن جزاءَ إحسانه، ولا يعاقب مسيئًا بغير جرمه.
ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب مؤثر فقال : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة .وكيف في موضع نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف أى فكيف تكون حالهم ، أو كيف يصنعون . ويجوز أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف أى : فكيف حالهم .قال الفخر الرازى : أما قوله { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فالمعنى أنه لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجىءى يوم يزول فيه ذلك الجهل ، وينكشف فيه ذلك الغرور فقال : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } وفي الكلام حذف والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ، ويحذف الحال كثيراً مع كيف ، لدلالتها عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرنى ، فكيف لو زارنى ، أى كيف حاله إذا زارنى . وأعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : " لو زارني ، وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية " .والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب فى مجيئه وحصوله ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي أدعوها في الدنيا { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً ، بل يجازى كل إنسان على حسب عمله ، لا شك أنهم فى هذا اليوم الهائل الشديد سيفاجأون بذهاب غرورهم ، وبفساد تصورهم ، وأنهم سيقعون في العذاب الأليم الذى لا حيلة لهم في دفعه ، ولا مخلص فهم من ذوقه{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قال الزمخشري : " روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود ، فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد ، ثم يأمر بهم إلى النار " . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق توبيخاً شديداً ، وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم ، وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم ، وصورت حالهم يوم القيامة تصويراً مؤثراً هائلا تهتز له القلوب ، وترتجف منه الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح حتى يفوزوا برضا الله .من توجيهات القرآن الكريم : بعد أن تحدثت سورة آل عمران ، عن المعرضين عن الحق . أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه بالضراعة . فقال تعالى : { قُلِ اللهم . . . } .