سورة آل عمران — الآية ٣٤
هؤلاء المذكورون من الأنبياء وذرياتهم المُتّبِعون لطريقتهم هم ذرية بعضها متسلسل من بعض في توحيد الله وعمل الصالحات، يتوارثون من بعضهم المكارم والفضائل، والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم؛ ولهذا يختار من يشاء منهم، ويصطفي منهم من يشاء.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ﴿اصْطَفَى﴾ اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿آدَمَ﴾ أَبُو الْبَشَرِ ﴿وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ قِيلَ: أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِمْرَانَ أَنْفُسَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَرُونَ ﴾ (٢٤٨ -الْبَقَرَةِ) يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: آلَ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا آلَ عِمْرَانَ فَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ فَاهَتْ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَالِدُ﴾ [[في ب وآل.]] مُوسَى وَهَارُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَوَهْبٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ بْنِ أَمُونَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [وَالِدُ] مَرْيَمَ وَعِيسَى. وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ مِنْ نَسْلِهِمْ ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً﴾ اشْتِقَاقُهَا مِنْ ذَرَأَ بِمَعْنَى خَلَقَ، وَقِيلَ: مِنَ الذَّرِّ لِأَنَّهُ اسْتِخْرَاجُهُمْ مِنْ صلب آدم ٥٦/ب كَالذَّرِّ، وَيُسَمَّى الْأَوْلَادُ وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، فَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَهُمْ، وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَ الْأَبْنَاءَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ (٤١ -يس) أَيْ آبَاءَهُمْ
﴿ذُرِّيَّةً﴾ نُصِبَ عَلَى مَعْنَى وَاصْطَفَى ذُرِّيَّةً ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ، [وَقِيلَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ] [[ساقط من "أ".]] وَقِيلَ: بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بَعْضٍ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ بِالرِّسالَةِ والخَصائِصِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ، ولِذَلِكَ قَوُوا عَلى ما لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ غَيْرُهم. لِما أوْجَبَ طاعَةَ الرَّسُولِ وبَيَّنَ أنَّها الجالِبَةُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَناقِبِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَيْها، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، وآلُ إبْراهِيمَ، إسْماعِيلُ وإسْحاقُ وأوْلادُهُما. وقَدْ دَخَلَ فِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ، وآلُ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ، أوْ عِيسى وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ بْنِ العازارِ بْنِ أبِي يُوذَ بْنِ يُوزَنَ بْنِ زُرْبابِلَ بْنِ سالِيانَ بْنِ يُوحَنّا بْنِ أُوشِيا بْنِ أمُونَ بْنِ مُنْشَكَنَ بْنِ حازِقا بْنِ أخازَ بْنِ يُوثامَ بْنِ عُوزَيا بْنِ يُورامَ بْنِ ساقِطَ بْنِ أيْشا بْنِ راجِعِيمَ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ بْنِ أيْشِي بْنِ عُوبَدَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ ياعِزَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَمَيادَ بْنِ رامَ بْنِ حَصْرُومَ بْنِ فارِصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الآلَيْنِ أوْ مِنهُما ومِن نُوحٍ أيْ إنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ. والذَّرِّيَّةُ الوَلَدُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعُ فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ أوْ فُعُولَةٌ مِنَ الذَّرْءِ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُها ياءً ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِأقْوالِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ فَيَصْطَفِي مَن كانَ مُسْتَقِيمَ القَوْلِ والعَمَلِ، أوْ سَمِيعٌ بِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ عَلِيمٌ بِنِيَّتِها.
﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص
﴿وجد عِنْدهَا رزقا﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ يجد عِنْدهَا فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف، وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء.
﴿ذرية بعضها من بعض﴾: ذرية بدل من آدم، ومن عطف عليه، أو من آل إبراهيم وآل عمران، أي: أن الآلين ذرية واحدة. أو منصوبة على الحال، والعامل فيه ﴿اصطفى﴾، وبعضها مبتدأ، ومن بعض جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة صفة لذرية.
﴿والله سميع عليم﴾: الواو استئنافية، ولفظ الجلالة مبتدأ، وسميع عليم خبران له.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُها عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: اصْطَفى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: بَعْضُها، لِأنَّ لَفْظَ الذَّرِّيَّةِ مُؤَنَّثٌ، ولَوْ قالَ: بَعْضُهم، ذَهَبَ إلى مَعْنى الذُّرِّيَّةِ. وفي مَعْنى هَذِهِ البَعْضِيَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ في التَّناصُرِ والدِّينِ، لا في التَّناسُلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُ في التَّسَلْسُلِ، لِأنَّ جَمِيعَهم ذُرِّيَّةُ آَدَمَ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ، ثُمَّ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أنَّ الأبْناءَ ذُرِّيَّةٌ لِلْآَباءِ، والآَباءُ ذُرِّيَّةٌ لِلْأبْناءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [ يس: ٤١ ]، فَجَعَلَ الآَباءَ ذُرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ، لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فَسُمِّيَ الوَلَدُ لِلْوالِدِ ذُرِّيَّةً، لِأنَّهُ ذَرِئَ مِنهُ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْأبِ: ذُرِّيَّةٌ لِلِابْنِ، لِأنَّ ابْنَهُ ذُرِئَ مِنهُ، فالفِعْلُ يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٦٥ ] فَأضافَ الحُبَّ إلى اللَّهِ، والمَعْنى: كَحَبِّ المُؤْمِنِ لِلَّهِ، ومِثْلُهُ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [ الدَّهْرِ: ٨ ]، فَأضافَ الحُبَّ لِلطَّعامِ.
شرح الكلمات:
اصطفى آدم: اختار، وآدم هو أبو البشر عليه السلام.
آل إبراهيم: آل الرجل أهله وأتباعه على دينه الحق.
عمران: رجل صالح من صلحاء بني إسرائيل في عهدهم الأخير هو زوج حنّة وأبو مريم عليهم السلام.
العالمين: هم الناس المعاصرون لهم.
إمرأة عمران: حَنّة.
نذرت لك ما في بطني: ألزمت نفسها أن تجعله لله يعبده ويخدم بيته الذي هو بيت المقدس.
محرّراً: خالصاً لا شركة فيه لأحد غير الله بحيث لا تنتفع به أبداً.
مريم: خادمة الرب تعالى.
أعيذها بك: أحصّنها وأحفظها بجنابك من الشيطان.
وكفلها زكريا: زكريا أبو يحيى عليهما السلام وكانت امرأته أختاً لحنّة.
المحراب: مقصورة ملاصقة للمسجد.
أنّى لك هذا؟: من أين لك هذا، أي من أين جاءك.
معنى الآيات:
لما ادعى نصارى وفد نجران ما ادعوه في المسيح عليه السلام من تأليهه وتأليه أمّّه أنزل الله تعالى هذه الآيات يبينّ فيها مبدأ أمر عيسى وأمه وحقيقة أمرهما فأخبر تعالى أنه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران اصطفاهم لدينه واختارهم لعبادته ففضلهم بذلك على الناس وأخبر أنهم ذريّة بعضهم من بعض لم تختلف عقائدهم، ولم تتباين فضائلهم وكمالاتهم الروحيّة وذلك لحفظ الله تعالى لهم وعنايته بهم. وأخبر تعالى أنه سميع عليم أي سميع لقول إمرأة عمران عليم بحالها لما قالت: ﴿.. رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً..﴾، وذلك أنها كانت لا تلد فرأت في حديقة منزلها طائراً يطعم أفراخه فحنّت إلى الولد وسألت ربها أن يرزقها ولداً وتجعله له يعبده ويخدم بيته فاستجاب الله تعالى لها فحملت ومات زوجها وهي حبلى وقالت ما قص الله تعالى عنها في قولها: ﴿إذْ قالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وحان وقت الولاد فولدت ولكن أنثى لا ذكراً فتحسرت لذلك، وقالت: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُهَآ أُنْثىٰ وٱللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وكيف لا يعلم وهو الخلاق العليم. وقالت: ﴿.. ولَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثىٰ..﴾ في باب الخدمة في بيت المقدس فلذا هي آسفة جداً، وأسمت مولودتها مريم أي خادمة الله، وسألت ربها أن يحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم واستجاب الله تعالى لها فحفظها وحفظ ولدها عيسى عليه السلام فلم يقربه شيطان قط. وتقبل الله تعالى ما نذرته له وهو مريم فأنبتها نباتاً حسناً فكانت تنموا نماء عجيباً على خلاف المواليد، وكفلها زكريا فتربت في بيت خالتها وذلك أن حنة لما وضعتها أرضعتها ولفّتها في قِماطها وبعثت بها إلى صلحاء بني إسرائيل يسندونها إلى من يرون تربيتها في بيته، لأن أمها نذرتها لله تعالى فلا يصح منها أن تبقيها في بيتها ووالدها مات أيضا، فأحب كل واحد أن يكفلها فكفلها زكريا وأصبحت في بيت خالتها بتدبير الله تعالى لها، ولما كبرت أدخلها المحراب لتتعبد فيه، وكان يأتيها بطعامها، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف فيعجب لذلك ويسألها قائلا: ﴿يٰمَرْيَمُ أنّىٰ لَكِ هَٰذا﴾؟ فتجيبه قائلة ﴿هُوَ مِن عِندِ ٱللَّهِ﴾ وتعلل لذلك فتقول: ﴿إنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان إفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء.
٢- بيان أن عيسى عليه السلام ليس بابن الله ولا هو الله، ولا ثالث ثلاثة بل هو عبد الله ورسوله أمه مريم، وجدته حنّة، وجدّه عمران من بيت شرف وصلاح في بني إسرائيل.
٣- استجابة الله تعالى لدعاء أوليائه كما استجاب لحنّة ورزقها الولد وأعاذ بنتها وولدها من الشيطان الرجيم.
٤- مشروعية النذر لله تعالى وهو التزام المؤمن الطاعة تقرباً إلى الله تعالى.
٥- بيان فضل الذَّكر على الأنثى في باب النهوض بالأعمال والواجبات.
٦- جواز التحسّر والتأسف لما يفوت العبد من الخير الذي كان يأمله.
٧- ثبوت كرامات الأولياء كما تم لمريم في محرابها.
٨- تقرير نبوة محمد ﷺ إذ مثل هذه القصص لا يتأتّى لأُميّ أن يقصه إلا أن يكون رسولاً يوحى إليه. ولهذا ختمه بقوله ﴿ذٰلِكَ مِن أنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيكَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
(p-٥١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ . قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذَكَرَ اللَّهُ أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنَ، ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلى العالَمِينَ بِالنُّبُوَّةِ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، كانُوا هُمُ الأنْبِياءَ الأتْقِياءَ المُصْطَفَيْنَ لِرَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ . قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ عَلِيًّا قالَ لِلْحَسَنِ: قُمْ فاخْطُبِ النّاسَ. قالَ: إنِّي أهابُكَ أنْ أخْطُبَ وأنا (p-٥١٣)أراكَ. فَتَغِيبُ عَنْهُ حَيْثُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ولا يَراهُ، فَقامَ الحَسَنُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، وتَكَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى﴾ . يَعْنِي: اخْتارَ مِنَ النّاسِ لِرِسالَتِهِ، ﴿آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ﴾ . يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ، ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ . يَعْنِي: اخْتارَهم لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَلى عالَمِي ذَلِكَ الزَّمانِ، فَهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ واسْمُها حَنَّةُ بِنْتُ فاقُودَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ وذَلِكَ أنَّ أُمَّ مَرْيَمَ حَنَّةَ كانَتْ جَلَسَتْ عَنِ الوَلَدِ والمَحِيضِ، فَبَيْنَما هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ نَظَرَتْ إلى طَيْرٍ يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحاضَتْ مِن ساعَتِها، فَلَمّا طَهُرَتْ أتاها زَوْجُها، فَلَمّا أيْقَنَتْ بِالوَلَدِ قالَتْ: لَئِنْ نَجّانِي اللَّهُ ووَضَعْتُ ما في بَطْنِي، لَأجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا. وبَنُو ماثانَ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن نَسْلِ داوُدَ، والمُحَرَّرُ لا يَعْمَلُ لِلدُّنْيا ولا يَتَزَوَّجُ، ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ، يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَكُونُ في خِدْمَةِ الكَنِيسَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا الغِلْمانُ، فَقالَتْ (p-٥١٤)لِزَوْجِها: لَيْسَ جِنْسٌ مِن جِنْسِ الأنْبِياءِ إلّا وفِيهِمْ مُحَرَّرٌ غَيْرُنا، وإنِّي جَعَلْتُ ما في بَطْنِي نَذِيرَةً. تَقُولُ: نَذَرْتُ أنْ أجْعَلَهُ لِلَّهِ. فَهو المُحَرَّرُ. فَقالَ زَوْجُها: أرَأيْتِ إنْ كانَ الَّذِي في بَطْنِكَ أُنْثى، والأُنْثى عَوْرَةٌ، فَكَيْفَ تَصْنَعِينَ؟ فاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ، فَقالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . يَعْنِي: تَقَبَّلْ مِنِّي ما نَذَرْتُ لَكَ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، والأُنْثى عَوْرَةٌ، ثُمَّ قالَتْ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] وكَذَلِكَ كانَ اسْمُها عِنْدَ اللَّهِ، ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] . يَعْنِي المَلْعُونَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَها، فَلَمْ يَقْرَبْها الشَّيْطانُ ولا ذُرِّيَّتَها؛ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّ ولَدِ آدَمَ يَنالُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَطْعَنُهُ حِينَ يَقَعُ بِالأرْضِ بِإصْبَعِهِ، ولَها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ وابْنِها، لَمْ يَصِلْ إبْلِيسُ إلَيْهِما“» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا وضَعَتْها خَشِيَتْ حَنَّةُ أُمُّ مَرْيَمَ أنْ لا تُقْبَلَ أُنْثى مُحَرَّرَةً، فَلَفَتَها في الخِرْقَةِ، ووَضَعَتْها في بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ القُرّاءِ، فَتَساهَمَ القُرّاءُ عَلَيْها - لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَ إمامُ القُرّاءِ مِن ولَدِ هارُونَ - أيُّهم يَأْخُذُها، فَقالَ زَكَرِيّا وهو رَأْسُ الأحْبارِ: أنا آخُذُها، وأنا أحَقُّهم بِها؛ خالَتُها عِنْدِي. يَعْنِي أُمَّ يَحْيى، فَقالَ القُرّاءُ: وإنْ كانَ في القَوْمِ مَن هو أفْقَرُ إلَيْها مِنكَ، ولَوْ تُرِكَتْ لِأحَقِّ النّاسِ بِها، تُرِكَتْ لِأبِيها، ولَكِنَّها (p-٥١٥)مُحَرِّرَةٌ، غَيْرَ أنّا نَتَساهَمُ عَلَيْها، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ فَهو أحَقُّ بِها. فَقَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها الوَحْيَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . يَعْنِي: أيُّهم يَقْبِضُها. فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، وكانَتْ قُرْعَةُ أقْلامِهِمْ أنَّهم جَمَعُوها في مَوْضِعٍ ثُمَّ غَطَّوْها، فَقالُوا لِبَعْضِ خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الغِلْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ: أدْخِلْ يَدَكَ فَأخْرِجْ قَلَمًا مِنها. فَأدْخَلَ يَدَهُ فَأخْرَجَ قَلَمَ زَكَرِيّا، فَقالُوا: لا نَرْضى، ولَكِنْ نُلْقِي الأقْلامَ في الماءِ، فَمَن خَرَجَ قَلَمُهُ في جِرْيَةِ الماءِ ثُمَّ ارْتَفَعَ فَهو يَكْفُلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم في نَهْرِ الأُرْدُنِّ فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا في جِرْيَةِ الماءِ، فَقالُوا: نَقْتَرِعُ الثّالِثَةَ، فَمَن جَرى قَلَمُهُ مَعَ الماءِ فَهو يَكْفُلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا مَعَ الماءِ، وارْتَفَعَتْ أقْلامُهم في جِرْيَةِ الماءِ، وقَبَضَها عِنْدَ ذَلِكَ زَكَرِيّا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ [آل عمران: ٣٧] . يَعْنِي: قَبَضَها. ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] . يَعْنِي: رَبّاها تَرْبِيَةً حَسَنَةً في عِبادَةٍ وطاعَةٍ لِرَبِّها، حَتّى تَرَعْرَعَتْ، وبَنى لَها زَكَرِيّا مِحْرابًا في بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَعَلَ بابَهُ في وسَطِ الحائِطِ، لا يُصْعَدُ إلَيْها إلّا بِسُلَّمٍ.
وكانَ اسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا، فَلَمّا تَمَّ لَها حَوْلانِ فُطِمَتْ وتَحَرَّكَتْ، فَكانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ والمِفْتاحَ مَعَهُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، لا يَأْتِيها بِما يُصْلِحُها أحَدٌ غَيْرُهُ حَتّى بَلَغَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: اسْمُ (p-٥١٦)أُمِّ مَرْيَمَ حَنَّةُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حَنَّةُ ولَدَتْ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ في الكَنِيسَةِ يَتَعَبَّدُ بِها، وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُونَ ذَكَرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ مُحَرَّرًا لِلْعِبادَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: خادِمًا لِلْبَيْعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ حَرَّرَتْ لِلَّهِ ما في بَطْنِها، وكانُوا إنَّما يُحَرِّرُونَ الذُّكُورَ، وكانَ المُحَرَّرُ إذا حُرِّرَ جُعِلَ في الكَنِيسَةِ لا يَبْرَحُها؛ يَقُومُ عَلَيْها ويَكْنُسُها، وكانَتِ المَرْأةُ لا (p-٥١٧)يُسْتَطاعُ أنْ يُصْنَعَ بِها ذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الأذى، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: جَعَلَتْهُ لِلَّهِ والكَنِيسَةِ، فَلا يُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ في زَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ إذا ولَدَتْ غُلامًا أرْضَعَتْهُ ورَبَّتْهُ، حَتّى إذا أطاقَ الخِدْمَةَ دَفَعَتْهُ إلى الَّذِينَ يَدْرُسُونَ الكُتُبَ، فَقالَتْ: هَذا مُحَرَّرٌ لَكم يَخْدِمُكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّ امْرَأةَ عِمْرانَ كانَتْ عَجُوزًا عاقِرًا تُسَمّى حَنَّةُ، وكانَتْ لا تَلِدُ، فَجَعَلَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ لِأوْلادِهِنَّ، فَقالَتِ: اللَّهُمَّ إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا شُكْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِن سَدَنَتِهِ وخُدّامِهِ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] . يَعْنِي: في المَحِيضِ ولا يَنْبَغِي لِامْرَأةٍ أنْ تَكُونَ مَعَ الرِّجالِ، ثُمَّ خَرَجَتْ أُمُّ مَرْيَمَ تَحْمِلُها في خِرْقَتِها إلى بَنِي الكاهِنِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى، قالَ: وهم يَوْمَئِذٍ يَلُونَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ ما يَلِي الحَجَبَةُ مِنَ الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهم: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةَ فَإنِّي حَرَّرْتُها، وهي ابْنَتِي ولا يَدْخُلُ الكَنِيسَةَ حائِضٌ، وأنا لا أرُدُّها إلى بَيْتِي. فَقالُوا: هَذِهِ ابْنَةُ إمامِنا، (p-٥١٨)وكانَ عِمْرانُ يَؤُمُّهم في الصَّلاةِ، فَقالَ زَكَرِيّا: ادْفَعُوها إلَيَّ، فَإنَّ خالَتَها تَحْتِي. فَقالُوا: لا تَطِيبُ أنْفُسُنا بِذَلِكَ. فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا عَلَيْها بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ، فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، فَكَفَلَها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قَرَأ: ”بِما وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ”بِما وضَعْتٌ“ بِرَفْعِ التّاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ: ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ“ . قالَ: عَلى وجْهِ الشِّكايَةِ إلى الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بِنَصْبِ العَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بِنَصْبِ العَيْنِ.
﴿ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضࣲ﴾: تَسَلْسَلَ الفَضْلُ في ذَراريهم.
﴿ذُرِّيَّةً﴾ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةً، يَعْنِي: أنَّ الآلِينَ ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَسَلْسِلَةٌ، بَعْضُها مُتَشَعِّبٌ مِن بَعْضٍ: مُوسى وهارُونَ مِن عِمْرانَ، وعِمْرانُ مِن يَصْهَرَ، ويَصْهَرُ مِن قاهَثَ، وقاهَثُ مِن لاوِي، ولاوِي مِن يَعْقُوبَ، ويَعْقُوبُ مِن إسْحاقَ، وكَذَلِكَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، وهو يَتَّصِلُ بِيَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ. وقَدْ دَخَلَ في آلِ إبْراهِيمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِينِ.
﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلِاصْطِفاءِ، أوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ ونِيَّتِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ مَعْنَى الذُّرِّيَّةِ واشتقاقها [[راجع ج ٢ ص ١٠٧.]]. وهي نصب على الحال، قال الْأَخْفَشُ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، أَيْ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ. الْكُوفِيُّونَ: عَلَى الْقَطْعِ. الزَّجَّاجُ: بَدَلٌ، أَيِ اصْطَفَى ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمَعْنَى بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، يَعْنِي فِي التَّنَاصُرِ فِي الدِّينِ، كَمَا قال: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] [[راجع ج ٨ ص ١٩٩.]] يعني في الضلالة، قال الْحَسَنُ وقَتَادَةُ. وَقِيلَ: فِي الِاجْتِبَاءِ وَالِاصْطِفَاءِ وَالنُّبُوَّةِ. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها.
القول في تأويل قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران"ذريةً بعضها من بعض".
* *
ف"الذرية" منصوبة على القطع من"آل إبراهيم وآل عمران"، لأن"الذرية"، نكرة،"وآل عمران" معرفة. [[انظر ما سلف في معنى"القطع"، وهو الحال، قريبًا ص: ٢٧٠، تعليق: ٣.]]
ولو قيل نصبت على تكرير"الاصطفاء"، لكان صوابًا. لأن المعنى: اصطفى ذريةً بعضُها من بعض. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٠٧.]]
* *
وإنما جعل"بعضهم من بعض" في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: ٧١] ، وقال في موضع آخر: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] ، يعني: أنّ دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: "ذرية بعضها من بعض"، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته، كما:-
٦٨٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ذرية بعضها من بعض"، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
* *
وقوله:"والله سميعٌ عليمٌ"، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا.
ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصوة الكريمة بعضها من بعض فقال { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } وأصل الذرية - كما يقول القرطبي - فعلية من الذر ، لأن الله - تعالى - أخرج الخلق من صلب آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم - وقيل هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم درءًا خلقهم ، ومنه الذرية وهى نسل الثقلين " .والمعنى : أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض ، فهم متصلو النسب ، فنوح من ذرية آدم ، وآل إبراهيم من ذرية نوح ، وآل عمران من ذرية آل إبراهيم ، فهم جميعا سلسلة متصلة الحلقات فى النسب ، والخصال الحميدة .وقوله { ذُرِّيَّةً } منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أى هو - سبحانه - سميع لأقوال عباده فى شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفى شأن غيرهم عليم بأحوال خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه خافية تصدر عنهم .والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها ، ومؤكد له .