سورة آل عمران — الآية ٤٠
قال زكريا لمَّا بشرته الملائكة بيحيى: يا رب، كيف يكون لي ولد بعد أن صرت شيخًا، وامرأتي عقيم لا يولد لها؟! قال الله جوابًا على قوله: مَثَلُ خَلْق يحيى على كبر سنِّك وعُقْم زوجك؛ كخلق الله ما يشاء مما يخالف المألوف عادة؛ لأن الله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء بحكمته وعلمه.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قَالَ رَبِّ﴾ أَيْ يَا سَيِّدِي، قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: قَالَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ أَيْنَ يَكُونُ ﴿لِي غُلَامٌ﴾ أَيِ ابْنٌ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ أَيْ وَقَدْ بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ كَمَا يُقَالُ بَلَغَنِي الْجَهْدُ أَيْ أَنَا فِي الْجَهْدِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَدْ الْكِبَرُ وَأَدْرَكَنِي وَأَضْعَفَنِي. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بِالْوَلَدِ ابْنَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ أَيْ عَقِيمٌ لَا تَلِدُ يُقَالُ: رَجُلٌ عَاقِرٌ وَامْرَأَةٌ عَاقِرٌ، وَقَدْ عَقُرَ بِضَمِّ الْقَافِ يَعْقِرُ عُقْرًا، وَعُقَارَةً ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ زَكَرِيَّا بَعْدَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أَكَانَ شَاكًّا فِي وَعْدِ اللَّهِ وَفِي قُدْرَتِهِ؟ قِيلَ: إِنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ لَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، فَقَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي وَعْدِ اللَّهِ إِنَّمَا شَكَّ فِي كَيْفِيَّتِهِ أَيْ كَيْفَ ذَلِكَ؟
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةِ، أوِ اسْتِعْظامًا أوْ تَعَجُّبًا أوِ اسْتِفْهامًا عَنْ كَيْفِيَّةِ (p-16)
حُدُوثِهِ. ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أدْرَكَنِي كِبَرُ السِّنِّ وأثَّرَ فِيَّ. وكانَ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ سَنَةً.
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لا تَلِدُ، مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ. ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ العَجائِبِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إنْشاءُ الوَلَدِ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، أوْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ وزَوْجُكَ مِنَ الكِبَرِ والعُقْرِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِ الوَلَدِ أوْ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيِ اللَّهُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ أوْ كَذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، بَيانٌ لَهُ.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَام﴾ أَي: من أَيْن يكون لي؟! (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكبر وامرأتي عَاقِر} أَي: لَا تَلد، قَالَ الْحسن: أَرَادَ أَن يعلم كَيفَ وهب ذَلِك لَهُ؛ وَهُوَ كَبِير وَامْرَأَته عَاقِر؛ لِيَزْدَادَ علما ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
﴿قال رب أنى يكون لي غلام﴾: قال فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: هو، يعود على زكريا، ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، وأنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر يكون، ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون. أو كان تامة، وأنى حال، ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. وغلام اسم يكون، أو فاعلها. وجملة ﴿قال رب أنى...﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وجملة النداء مقول القول.
﴿وقد بلغني الكبر﴾: الواو حالية، وقد حرف تحقيق، وبلغني فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والكبر فاعل، والجملة في محل نصب حال.
﴿وامرأتي عاقر﴾: الواو حالية أيضًا، وامرأتي مبتدأ، وعاقر خبر، والجملة حالية من الياء في ﴿لي﴾، أو حال من الياء في ﴿بلغني﴾.
﴿قال كذلك الله يفعل ما يشاء﴾: الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، و﴿كذلك﴾ الكاف اسم بمعنى مثل مبني على الفتح في محل نصب صفة لمصدر محذوف، والتقدير: الله يفعل ما يشاء من العجائب فعلا مثل ذلك الفعل، و﴿ذلك﴾: ﴿ذا﴾ اسم إشارة في محل جر مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، ولفظ الجلالة مبتدأ، وجملة ﴿يفعل ما يشاء﴾ في محل رفع خبر لفظ الجلالة، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يشاء لا محل لها من الإعراب لأنها صلة ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿كذلك الله يفعل...﴾ مقول القول.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ؟! .
قالَ الكُمَيْتُ:
؎ أنّى ومِن أيْنَ آَبَكَ الطَّرَبُ
قالَ العُلَماءُ، مِنهُمُ الحَسَنُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ كَيْسانَ: كَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ: وجْهٍ يَكُونُ لِي الوَلَدُ؟ أيَكُونُ بِإزالَةِ العُقْرِ عَنْ زَوْجَتِي، ورَدِّ شَبابِي؟ أمْ يَأْتِي ونَحْنُ عَلى حالِنا؟ فَكانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلامِ، لا عَلى وجْهِ الشَّكِّ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غُلامٌ بَيْنَ الغُلُومِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلامِيَّةِ، وبَيْنَ الغُلُومَةِ. قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: الغُلامُ: فُعالٌ، مِنَ الغُلْمَةِ، وهي شِدَّةُ شَهْوَةِ النِّكاحِ. ويُقالُ: لِلْكَهْلِ: غُلامٌ.
قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ:(p-٣٨٥)
؎ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَكَأنَّ قَوْلَهم لِلْكَهْلِ: غُلامٌ، أيْ: قَدْ كانَ مَرَّةً غُلامًا. وقَوْلُهم لِلطِّفْلِ: غُلامٌ عَلى مَعْنى التَّفاؤُلِ، أيْ: سَيَصِيرُ غُلامًا. قالَ: وقِيلَ: الغُلامُ الطّارُّ الشّارِبُ، ويُقالُ: لِلْجارِيَةِ: غُلامَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ يُهانُ لَها الغُلامَةُ والغُلامُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ: وقَدْ بَلَغَتِ الكِبَرَ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ بَلَغْتُهُ فَقَدْ بَلَغَكَ. وفي سَنَةٍ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كُنِ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وامْرَأتُهُ بَنْتُ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: ابْنُ سَبْعِينَ، حَكاهُ فُضَيْلُ بْنُ غَزْوانَ. والخامِسُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ. والسّادِسُ: ابْنُ سِتِّينَ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: والعاقِرُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ: الَّذِي لا يَأْتِيهِ الوَلَدُ، وإنَّما قالَ: "عاقِرًا" ولَمْ يَقُلْ: عاقِرَةً، لِأنَّ الأصْلَ في هَذا الوَصْفِ لِلْمُؤَنَّثِ، والمُذَكِّرِ فِيهِ كالمُسْتَعارِ، فَأُجْرِيَ مَجْرى "طالِقٍ"، "حائِضٍ" هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.
شرح الكلمات:
هنالك: ثَمَّ عندما رأى كرامة الله لمريم عليها السلام.
زكريا: أحد أنبياء بني إسرائيل ورسلهم.
هب لي: أعطني.
من لدنك: من عندك.
ذريّة طيبة: أولاداً أطهاراً صالحين.
بكلمة من الله: هي عيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله تعالى «كُن».
وسيداً وحصوراً: شريفاً ذا عِلْم وحلم، ولا رغبة له في النساء لقلة مائه.
غلام: ولد ذكر.
عاقر: عقيم لا تلد لعُقْمها وعُقْرها.
آية: علامة استدل بها على بداية الحمل لأشكر نعمتك.
إلا رمزاً: إلا إشارة بالرأس أو باليد يفهم منها ما يفهم من الكلام.
الإبكار: أول النهار، والعشي آخره.
معنى الآيات:
لما شاهد زكريا من كرامات الله لمريم أنها تُؤْتى بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ذكر أن الله تعالى قد يعطي ما شاء لمن يشاء على غير نظام السنن الكونيّة فكبر سِنّه وعُقم امرأته لا يمنعان أن يعْطيه الله تعالى ولداً، فسأل ربّه الولد فاستجاب له ربّه فبشرته الملائكة بالولد وهو قائم يصلي في محرابه قائلة إن الله يبشرك بولد اسمه يحيى مصدّقاً بكلمة من الله يريد أن يصدق بعيسى بن مريم ويكون على نهجه، لأن عيسى هو الكلمة إذ كان بقول الله تعالى له «كُن» فكان، ووصفه بأنّه سيد ذو علم وحِلم وتقىً وحصور لا يأتي النساء، ونبيُّ من الصالحين. فلما سمع البشارة من الملائكة جاءه الشيطان وقال له: إن الذي سمعته من البشرى هو من الشيطان ولو كان من الرحمن لأوحاه إليك وحياً، وهنا أراد زكريا أن يتثبت من الخبر فقال: ﴿رَبِّ أنّىٰ يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وٱمْرَأَتِي عاقِرٌ﴾؟ فأوحى إليه: أن هذا فعل الله والله يفعل ما يشاء. وهنا قال زكريا رب اجعل لي آية يريد علامة يستدل بها على وجود الحمل ليستقبل النعمة بالشكر فأجابه ربه قائلا: ﴿آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ ٱلنّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ يريد أنك تصبح وأنت عاجز عن الكلام لمدة ثلاثة أيام، فلا تقدر أن تخاطب أحداً إلا بالإشارة وهي الرمز فيفهم عنك، وأمره تعالى أن يقابل هذا الإنعام بالشكر التام فقال له ﴿وٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وسَبِّحْ﴾ يريد صلِّ بالعشي آخر النهار والإبكار أوله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الاعتبار بالغير، إذ زكريا دعا بالولد لما رأى كرامة الله تعالى لمريم.
٢- مشروعية الدعاء وكونه سراً أقرب إلى الإجابة، وكونه في الصلاة كذلك.
٣- جواز تلبيس إبليس على المؤمن، ولكن الله تعالى يذهب كيده ووسوسته.
٤- جواز سؤال الولد الصالح.
٥- كرامات الله تعالى لأوليائه - باستجابة دعاءهم.
٦- فضل الإكثار من الذكر، وفضيلة صلاتي الصبح والعصر وفي الحديث: «من صلى البردين دخل الجنة».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا سَمِعَ زَكَرِيّا النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ لَهُ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ هو مِنَ اللَّهِ، إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ لِيَسْخَرَ بِكَ، ولَوْ كانَ مِنَ اللَّهِ أوْحى إلَيْكَ كَما يُوحِي إلَيْكَ في غَيْرِهِ مِنَ الأمْرِ. فَشَكَّ مَكانَهُ، وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أتاهُ الشَّيْطانُ فَأرادَ أنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ (p-٥٣٥)رَبِّهِ، قالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟ قالَ: نَعَمْ، نادانِي مَلائِكَةُ رَبِّي. قالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، لَوْ كانَ هَذا مِن رَبِّكَ لَأخْفاهُ إلَيْكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجَبائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ . يَعْنِي: هَكَذا، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . قالَ: قالَ زَكَرِيّا: رَبِّ فَإنْ كانَ هَذا الصَّوْتُ مِنكَ فاجْعَلْ لِي آيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ . قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ (p-٥٣٦)كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، فَأُخِذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيِّ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ.
وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامَ، ثُمَّ أطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ . قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ قالَ: إيماؤُهُ بِشَفَتَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ . قالَ: الإشارَةُ.
(p-٥٣٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّمْزُ أنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ أوْ رَأْسِهِ ولا يَتَكَلَّمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّمْزُ أنْ أخَذَ بِلِسانِهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النّاسَ بِيَدِهِ.
وأخْرَجَ الطَّسَّتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ . قالَ: الإشارَةُ بِاليَدِ، والوَمْيُ بِالرَّأْسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ما في السَّماءِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُرْتَمَزُ إلّا إلَيْهِ وما في الأرْضِ مِن وزَرِ
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَوْ رَخَّصَ اللَّهُ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّا حَيْثُ قالَ:
﴿آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ . ولَوْ رَخَّصَ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لِلَّذِينِ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] . (p-٥٣٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ . قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ.
﴿أَنَّىٰ﴾: من أيِّ وجهٍ؟
﴿ٱلۡكِبَرُ﴾: الشيخوخةُ.
﴿عَاقِرࣱ﴾: عَقيمٌ.
﴿كَذَ ٰلِكَ ٱللَّهُ﴾: هَيِّنٌ عليه أن يخلقَ ولدًا من الكبيرِ والعقيمِ.
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ، واسْتِعْظامٌ لِلْقُدْرَةِ، لا تَشَكُّكٌ،
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ كَقَوْلِهِمْ: أدْرَكَتْهُ السِنُّ العالِيَةُ، أيْ: أثَّرَ فِيَّ الكِبَرُ، وأضْعَفَنِي، وكانَ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ،
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لَمْ تَلِدْ ﴿قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ.
قِيلَ: الرَّبُّ هُنَا جِبْرِيلُ، أَيْ قَالَ لِجِبْرِيلَ: رَبِّ- أَيْ يَا سَيِّدِي- أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟ يَعْنِي وَلَدًا، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ "رَبِّ" يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى. "أَنَّى" بِمَعْنَى كَيْفَ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِ. وَفِي مَعْنَى هَذَا الِاسْتِفْهَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَأَلَ هَلْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ وَهُوَ وَامْرَأَتُهُ عَلَى حَالَيْهِمَا أَوْ يُرَدَّانِ إِلَى حَالِ مَنْ يَلِدُ؟. الثَّانِي سَأَلَ هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدُ مِنِ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى بِأَيِّ مَنْزِلَةٍ أَسْتَوْجِبُ هَذَا وَأَنَا وَامْرَأَتِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ. وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالْوَقْتِ الَّذِي بُشِّرَ فِيهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً وَامْرَأَتُهُ قَرِيبَةَ السِّنِّ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ "وَامْرَأَتِي عاقِرٌ" أَيْ عَقِيمٌ لَا تَلِدُ. يُقَالُ: رَجُلٌ عَاقِرٌ وَامْرَأَةٌ عَاقِرٌ بَيِّنَةُ الْعُقْرِ. وَقَدْ عَقُرَتْ وَعَقُرَ (بِضَمِ الْقَافِ فِيهِمَا) تَعْقُرُ عُقْرًا صَارَتْ عَاقِرًا، مِثْلَ حَسُنَتْ تَحْسُنُ حُسْنًا، عَنْ أَبِي زَيْدٍ. وَعُقَارَةٌ أَيْضًا. وَأَسْمَاءُ الْفَاعِلِينَ مِنْ فَعُلَ فَعِيلَةٌ، يُقَالُ: عَظُمَتْ فَهِيَ عَظِيمَةٌ، وَظَرُفَتْ فَهِيَ ظَرِيفَةٌ. وَإِنَّمَا قِيلَ عَاقِرٌ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ ذَاتُ عُقْرٍ عَلَى النَّسَبِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفِعْلِ لَقَالَ: عَقُرَتْ فَهِيَ عَقِيرَةٌ كَأَنَّ بِهَا عُقْرًا، أَيْ كِبَرًا مِنَ السِّنِّ يَمْنَعُهَا مِنَ الْوَلَدِ. وَالْعَاقِرُ: الْعَظِيمُ مِنَ الرَّمْلِ لَا يُنْبِتُ شَيْئًا. وَالْعُقْرُ أَيْضًا مَهْرُ الْمَرْأَةِ إِذَا وُطِئَتْ عَلَى شُبْهَةٍ. وَبَيْضَةُ الْعُقْرِ: زَعَمُوا هِيَ بَيْضَةُ الدِّيكِ، لِأَنَّهُ يَبِيضُ فِي عُمْرِهِ بَيْضَةً واحدة إلى الطول. وعقر النار أيضا.
وَسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا. وَعُقْرُ الْحَوْضِ: مُؤَخَّرُهُ حَيْثُ تَقِفُ الْإِبِلُ إِذَا وَرَدَتْ، يُقَالُ: عُقْرٌ وَعُقُرٌ مِثْلَ عُسْرٍ وَعُسُرٍ، وَالْجَمْعُ الْأَعْقَارُ فَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ. وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ "كَذلِكَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَالْغُلَامُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْغُلْمَةِ وَهُوَ شِدَّةُ طَلَبِ النِّكَاحِ. وَاغْتَلَمَ الْفَحْلُ غُلْمَةً هَاجَ مِنْ شَهْوَةِ الضِّرَابِ. وَقَالَتْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ:
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سقاها
والغلام الطار الشارب. وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُومَةِ وَالْغُلُومِيَّةِ، وَالْجَمْعُ الْغِلْمَةُ وَالْغِلْمَانُ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْغَيْلَمَ الشَّابُّ وَالْجَارِيَةُ أَيْضًا. وَالْغَيْلَمُ: ذَكَرُ السُّلَحْفَاةَ. وَالْغَيْلَمُ: مَوْضِعٌ. وَاغْتَلَمَ الْبَحْرُ: هَاجَ وتلاطمت أمواجه.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني أنّ زكريا قال = إذ نادته الملائكة:"أنّ الله يُبشرّك بيحيى مصدّقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًّا من الصالحين" ="أنى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر"؟ يعني: مَنْ بلغ من السن ما بلغتُ لم يولد لهُ ="وامرأتي عاقر".
* *
"والعاقر" من النساء التي لا تلد. يقال منه:"امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ"، كما قال عامر بن الطفيل:
لَبِئْسَ الفَتَى! إنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا ... جَبَانًا، فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ!! [[ديوانه ١١٩، ومجاز القرآن ١: ٩٢، وحماسة الشجري: ٧ وغيرها، وسيأتي في التفسير ١٦: ٣٧ (بولاق) وعامر بن الطفيل، أحد العوران الأشراف (المحبر: ٣٠٣) ، وقد ذهبت عينه يوم فيف الريح. وأما خبر عقمه، فإنه صدق قول علقمة بن علاثة فيه، فقال: "فقد والله صدق: ما لي ولد، وإني لعاهر الذكر، وإني لأعور البصر" (ديوانه ٩١، ٩٢) ، وهذا البيت من أبيات قالها في يوم فيف الريح، يذكر صبره في قتالهم، وقد ذهبت عينه حين طعنه مسهر بن يزيد الحارثي بالرمح، ففلق وجنته، وانشقت عين عامر ففقأها. وذكروا أن عامرًا طعن يومئذ بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنة، فقال عامر: لَعَمْري، ومَا عَمْري عَلَيَّ بِهَيَّنٍ ... لقَدْ شَانَ حُرَّ الوَجْهِ طَعْنَةُ مُسْهِرِ
فَبِئْسَ الفَتَى. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقول: من يعذرني إذا هبت عدوى وأحجمت عن حر الطعان؟]]
* *
وأما"الكبر" فمصدر:"كبِرَ فهو يَكبَرُ كِبَرا".
وقيل:"بلغني الكبر"، وقد قال في موضع آخر: ﴿قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ﴾ [سورة مريم: ٨] ، لأن ما بلغك فقد بلغته. وإنما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل:"قد بلغني الجهد" [[في المطبوعة: "وقد بلغني الجهد" زاد واوًا لا خير فيها، والصواب من المخطوطة.]] بمعنى: أني في جهد.
* *
فإن قال قائل: وكيف قال زكريا وهو نبيّ الله:"ربّ أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر"، وقد بشرته الملائكة بما بشرته به عن أمر الله إياها به؟ أشكّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يوصفَ به أهل الإيمان بالله! فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربه؟ فذلك أعظم في البلية!
قيل: كان ذلك منه ﷺ على غير ما ظننتَ، بل كان قِيله ما قال من ذلك، كما:-
٧٠٠١ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما سمع النداء - يعني زكريا، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، [[قوله: "فشك مكانه"، أي من ساعته، من فوره. ويقال: "فعل ذلك على المكان"، أي من ساعته غير متلبث ولا متصرف، قبل أن يفارق مكانه.]] وقال:"أنَّي يكون لي غلام"، ذكرٌ؟ = يقول: من أين؟ = [[في المطبوعة: "ومن أين" بالواو، وفي المخطوطة واو أيضًا، لكنه ضرب عليها.]] "وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر".
٧٠٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: فأتاه الشيطان فأراد أن يكدّر عليه نعمةَ ربه فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم! نادتني ملائكتهُ ربي! [[في المطبوعة: "ناداني"، وأثبت ما في المخطوطة.]] قال: بل ذلك الشيطان! لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك! فقال:"رب اجعل لي آية".
* *
= فكان قولهُ ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجع فيه بقوله:"أنى يكون لي غلام"، للوسوسة التي خالطتْ قلبه من الشيطان حتى خيَّلت إليه أنّ النداء الذي سمعه كان نداءً من غير الملائكة، فقال:"رب أنَّي يكون لي غلام"، مستثبتًا في أمره، ليتقرّر عنده بآية يريها الله في ذلك - [[في المطبوعة: "يريه الله في ذلك"، والصواب ما في المخطوطة.]] أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال:"رب اجعل لي آية".
* *
وقد يجوز أن يكون قيله ذلك، مسألةً منه ربَّه: من أيّ وجه يكون الولدُ الذي بُشر به؟ أمن زوجته؟ فهي عاقر - أم من غيرها من النساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة والسدي ومن قال مثلَ قولهما.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"كذلك الله"، أي هو ما وصفَ به نفسه أنه هيِّنٌ عليه أن يخلق ولدًا من الكبير الذي قد يَئس من الولد، ومن العاقر التي لا يُرْجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلْق الولدِ منك ولم تك شيئًا، لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيء شاءَه، لأن قدرَته القدرةُ التي لا تُشبهها قدرة، كما:-
٧٠٠٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"كذلك الله يفعل ما يشاء"، وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئًا.
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله زكريا بعد أن ساقت له الملائكة تلك البشارات السارة فقال - تعالى : { قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ } أنى هنا بمعنى كيف . و " عاقر " أى عقيم لا تلد لكبر سنها من العقر وهو العقم . يقال عقرت المرأة تعقر عقراً وعقراً فهى عاقر إذا بلغت سن اليأس من الولادة . أى قال زكريا على سبيل التعجب بعد أن نادته الملائكة وبشرته بما بشرته به : يا رب كيف يكون لي غلام والحال أنني قد أدركني الكبر الكامل الذى أضعفنى ، وفوق ذلك فإن امرأتى عاقر أى عقيم لا تلد لشيخوختها وبلوغها العمر الذى ينقطع معه النسل؟قال بعضهم : وإنما قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوث الحمل ، أو استبعادا من حيث العادة ، أو استعظاماً وتعجبا من قدرة الله - تعالى - لا استبعادا أو إنكارا فلا يرد : كيف قال زكريا ذلك ولم يكن شاكاً في قدرة الله - تعالى - .والجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال زكريا عندما بشرته الملائكة؟ فكان الجواب : قال رب أنى يكون لى غلام .وقد خاطب زكريا ربه مع أن النداء له صدر من الملائكة ، للإشعار بالمبالغة في التضرع وأنه قد طرح الوسائط واتجه إلى خالقه مباشرة يشكره ويظهر التعجب من قدرته لأنه - سبحانه - أعطاه ما لم تجر العادة به .قال الآلوسي وقوله { يَكُونُ } يجوز أن تكون من كان التامة فيكون فاعلها هو قوله { غُلاَمٌ } ويكون الظرف { أنى } والجار والمجرور { لِي } متعلقان بها .ويجوز أن تكون من كان الناقصة و { لِي } متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة . وفى الخبر حينئذ وجهان : أحدهما { أنى } لأنها بمعنى كيف أو من أين والثانى الخبر الجار والمجرور { أنى } منصوب على الظرفية " .وقوله { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } جملة حالية من ياء المتكلم ، أى أصابنى الكبر وأدركنى فأضعفنى وأفقدني قوتى .والكبر مصدر كبر الرجل إذا أسن . وقد قال زكريا { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } ولم يقل وقد بلغت الكبر للإشارة إلى أن الكبر قد تابعه ولازمه حتى أصابه بالضعف والآلام والأسقام .وقوله { وامرأتي عَاقِرٌ } جملة حالية أيضاً إما من ياء { لِي } أو ياء { بَلَغَنِي } .فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر التعجب عندما بشرته الملائكة بغلامه يحيى لأنه كان شيخا مسنا ولأن امرأته كانت عقيما لا تلد إما لكبر سنها - أيضاً وإما لأنها من الأصل كانت على غير استعداد للحمل والإنجاب .قال ابن عباس : كان زكريا يوم بشر بيحيى ابن عشرين ومائة سنة وكانت أمرأته بنت ثمان وتسعين سنة " .ثم حكى القرآن أن الله تعالى قد رد على زكريا بما يزيل عجبه ويمنع حيرته فقال تعالى ، { قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } .أى قال - سبحانه - : مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى رأيته من أن يكون لك غلام وأنت شيخ كبير وامرأتك عاقر مثل ذلك الفعل يفعل الله ما يشاء أن يفعله ، لأنه - سبحانه - هو خالق الأسباب والمسببات ولا يعجزه شىء في هذا الكون ، وبقدرته أن يغير ما جرت به العادات بين الناس .فالجملة الكريمة بجانب تضمنها إقناع زكريا وإزالة عجبه ، تتضمن أيضاً تقرير قضية عامة وهى أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء أن يفعله بدون تقيد بالأسباب والمسببات والعادات فهو الفعال لما يريد .