سورة آل عمران — الآية ٥
إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قد أحاط علمه بالأشياء كلها ظاهرها وباطنها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ هَادِيًا لِمَنْ تَبِعَهُ وَلَمْ يُثَنِّهِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهَا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ هُدًى لِلنَّاسِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ، حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا، تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَهَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى، حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلَّهِ وَلَدٌ وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّحِمِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثل ذلك، ٥٣/أثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ" أَوْ قَالَ: "يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" قَالَ: "وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" [[أخرجه البخاري في بدء الخلق - باب: ذكر الملائكة: ٦ / ٣٠٣ وفي الأنبياء وفي القدر ومسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطنه أمه. . . برقم (٢٦٤٣) ٤ / ٢٠٣٦ - ٢٠٣٧ والمصنف في شرح السنة: ١ / ١٢٨ - ١٢٩.]] .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ" [[أخرجه مسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . برقم (٢٦٤٤) ٤ / ٣٧.]] .
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ في العالِمِ كُلِّيًّا كانَ أوْ جُزْئِيًّا، إيمانًا أوْ كُفْرًا. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ والأرْضِ إذِ الحِسُّ لا يَتَجاوَزُهُما، وإنَّما قَدَّمَ الأرْضَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ ما اقْتُرِفَ فِيها. وهو كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ حَيًّا وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، كالدَّلِيلِ عَلى القَيُّومِيَّةِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِإتْقانِ فِعْلِهِ في خَلْقِ الجَنِينِ وتَصْوِيرِهِ. وقُرِئَ «تَصَوَّرَكُمْ» أيْ صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ جُمْلَةَ ما يَعْلَمُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ. ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ. قِيلَ: هَذا حِجاجٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى كانَ رَبًّا، فَإنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتِ السُّورَةُ، مِن أوَّلِها إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً تَقْرِيرًا لِما احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ وأجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ.
﴿إن الله﴾: إن حرف ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها.
﴿لا يخفى عليه شيء﴾: الجملة خبر إن.
﴿في الأرض﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشيء.
﴿ولا في السماء﴾: عطف على ما تقدم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا تَعْرِيضٌ بِنَصارى أهْلِ نَجْرانَ فِيما كانُوا يَنْطَوُونَ عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ وذِكْرُ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ تَنْبِيهٌ عَلى أمْرِ عِيسى.
شرح الكلمات:
الۤمۤ: تقدم الكلام على مثله من سورة البقرة فليرجع إليه هناك.
الله: المعبود بحق.
لا إله إلا هو: لا معبود بحق سواه.
الحيّ: ذو الحياة المستلزمة للإرادة والعلم والسمع والبصر والقدرة.
القيّوم: القيِّم على كل مخلوقاته بالتربية والرعاية والحفظ.
الكتاب: القرآن.
بالحق: متلبِّساً به إذا كل ما فيه حق وصدق لا باطل فيه بأي وجه من الوجوه.
مصدقاً لما بين يديه: من الكتب السابقة لا يخالفها ولا يبطلها لأن مصدر الجميع واحد هو الله تعالى.
التوراة: كتاب موسى عليه السلام ومعناه بالعبرية الشريعة.
الإنجيل: كتاب عيسى عليه السلام ومعناه باليونانية: التعليم الجديد.
الفرقان: ما فرق الله بين الحق والباطل من الحجج القرآنية والمعجزات الإلهية والعقول النيّرة البشرية التي لم يغلب عليها التقليد والجمود والهوى.
يصوركم في الأرحام: التصوير إيجاد الصورة للشيء لم تكن له من قبل، والأرحام جمع رحم: مستودع الجنين.
معنى الآيات:
أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد نجران والمكون من ستين راكبا فيهم أشرافهم وأهل الحلِّ والعَقْد منهم، وفدوا على رسول الله ﷺ يحاجّونه في أمر المسيح عليه السلام ويريدون أن يثبتوا الهيّته بالادعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيِّفاً وثمانين آية من فاتحة السورة الۤمۤ إلى ما يقارب الثمانين. وذلك رداً لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحاً جليّاً في السياق القرآني في هذه الآيات.
فقد قال تعالى الۤمۤ، الله لا إله إلا هو فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح عليه السلام وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال الحيّ القيوم فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره وهو كونه تعالى حيّاً أزلاً وأبداً وكل حيّ غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء، فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو عز وجل والمسيح عليه السلام مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلهاً؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلهاً مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوباً به ليس فيه من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلهاً مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقا لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإنجيل هدىً للناس وأنزل الفرقان ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الألوهية والعبادة وإن شفى مريضاً أو أنطق أبكم أو أحيا ميتاً بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلهاً مع الله كعيسى بن مريم عليه السلام فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء بعض الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن كل عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكذ بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآياتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقامٍ﴾ وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمَّله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله ﷺ، وقال تعالى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ لا يَخْفىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ ولا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير.
وذكر دليلاً آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ وعيسى عليه السلام قد صُوِّر في رحم مريم فهو قطعاً ممن صور الله تعالى فكيف يكون إذاً إلهاً مع الله أو إبناً لله كما يزعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿لا إلَٰهَ إلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ فالعزّة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطىء هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند كوفد نصارى نجران ومَن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية عن غيره من سائر خلقه.
٢- ثبوت رسالة النبي محمد ﷺ بإنزال الله تعالى الكتاب عليه.
٣- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها ببيان الحق والباطل في كل شؤون الحياة.
٤- بطلان ألوهية المسيح لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلها مع الله أو ابناً له تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
﷽
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في ”فَضائِلِهِ“، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”آلِ عِمْرانَ“ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها“ آلُ عِمْرانَ ”يَوْمَ الجُمْعَةِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَغِيبَ الشَّمْسُ“» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: مَن قَرَأ ”البَقَرَةَ“ و”النِّساءَ“ و”آلَ عِمْرانَ“، كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ (p-٤٣٩)مِنَ الحُكَماءِ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ ”آلَ عِمْرانَ“ فَهو غَنِيٌّ، و”النِّساءُ“ مُحَبِّرَةٌ. يَعْنِي: مُزَيَّنَةٌ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نِعْمَ كَنْزُ الصُّعْلُوكِ سُورَةُ ”آلِ عِمْرانَ“ يَقُومُ بِها الرَّجُلُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي عَطّافٍ قالَ: اسْمُ ”آلِ عِمْرانَ“ في التَّوْراةِ طَيْبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ وهو أمِيرٌ عَلى البَصْرَةِ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأ فِيهِما بِـ ”البَقَرَةِ“ و”آلِ عِمْرانَ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قَرَأ رَجُلٌ ”البَقَرَةَ“ و”آلَ عِمْرانَ“، فَقالَ كَعْبٌ: قَدْ قَرَأ سُورَتَيْنِ إنَّ فِيهِما لَلِاسْمَ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ اسْتَجابَ.
(p-٤٤٠)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿القَيُّومُ﴾: القائِمُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ( الحَيُّ القَيّامُ ) .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، مَعًا في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ ”آلِ عِمْرانَ“، فَقَرَأ: ( الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيّامُ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ”الحَيُّ القَيّامُ“ .
(p-٤٤١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”الحَيُّ القَيّامُ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أبِي مَعْمَرٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقْرَأُ ”الحَيُّ القَيِّمُ“ . وكانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: ”الحَيُّ القَيّامُ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، عَنْ عاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ عُمَرُ يُعْجِبُهُ أنْ يَقْرَأ سُورَةَ ”آلِ عِمْرانَ“ في الجُمْعَةِ إذا خَطَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، والعاقِبُ، وعَبْدُ المَسِيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهو مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ المَلِكِ، مَعَ اخْتِلافٍ مِن أمْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هو اللَّهُ. ويَقُولُونَ: هو ولَدُ اللَّهِ. ويَقُولُونَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ. كَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرانِيَّةِ، فَهم يَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ – يَقُولُونَ: هو اللَّهُ - بِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، وذَلِكَ كُلُّهُ بِإذْنِ اللَّهِ، لِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ولَدٌ. بِأنَّهم يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، وقَدْ (p-٤٤٢)تَكَلَّمَ في المَهْدِ، شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ قَبْلَهُ. ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلْنا وأمَرْنا وخَلَقْنا وقَضَيْنا. فَيَقُولُونَ: لَوْ كانَ واحِدًا ما قالَ إلّا: فَعَلْتُ وأمَرْتُ وقَضَيْتُ وخَلَقْتُ. ولَكِنَّهُ هُوَ، وعِيسى، ومَرْيَمُ. فَفي كُلِّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ، وذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فِيهِ قَوْلَهم. فَلَمّا كَلَّمَهُ الحَبْرانِ قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أسْلِما“ . قالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ. قالَ: ”كَذَبْتُما، مَنَعَكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ ولَدًا، وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ“ . قالا: فَمَن أبَوْهُ يا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ فَلَمْ يُجِبْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ واخْتِلافِ أمْرِهِمْ كُلِّهِ، صَدْرَ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، فافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ مِمّا قالُوهُ وتَوْحِيدِهِ إيّاها بِالخَلْقِ والأمْرِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، ورَدًّا عَلَيْهِمْ ما ابْتَدَعُوا مِنَ الكُفْرِ، وجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ، واحْتِجاجًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ في صاحِبِهِمْ، لِيُعَرِّفَهم بِذَلِكَ ضَلالَتَهُمْ، فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ . أيْ: لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ في أمْرِهِ، ﴿الحَيُّ﴾: الَّذِي لا يَمُوتُ، وقَدْ ماتَ عِيسى في قَوْلِهِمْ، ﴿القَيُّومُ﴾: القائِمُ عَلى سُلْطانِهِ لا يَزُولُ، وقَدْ زالَ عِيسى» .
(p-٤٤٣)وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أبِي أُمامَةَ قالَ: «لَمّا قَدِمَ أهْلُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْألُونَهُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، نَزَلَتْ فِيهِمْ فاتِحَةُ ”آلِ عِمْرانَ“ إلى رَأْسِ الثَّمانِينَ مِنها» . وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «إنَّ النَّصارى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَخاصَمُوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالُوا لَهُ: مَن أبَوْهُ؟ وقالُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا؟“ . قالُوا: لا. قالَ: ”أفَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ما عُلِّمَ؟“ . قالُوا: لا. قالَ: ”فَإنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ، ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ، ثُمَّ وضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها، ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟“ . قالُوا: بَلى. قالَ: ”فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟“ فَعَرَفُوا، ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-٤٤٤)﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران»: ٢] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ”الحَيُّ القَيّامُ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ( الحَيُّ القَيِّمُ ) .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . يَقُولُ: مِنَ البَيِّناتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ وهُودٍ والأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ . قالَ: القُرْآنَ، مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ، ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾: هُما كِتابانِ أنْزَلَهُما اللَّهُ، فِيهِما بَيانٌ مِنَ اللَّهِ، وعِصْمَةٌ لِمَن أخَذَ بِهِ وصَدَّقَ بِهِ وعَمِلَ بِما فِيهِ، ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾: هو القُرْآنُ، فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ، وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ (p-٤٤٥)فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ، وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . أيْ: إنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ . أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى، إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلِهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ، لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ، كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مِن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ؟
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا.
(p-٤٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ . قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، فَيَخْلِطُ فِيهِ المُضْغَةَ ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُهُ كَما يُؤْمَرُ، فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ، وما رِزْقُهُ وما عُمْرُهُ، وما أثَرُهُ وما مَصائِبُهُ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ، دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ . قالَ: مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وأحْمَرَ وأبْيَضَ وأسْوَدَ، وتامٍّ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . قالَ: العَزِيزُ في نِقْمَتِهِ إذا انْتَقَمَ، الحَكِيمُ في أمْرِهِ.
﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ أيْ: في العالَمِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَماءِ والأرْضِ، أيْ: هو مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
هَذَا خَبَرٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْأَشْيَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. فَهُوَ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِيسَى إِلَهًا أَوِ ابْنَ إِلَهٍ وَهُوَ تَخْفَى عَلَيْهِ الأشياء!.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يخفى عليه شيء هو في الأرض ولا شيء هو في السماء. يقول: فيكف يخفى علىّ يا محمدُ - وأنا علامُ جميع الأشياء - ما يُضَاهى به هؤلاء الذين يجادلونك في آيات الله من نصارى نجران في عيسى ابن مريم، في مقالتهم التي يقولونها فيه؟ ! كما:-
٦٥٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"إنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"، أي: قد علم ما يريدون وما يَكيدون وما يُضَاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه ربًّا وإلهًا، وعندهم من علمه غيرُ ذلك، غِرّةً بالله وكفرًا به. [[الأثر: ٦٥٦٦ - هو من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٥٦٤، من سيرة ابن إسحاق.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب، فيجعل هذا ذكرًا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر. يُعرّف عباده بذلك أنّ جميع من اشتملت عليه أرحامُ النساء، ممنّ صوره وخلقه كيف شاء [[في المطبوعة: "ممن صوره" بإسقاط الفاء من أولها. والصواب من المخطوطة.]] = وأنّ عيسى ابن مريم ممن صوّره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحبّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه، لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحامُ عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين، كما:-
٦٥٦٧ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، أي: [["أي" ساقطة من المخطوطة والمطبوعة، وأثبتها من سيرة ابن هشام، وقد مضى نهج ابن إسحاق على ذلك في الآثار السالفة.]] قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من بني آدم، فكيفَ يكون إلهًا وقد كان بذلك المنزل؟ [[الأثر: ٦٥٦٧ - هو من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٥٦٦ عن ابن إسحاق.]]
٦٥٦٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع:"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء.
* *
قال آخرون في ذلك ما:-
٦٥٦٩ - حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس = وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قوله:"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يومًا، ثم تكون عَلقةً أربعين يومًا، ثم تكون مُضْغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن يُخلق، بعث الله ملكًا يصوِّرها. فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه، فيخلطه في المضْغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوّرها كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى؟ أشقي أو سعيد، وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك. فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفن حيث أخذ ذلك التراب. [[الأثر: ٦٥٦٩- قد مضى الكلام في هذا الإسناد في رقم: ١٦٨. وحديث خلق الآدمي في بطن أمه بغير هذا اللفظ، وبغير هذا الإسناد في مسلم ١٦: ١٨٩-١٩٥، وفي البخاري في كتاب"بدء الخلق" في باب ذكر الملائكة. وفي كتاب"الحيض" باب: مخلقة وغير مخلقة.]]
٦٥٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ.
ثم أخبر - سبحانه - عن شمول علمه لكل شئ فقال : { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء } .أى أنه سبحانه - هو المطلع على كل صغير وكبير . وجليل وحقير ، فى هذا الكون ، لأنه هو الخالق له ، والمهيمن على شئونه . وصدق - سبحانه - حيث يقول : { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } وذكر - سبحانه - السماء والأرض ، للإِشارة إلى أن علمه وسع كل شئ ، وسع السموات والأرض ، وليس الإِنسان بالنسبة لهما إلا كائنا صغيرا فكيف لا يعلم - سبحانه - ما يسره هذا الانسان وما يخفيه؟وفى تكرير حرف النهى " لا " تأكيد لنفى خفاء أى شئ عليه - سبحانه - والآية الكريمة وعيد شديد للكافرين بآياته ، لأنه - سبحانه - وهو العليم بما يسرونه وما يعلنونه ، سيجازيهم بمقتضى علمه بما يستحقونه .