سورة آل عمران — الآية ٣٢
قل - أيها الرسول -: أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فإن أعرضوا عن ذلك فإن الله لا يحب الكافرين المخالفين لأمره وأمر رسوله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [[أسباب النزول للواحدي: ص (١٣٥) .]] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ وَجَعَلُوا فِي آذَانِهَا (الشُّنُوفَ) [[القرط.]] وَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ" [[انظر: البحر المحيط: ٢ / ٤٣١ وفي رواية الضحاك عن ابن عباس مجاهيل وأسباب النزول ص (١٣٥) .]] فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ إِنَّمَا نَعْبُدُهَا حُبًّا لِلَّهِ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وَتَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِيُقَرِّبُوكُمْ إِلَيْهِ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فَأَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وَحُجَّتُهُ عَلَيْكُمْ، أَيِ اتَّبِعُوا شَرِيعَتِي وَسُنَّتِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَحُبُّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ اتِّبَاعُهُمْ أَمْرَهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، وَحُبُّ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ وَثَوَابُهُ لَهُمْ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وَقِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَعْرَضُوا عَنْ طَاعَتِهِمَا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لايُحِبّ الْكَافِرِينَ﴾ لَا يَرْضَى فِعْلَهُمْ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، أَنَا فُلَيْحٌ، أَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى" قَالُوا وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمِنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى" [[أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ١٣ / ٢٤٩. والمصنف في شرح السنة: ١ / ١٩٢ - ١٩٣.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ، أَنَا يَزِيدُ نَا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ [وَأَثْنَى عَلَيْهِ] ، [[ساقط من ب.]] أَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا، فَقَالُوا: أَمَّا الدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ" [[أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ١٣ / ٢٤٩. والمصنف في شرح السنة: ١ / ١٩٢ - ١٩٣.]]
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ، بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقَرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًا مِن نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إرادَةَ طاعَتِهِ والرَّغْبَةَ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزَمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ يَرْضَ عَنْكم ويَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكم فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُقابَلَةِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ نَبِيِّهِ ﷺ.
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنَّما نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنَ العَمَلِ.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضِيَّ والمُضارَعَةَ بِمَعْنى فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ لا يُحِبُّهم لِقَصْدِ العُمُومِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ، وإنَّهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَنْفِي مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
﴿قل أطِيعُوا الله وَالرَّسُول﴾ أَي: أطِيعُوا اللَّه فِي الْفَرَائِض.
﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، وأطيعوا فعل أمر، والواو فاعل، وجملة أطيعوا في محل نصب مقول القول، ولفظ الجلالة مفعول به، والرسول معطوف على لفظ الجلالة منصوب.
﴿فإن تولوا﴾: الفاء استئنافية، وإن شرطية، وتولوا فعل مضارع وهو فعل الشرط، والجملة لا محل لها من الإعراب، أو فعل ماضٍ مستند لضمير الغيبة، والجملة في محل جزم فعل الشرط.
﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، وإن حرف ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وجملة لا يحب الكافرين خبرها، وجملة ﴿فإن الله﴾ في محل جزم جواب الشرط. وجملة ﴿فإن تولوا...﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ (p-٣٧٤)عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ: ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى بْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، ونَحْنُ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
شرح الكلمات:
تحبون الله: لكمال ذاته وإنعامه عليكم.
يحببكم الله: لطاعتكم إيّاه وطهارة أرواحكم بتقواه.
يغفر لكم ذنوبكم: يسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها.
فإن تولوا: أعرضوا عن الإيمان والطاعة.
معنى الآيتين:
لما ادعى وفد نصارى نجران أن تعظيمهم المسيح وتقديسهم له ولأمه إنما هو من باب طلب حب الله تعالى بحب ما يحب وتعظيم ما يعظم أمر الله تعالى رسوله محمداً ﷺ في هذه الآية أن يقول لهم: إن كنتم تحبون الله تعالى ليحبكم فاتبعوني على ما جئت به من التوحيد والعبادة يحببكم الله تعالى، ويغفر لكم ذنوبكم أيضاً وهو الغفور الرحيم. وبهذا أبطل دعواهم في أنهم ما ألّهوا المسيح عليه السلام الا طلباً لحب الله تعالى والحصول عليه. وأرشدهم إلى أمثل طريق للحصول على حب الله تعالى وهو متابعة الرسول على ما جاء به من الإيمان والتوحيد والعبادة المزكية للروح المورثة لحب الله تعالى وهذا ما تضمنته الآية الأولى [٣١]. وأما الآية الثانية [٣٢] فقد أمر تعالى رسوله أن يأمر وفد نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب والمشركين بطاعته وطاعة رسوله إذ هما طريق الكمال والإسعاد في الدنيا والآخرة. فإن أبوا وأعرضوا أو تولوا فقد باءوا بغضب الله وسخطه عليهم لأنهم كافرون والله لا يحب الكافرين هذا معنى قوله تعالى ﴿قُلْ أطِيعُواْ ٱللَّهَ وٱلرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فَإنَّ ٱللَّهَ لا يُحِبُّ ٱلْكافِرِينَ﴾.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- محبة العبد للرب تعالى واجب وإيمان لقول الرسول ﷺ: «أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من النعم وأحبوني بحب الله تعالى» وقوله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». ٢- محبة الله تعالى للعبد هي غاية ما يسعى إليه أولوا العلم في الحياة.
٣- طريق الحصول على محبّة الله تعالى للعبد هو اتباع النبي محمد ﷺ بالإيمان بما جاء به واتباع شرعه وطاعته في المَنشَط والمكره، للآية ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ إذ ليس الشأن أن يُحبَّ العبد، وإنما الشأن أن يُحبّ!
٤- دعوى محبة الله ورسوله مع مخالفة أمرهما ونهيهما دعوى باطلة وصاحبها خاسر لا محالة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ الأسْوَدِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ قَوْمٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُحِبُّ رَبَّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ .
فَجَعَلَ اتِّباعَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَمًا لِحُبِّهِ وعَذابِ مَن خالَفَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ النّاجِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ الآيَةَ» .
(p-٥٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبّادِ بْنِ مَنصُورٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ أقْوامًا كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. فَكانَ اتِّباعُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِمْ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالُوا إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا فامْتُحِنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ أقْوامٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ، يَقُولُونَ: إنّا نُحِبُّ رَبَّنا. فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا ﷺ وجَعَلَ اتِّباعَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَمًا لِحُبِّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“ . ثَمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ”إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ . أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ، ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ . أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكُمْ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥١٠)وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في“ التَّرْغِيبِ ”عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ لَنْ يَسْتَكْمِلَ مُؤْمِنٌ إيمانَهُ حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُكم بِهِ ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ:“ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عائِشَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ . قالَتْ: عَلى التَّواضُعِ والتَّقْوى والبِرِّ وذِلَّةِ النَّفْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الحِلْيَةِ ”، والحاكِمُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ، ويُبْغِضُ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران»: ٣١] .
(p-٥١١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ حَوْشَبٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . قالَ: فَكانَ عَلامَةُ حُبِّهِ إيّاهُمُ اتِّباعَ سُنَّةِ رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ”المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ“ . فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . يَقُولُ: يُقَرِّبُكم. والحُبُّ هو القُرْبُ، واللَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ لا يُقَرِّبُ الكافِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾: فَإنَّهم يَعْرِفُونَهُ، يَعْنِي الوَفْدَ مِن نَصارى نَجْرانَ، ويَجِدُونَهُ في كِتابِكِمْ، ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي رافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأمْرُ مِن أمْرِي، مِمّا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لا نَدْرِي، ما وجَدْنا في كِتابِ اللَّهِ اتَّبَعْناهُ“» .
﴿تَوَلَّوۡاْ﴾: أعْرَضُوا.
﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ قِيلَ: هي عَلامَةُ المَحَبَّةِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الطاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا.
﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا يُحِبُّهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٢٥٨.]]. "فَإِنْ تَوَلَّوْا" شَرْطٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَاضٍ لَا يُعْرَبُ. وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ تَوَلَّوْا عَلَى كُفْرِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) أَيْ لَا يَرْضَى فِعْلَهُمْ وَلَا يغفر لهم كما تقدم.
وَقَالَ "فَإِنَّ اللَّهَ" وَلَمْ يَقُلْ "فَإِنَّهُ" لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا عَظَّمَتِ الشَّيْءَ أَعَادَتْ ذِكْرَهُ، وَأَنْشَدَ سيبويه:
لا أرى الموت يسبق الموت شي ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا [[البيت لسواده بن عدى. وقيل: لامية بن أبى الصلت.
(عن شرح الشواهد).]]
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولَّوا فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحبُّ من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، [[في المطبوعة: "من كفر بجحد ما عرف ... "، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأنهم منهم، [[قوله: "وأنهم منهم"، معطوف على قوله: "فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر ... "، "وأنهم منهم"، أي من هؤلاء الذين لا يحبهم الله، بجحودهم نبوتك.]] بجحودهم نبوّتك، وإنكارهم الحقّ الذي أنت عليه، بعد علمهم بصحة أمرك، وحقيقة نبوتك، كما:-
٦٨٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"قل أطيعوا الله والرسول"، فأنتم تعرفونه - يعني الوفد من نصارى نجران - وتجدونه في كتابكم="فإن تولوا" على كفرهم ="فإن الله لا يحبّ الكافرين". [[الأثر: ٦٨٥٠- سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٨٤٩.]]
ثم كرر - سبحانه - الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحض الناس على اتباع ما يسعدهم فقال له : { قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } .أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا رسوله في جميع الأوامر والنواهى ، وإن من يدعى أنه مطيع لله دون أن يتبع رسوله فإنه يكون كاذبا في دعواه ، ولذا لم يقل - سبحانه - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، للإشعار بأن الطاعة واحدة وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى ، كما قال سبحانه : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } ثم ذكر - سبحانه - عاقبة العصاة المعاندين فقال : { فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أى : فإن أعرضوا عما تأمرهم به يا محمد ولم يستجيبوا لك واستمروا على كفرهم ، فإنهم لا ينالون محبة الله ، لأنهم كافرون .ففى هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ينالها إلا من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه - سبحانه - نفى حبه عن الكافرين ، ومتى نفى حبه عنهم فقد أثبت بغضه ، و لأنه عبر عن تركهم اتباع رسوله بالتولى وهو أفحش أنواع الإعراض ، ومن أعرض عن طاعة رسول الله كان بعيداً عن محبة الله .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من التوجيهات السامية ، والآداب العالية ما من شأنه أن يغرس في النفوس إخلاص العبادة لله ، والخشية من عقابه ، والأمل في ثوابه ، والإكثار من العلم الصالح الذى يؤدى إلى رضا الله ومحبته .وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع - من أول السورة إلى هنا - عن وحدانية الله ، وقدرته النافذة وعلمه المحيط ، وعن أحقيته للعبادة والخضوع ، وعن الكتب السماوية وما اشتملت عليه من هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه ، وعن رعاية الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، وعن تهديد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم ، وعن الشهوات الذى ارتضاه الله لعباده ، وعن بعض الرذائل التى عرفت عن أكثر أهل الكتاب ، وعن حث الناس على مراقبة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا في دينهم ودنياهم وآخرتهم . . . بعد كل ذلك تحدث القرآن - في أكثر من ثلاثين آية - عمن اصطفاهم الله من عباده ، وعن جانب من قصة مريم ، وقصة زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - وعن قصة ولادة عيسى - عليه السلام - وما صاحبها من خرق للعادات ، وما منحه - سبحانه - من معجزات وعن محاجة الكافرين من أهل الكتاب في شأنه وكيف رد القرآن عليهم . . . استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : { إِنَّ الله . . . } .