سورة آل عمران — الآية ٦٠
الحق الذي لا شك فيه في شأن عيسى عليه السلام هو الذي نزل عليك من ربك، فلا تكن من الشاكِّين المُتردِّدين، بل عليك الثبات على ما أنت عليه من الحق.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ وَالذِّلَّةِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ قَرَأَ الْحَسَنُ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ أَيْ نُوَفِّي أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ لَا يَرْحَمُ الْكَافِرِينَ وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ﴾ أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ [نُخْبِرُكَ بِهِ بِتِلَاوَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ] [[ساقط من أ.]] ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ ذِي الْحِكْمَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ أَيِ الْمُحْكَمُ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْبَاطِلِ وَقِيلَ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ. وَقِيلَ مِنَ الْآيَاتِ أَيِ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا قَارِئُ كِتَابٍ أَوْ مَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَأَنْتَ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لرسول الله ﷺ: مالك تَشْتُمُ صَاحِبَنَا؟ قَالَ: وَمَا أَقُولُ قَالُوا: تَقُولُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَغَضِبُوا وَقَالُوا هَلْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا قَطُّ مِنْ غَيْرِ أَبٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (١٣٦) .]] فِي كَوْنِهِ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَمَثَلِ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾ يَعْنِي لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَعْنِي فَكَانَ فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلَا تَكْوِينَ بَعْدَ الْخَلْقِ؟ قِيلَ مَعْنَاهُ ثُمَّ خَلَقَهُ ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنِّي قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِي الْخَلْقِ كَمَا يَكُونُ فِي الْوِلَادَةِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ دِرْهَمًا ثُمَّ أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا أَيْ ثُمَّ أُخْبِرُكَ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا. وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ التَّمْثِيلِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِنَوْعِ شَبَهٍ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ عِيسَى إِلَى آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِنَوْعِ شَبَهٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أَيْ هُوَ الْحَقُّ وَقِيلَ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشَّاكِّينَ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ.
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إنَّ شَأْنَهُ الغَرِيبَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّمْثِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِما بِهِ الشَّبَهُ، وهو أنَّهُ خُلِقَ بِلا أبٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ بِلا أبٍ وأُمٍّ، شَبَّهَ حالَهُ بِما هو أغْرَبُ مِنهُ إفْحامًا لِلْخَصْمِ وقَطْعًا لِمَوادِّ الشُّبْهَةِ والمَعْنى خَلَقَ قالَبَهُ مِنَ التُّرابِ. ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أوْ قَدَّرَ تَكْوِينَهُ مِنَ التُّرابِ ثُمَّ كَوَّنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَراخِي الخَبَرِ لا المُخْبَرِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وقِيلَ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ ومِن رَبِّكَ خَبَرُهُ أيِ الحَقُّ المَذْكُورُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ أوْ لِكُلِّ سامِعٍ.
﴿الحق من ربك﴾: جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، فالحق مبتدأ، ومن ربك خبر، وقيل: الحق خبر لمبتدأ محذوف، أي: ما قصصنا عليك هو الحق، ومن ربك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
﴿فلا تكن من الممترين﴾: الفاء الفصيحة، أي: إذا علمت هذا وقد علمته فلا تكن، والجملة جواب الشرط غير جازم لا محل لها من الإعراب، ولا ناهية، وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، واسمها ضمير مستتر تقديره: أنت، ومن الممترين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، المَعْنى: الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ في قِصَّةِ عِيسى الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيِ: الشّاكِّينَ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ خِطابٌ لِلْخَلْقِ، لِأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ.
شرح الكلمات:
المثل: الصفة المستغربة البديعة.
الحق من ربك: أي ما قصصناه عليك في شأن عيسى هو الحق الثابت من ربك.
الممترين: الشاكين، إذ الامتراء: الشك.
حاجك: جادلك بالحجج.
نبتهل: نلتعن أي نلعن الكاذب منا.
القصص الحق: ما قصه الله تعالى هو القصص الحق الثابت الذي لا شك فيه.
المفسدون: الذين يعملون بمعاصي الله تعالى في الأرض من الشرك وكبائر الذنوب.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عبوديّة عيسى ورسالته دون ربوبيتّه وألوهيته، فقد روي أن وفد نجران قالوا للرسول ﷺ فيما قالوا: كل آدمي له أبٌ فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُن﴾ فإذا هو كائن فأيّ داع لاتخاد عيسى إلهاً، ألكونه خلقه الله من غير أب فآدم كذلك خلق بدون أب ولا أم، وإنما كان بكلمة الله، فكذلك عيسى خُلق بكلمة الله التي هي «كُنْ» فكان، هذا هو الحق الثابت من الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام فلا تكونن من الشاكين فيه، وحاشاه ﷺ أن يشك. ولما أكثروا عليه ﷺ من التردد والمجادلة أرشده ربه تعالى إلى طريق التخلص منهم وهو المباهلة بأن يجتمعوا ويقول كل فريق: اللهم العن الكاذب منا، ومن كان كاذباً منهم يهلك على الفور فقال له ربّه تعالى: ﴿فَمَن حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْاْ..﴾ (هلموا) ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وخرج في الغد رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين إلا أن النصارى عرفوا الحق وخافوا إن لاعنوا هلكوا فهربوا من الملاعنة، ودعاهم الرسول ﷺ إلى الإسلام فأبوا ورضوا بالكفر إبقاء على زعامتهم ودنياهم ورضوا بالمصالحة فالتزموا بأداء الجزية للمسلمين والبقاء على دينهم الباطل، ثم قال تعالى ﴿إنَّ هَٰذا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ بالذي قصصناه عليك في شأن عيسى عليه السلام، وإنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنه لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا هو تعالى، وإن الله لهو العزيز الغالب الذي لا يمانع في شيء أراده، الحكيم في خلقه وتدبيره ثم توعد نصارى نجران وغيرهم من أهل الفساد في الأرض بأنه عليم بهم وسوف يحل نقمته بهم، وينزل لعنته عليهم وهو على كل شيء قدير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- ولاية الله تعالى لرسوله بإرشاده إلى الطريقة التي أنهى بها جدال النصارى الذي آلمه وأتعبه.
٢- مشروعية المباهلة غير أنها تكون في الصالحين الذين يستجاب لهم.
٣- تقرير ألوهية الله تعالى دون سواه وبطلان دعوى النصارى في تأليه عيسى عليه السلام.
٤- تهديد الله تعالى لأهل الفساد في الأرض وهم الذين يعملون بالشرك والمعاصي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةَ. (p-٦٠٢)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَهْطًا مِن أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وكانَ فِيهِمُ السَّيِّدُ والعاقِبُ، فَقالُوا لَهُ: ما شَأْنُكَ تَذْكُرُ صاحِبَنا؟ قالَ: ”مَن هُوَ؟“ قالُوا: عِيسى، تَزْعُمُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ! قالَ: ”أجَلْ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ“ . قالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ مِثْلَ عِيسى أوْ أُنْبِئْتَ بِهِ؟ ثُمَّ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: قُلْ لَهم إذا أتَوْكَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ سَيِّدَيْ أهْلِ نَجْرانَ وأُسْقُفَّيْهِمُ السَّيِّدَ والعاقِبَ لَقِيا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَسَألاهُ عَنْ عِيسى، فَقالا: كُلُّ آدَمِيٍّ لَهُ أبٌ، فَما شَأْنُ عِيسى لا أبَ لَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَمِعَ بِهِ أهْلُ نَجْرانَ أتاهُ مِنهم أرْبَعَةُ نَفَرٍ مِن خِيارِهِمْ؛ مِنهُمُ العاقِبُ، والسَّيِّدُ، وماسَرْجَسُ، ومارْبَحْرُ، فَسَألُوهُ ما يَقُولُ في عِيسى؟ قالَ: ”هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ“ . قالُوا هم: لا، ولَكِنَّهُ هو اللَّهُ نَزَلَ مِن مُلْكِهِ فَدَخَلَ في جَوْفِ مَرْيَمَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنها، فَأرانا قُدْرَتَهُ وأمْرَهُ، فَهَلْ رَأيْتَ قَطُّ إنْسانًا خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ الآيَةَ» . (p-٦٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في العاقِبِ والسَّيِّدِ مِن أهْلِ نَجْرانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قَدِمَ وفْدُهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمُ السَّيِّدُ والعاقِبُ، وهُما يَوْمَئِذٍ سَيِّدا أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فِيمَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟ قالَ: ”مَن صاحِبُكُمْ؟“ قالُوا: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، تَزْعُمُ أنَّهُ عَبْدٌ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أجَلْ، إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ“ . فَغَضِبُوا وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا عَبْدًا يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ – الآيَةَ - لَكِنَّهُ اللَّهُ. فَسَكَتَ حَتّى أتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] الآيَةَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، إنَّهم سَألُونِي أنْ أُخْبِرَهم بِمَثَلِ عِيسى“ . قالَ جِبْرِيلُ: مِثْلُ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فَلَمّا أصْبَحُوا عادُوا فَقَرَأ عَلَيْهِمُ الآياتِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: «جاءَ أُسْقُفُّ نَجْرانَ والعاقِبُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالا: قَدْ كُنّا مُسْلِمَيْنِ قَبْلَكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَذَبْتُما، مَنَعَ الإسْلامَ مِنكُما ثَلاثٌ؛ قَوْلُكُما: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وسُجُودُكُما لِلصَّلِيبِ، وأكْلُكُما لَحْمَ (p-٦٠٤)الخِنْزِيرِ“ . قالا: فَمَن أبُو عِيسى؟ فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ . إلى قَوْلِهِ ”﴿بِالمُفْسِدِينَ﴾ . فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ دَعاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُلاعَنَةِ، فَقالا: إنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُلاعِنَهُ. فَأبَيا، فَقالا: ما تَعْرِضُ سِوى هَذا؟ فَقالَ:“ الإسْلامُ أوِ الجِزْيَةُ أوِ الحَرْبُ ”فَأقَرُّوا بِالجِزْيَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . يَعْنِي فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن عِيسى أنَّهُ كَمَثَلِ آدَمَ؛ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ. قالَ:“ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ”. قالُوا: يَنْبَغِي لِعِيسى أنْ يَكُونَ فَوْقَ هَذا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ الآيَةَ. قالُوا: ما يَنْبَغِي لِعِيسى أنْ يَكُونَ مِثْلَ آدَمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «“ لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي ”» . مِن شِدَّةَ ما كانُوا يُمارُونَ النَّبِيَّ ﷺ .
(p-٦٠٥)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ الدَّلائِلِ ”، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَشُوعَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ“ طس سُلَيْمانَ ”:“ بِاسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى أُسْقُفِّ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ، إنْ أسْلَمْتُمْ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللَّهَ إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ: فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ، وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةُ، وإنْ أبَيْتُمْ فَقَدْ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ ”. فَلَمّا قَرَأ الأُسْقُفُّ الكِتابَ فَظِعَ بِهِ وذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ. فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأهُ، فَقالَ لَهُ الأسْقُفُّ: ما رَأْيُكَ ؟ فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما يُؤْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلَ؟ لَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا أشَرْتٌ عَلَيْكَ فِيهِ، وجَهِدْتُ لَكَ. فَبَعَثَ الأُسْقُفُّ إلى واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ، (p-٦٠٦)فَكُلُّهم قالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وداعَةَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وجَبّارَ بْنَ فَيْضٍ فَيَأْتُوهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهم وسَألُوهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا لَهُ: ما تَقُولُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ ما عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذا، فَأقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكم بِما يُقالُ لِي في عِيسى صُبْحَ الغَدِ ”. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ . فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ بَعْدَ ما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلَةٍ لَهُ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَ ظَهْرِهِ لِلْمُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: إنِّي أرى أمْرًا مُقْبِلًا، إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلاعَنّاهُ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنّا شَعَرٌ ولا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ. فَقالا لَهُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ: رَأْيِي أنْ أُحَكِّمَهُ؛ فَإنِّي أرى رَجُلًا لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا. فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ. فَتَلَقّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعِنَتِكَ قالَ:“ وما هُوَ؟ ”قالَ: حُكْمُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ، ولَيْلَتُكَ إلى الصَّباحِ، فَمَهْما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُلاعِنْهُمْ، وصالَحَهم عَلى الجِزْيَةِ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (p-٦٠٧)“ الدَّلائِلِ ”، عَنْ حُذَيْفَةَ، «أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ، فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا. فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ، فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا فَقالَ:“ قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ ”. فَلَمّا وقَفَ قالَ:“ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ ”» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الدَّلائِلِ ”، عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَدَعاهُما إلى الإسْلامِ فَقالا: أسْلَمْنا يا مُحَمَّدُ.
قالَ:“ كَذَبْتُما، إنْ شِئْتُما أخْبَرْتُكُما بِما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ؟ ”قالا: فَهاتِ. قالَ:“ حُبُّ الصَّلِيبِ، وشُرْبُ الخَمْرِ، وأكْلُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ ”. قالَ جابِرٌ: فَدَعاهُما إلى المُلاعَنَةِ، فَواعَداهُ إلى الغَدِ، فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِما فَأبَيا أنْ يُجِيباهُ، وأقَرّا لَهُ، فَقالَ:“ والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا ”. قالَ جابِرٌ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ جابِرٌ: ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلِيٌّ، و ﴿أبْناءَنا﴾: الحَسَنُ والحُسَيْنُ ﴿ونِساءَنا﴾ فاطِمَةُ» .
(p-٦٠٨)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ «وفْدَ نَجْرانَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: ما تَقُولُ في عِيسى؟ فَقالَ:“ هو رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، وعَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ”. قالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ نُلاعِنَكَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ قالَ:“ وذاكَ أحَبُّ إلَيْكُمْ؟ ”قالُوا: نَعَمْ. قالَ:“ فَإذا شِئْتُمْ ”. فَجاءَ وجَمَعَ ولَدَهُ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَقالَ رَئِيسُهم: لا تُلاعِنُوا هَذا الرَّجُلَ، فَواللَّهِ لَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ لَيُخْسَفَنَّ بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ. فَجاءُوا فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ إنَّما أرادَ أنْ يُلاعِنَكَ سُفَهاؤُنا، وإنّا نُحِبُّ أنْ تُعْفِيَنا. قالَ:“ قَدْ أعْفَيْتُكم ”. ثُمَّ قالَ:“ إنَّ العَذابَ قَدْ أظَلَّ نَجْرانَ ”» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في“ الدَّلائِلِ ”، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ، والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُما:“ أسْلِما ”. قالا: أسْلَمْنا. قالَ:“ ما أسْلَمْتُما ”. قالا: بَلى، قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ. قالَ:“ كَذَبْتُما، يَمْنَعُكم مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا ”. ونَزَلَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ. ونَزَلَ: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ . يَقُولُ: مَن جادَلَكَ في أمْرِ عِيسى مِن بَعْدِ ما جاءَكَ ﴿مِنَ العِلْمِ﴾: مِنَ القُرْآنِ، ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ . يَقُولُ: نَجْتَهِدُ في الدُّعاءِ أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الحَقُّ وأنَّ الَّذِي يَقُولُونَ هو الباطِلُ. فَقالَ لَهم:“ إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكم ”. فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ. فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ إنَّهُ لاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهم، فَإنْ أنْتُمْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم. وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ ”. فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في“ الدَّلائِلِ ”، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ العَرَبِ مِن أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ . يُرِيدُ: نَدْعُ اللَّهَ بِاللَّعْنَةِ عَلى الكاذِبِ. فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ. فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهم، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وهو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ، فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرٍ وألْفٍ (p-٦١٠)فِي رَجَبٍ ودَراهِمَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الدَّلائِلِ ”، عَنْ قَتادَةَ: «﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾: في عِيسى، ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةَ. فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ وفْدَ نَجْرانَ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوهُ في عِيسى، فَنَكَصُوا وأبَوْا. وذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ إنْ كانَ العَذابُ لَقَدْ نَزَلَ عَلى أهْلِ نَجْرانَ، ولَوْ فَعَلُوا لاسْتُؤْصِلُوا عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ ”» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ أهْلُ نَجْرانَ أعْظَمَ قَوْمٍ مِنَ النَّصارى قَوْلًا في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، فَكانُوا يُجادِلُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ في سُورَةِ“ آلِ عِمْرانَ ”: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ . فَأُمِرَ بِمُلاعِنَتِهِمْ، فَواعَدُوهُ لِغَدٍ، فَغَدا النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرِ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الدَّلائِلِ ”، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ باهَلَ أهْلُ نَجْرانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ (p-٦١١)أهْلًا ولا مالًا.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ . دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا، فَقالَ:“ اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلْباءَ بْنِ أحْمَرَ اليَشْكُرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ. أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ، ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمُ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ إخْوانَكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، لا تُلاعِنُوا. فانْتَهَوْا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، في هَذِهِ الآيَةِ: «﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةَ. قالَ: فَجاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ، وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ، وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ، وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (p-٦١٢)﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: نَجْتَهِدُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ هَذا الإخْلاصُ ”يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ.“ وهَذا الدُّعاءُ ”فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكِبَيْهِ.“ وهَذا الِابْتِهالُ " فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ . يَقُولُ: إنَّ هَذا الَّذِي قُلْنا في عِيسى هو الحَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: كانَ بَيْنَ ابْنِ عَبّاسٍ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ واسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ .
﴿ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾: الشاكِّين.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيُّها السامِعُ ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ مِن بابِ التَهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَباتِ، لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الِامْتِراءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ. وَالتَّشْبِيهُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَآدَمَ، لَا عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ. وَالشَّيْءُ قَدْ يُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ كَبِيرٌ بَعْدَ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ وَلَمْ يُخْلَقْ عِيسَى مِنْ تُرَابٍ فَكَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَكِنْ شَبَهُ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا خَلْقَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَلِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَتِهِمَا كَانَ مِنْ تُرَابٍ لِأَنَّ آدَمَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ نفس التراب، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ التُّرَابَ طِينًا ثُمَّ جَعَلَهُ صَلْصَالًا ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ عِيسَى حَوَّلَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِ وَفْدِ نَجْرَانَ حِينَ أَنْكَرُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَهُ: (إِنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) فَقَالُوا: أَرِنَا عَبْدًا خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: (آدَمُ مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَبٌ؟ فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ). فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أَيْ فِي عِيسَى "إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ" فِي آدَمَ ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣] [[راجع ج ١٣ ص ٢٨.]]. وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: قَدْ كُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلَكَ. فَقَالَ: (كَذَبْتُمْ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: قَوْلُكُمُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرَ، وَسُجُودُكُمْ لِلصَّلِيبِ). فَقَالُوا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ" إلى قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ يعضهم لِبَعْضٍ: إِنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْكُمْ نَارًا. فَقَالُوا: أَمَا تَعْرِضُ عَلَيْنَا سِوَى هَذَا؟ فَقَالَ: (الْإِسْلَامُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ الْحَرْبُ) فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ "آدَمَ". ثُمَّ قَالَ: "خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" أَيْ فَكَانَ؟. وَالْمُسْتَقْبَلُ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي إِذَا عُرِفَ الْمَعْنَى. قَالَ الْفَرَّاءُ: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) مَرْفُوعٌ بِإِضْمَارٍ هُوَ. أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ وَخَبَرُهُ فِي قَوْلِهِ "مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ هُوَ فَاعِلٌ، أَيْ جَاءَكَ الْحَقُّ. "(فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) " الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
القول في تأويل قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذي أنبأتك به من خبر عيسى، وأنَّ مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ربه"كن" = هو الحق من ربك، يقول: هو الخبر الذي هو من عند ربك ="فلا تكن من الممترين"، يعني: فلا تكن من الشاكين في أنّ ذلك كذلك، [[انظر تفسير"الامتراء"، وتفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ١٩٠، ١٩١.]] كما:-
٧١٦٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"الحق من ربك فلا تكن من الممترين"، يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه.
٧١٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"الحق من ربك فلا تكن من الممترين"، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون.
٧١٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"الحق من ربك"، ما جاءك من الخبر عن عيسى ="فلا تكن من الممترين"، أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه. [[الأثر: ٧١٦٩- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، ٢٣٢، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧١٦٥، فانظر التعليق على هذا الأثر. وفي سيرة ابن هشام"فلا تمترين فيه"، وهي أجود.]]
٧١٧٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلا تكن من الممترين"، قال: والممترون الشاكون.
* *
"والمرية""والشك""والريب"، واحد سواءٌ، كهيئة ما تقول:"أعطني""وناولني""وهلم"، فهذا مختلف في الكلام وهو واحد.
ثم بين - سبحانه - أن ما أخبر به عباده فى شأن عيسى وغيره هو الحق الذى لا يحوم حوله باطل فقال - تعالى - { الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين } .والامتراء هو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق .وهو - كما يقول الرازى - مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذى يجتذب عند الحلب . يقال : قد مارى فلان فلانا إذا جادله كأنه يستخرج غضبه .والمعنى : هذا الذى أخبرناك عنه يا محمد من شأن عيسى ومن شأن غيره هو الحق الثاتب اليقينى الذى لا مجال للشك فيه ، وما دام الأمر كذلك فاثبت على ما أنت عليه من حق ، ولا تكونن من الشاكين فى أى شىء مما أخبرناك به .وقد أكد - سبحانه - أن ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق بثلاثة تأكيدات :أولها : بالتعريف فى كلمة { الحق } أى ما أخبرناك به هو الحق الثابت الذى لا يخالطه باطل .ثانيها : بكونه من عنده - سبحانه - وكل شىء من عنده فهو صدق لا ريب فيه .ثالثها : بالنهى عن الامتراء والشك فى ذلك الحق ، لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل أو امتراء .قال الآلوسى : وقوله { فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين } خطاب له صلى الله عليه وسلم ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلى الله عليه وسلم بل ذكروا فى هذا الأسلوب فائدتين :إحداهما : أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحكرت منه الأريحية فيزداد فى الثبات على اليقين نورا على نور .وثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالته التى لا تصل إليها الأمانى - إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ ففى ذلك ثبات له صلى الله عليه وسلم ولطف بغيره " .