سورة آل عمران — الآية ٨٤
قل - أيها الرسول -: آمنا بالله إلهًا، وأطعناه فيما أمرنا به، وآمنا بالوحي الذي أنزله علينا، وبما أنزله على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وبما أنزله على الأنبياء من ولد يعقوب، وبما أُوتي موسى وعيسى والنبيون جميعًا من الكتب والآيات من ربهم، لا نفرق بينهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، ونحن منقادون لله وحده مستسلمون له تعالى.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [[انظر: تفسير القرطبي: ٤ / ١٢٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢ / ٥١٤، أسباب النزول للواحدي ص (١٤٦) .]] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ ، ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ خَضَعَ وَانْقَادَ، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ فَالطَّوْعُ: الِانْقِيَادُ وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ، وَالْكُرْهُ: مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ مِنَ النَّفْسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: أسلم أهل السموات طَوْعًا وَأَسْلَمَ مَنْ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ كَرْهًا، خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالسَّبْيِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَوْعًا الْمُؤْمِنُ، وَكَرْهَا ذَلِكَ الْكَافِرُ، بِدَلِيلِ: " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ من في السموات وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ " [الرعد: ١٥] وَقِيلَ: هَذَا يَوْمُ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ لَهُمْ: " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ: كَرْهًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُؤْمِنُ أَسْلَمَ طَوْعًا فَنَفَعَهُ، وَالْكَافِرُ أَسْلَمَ كَرْهًا فِي وَقْتِ الْبَأْسِ فَلَمْ يَنْفَعْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ﴾ [غافر: ٨٥] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَارِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا الَّذِي ﴿وُلِدَ﴾ [[ساقط من: أ.]] فِي الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يُسْبَى مِنْهُمْ فَيُجَاءُ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قَرَأَ بِالْيَاءِ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ كَمَا قَرَأَ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ ﴿يَبْغُونَ﴾ بِالْيَاءِ وَ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِالتَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَالثَّانِي عَامٌّ، لِأَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
ذَكَرَ الْمِلَلَ وَالْأَدْيَانَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ نَزَلَتْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا مَكَّةَ كُفَّارًا، مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَهْدِي اللَّهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَيْفَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ وَذَلِكَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ لَمَّا لَحِقَ بِالْكُفَّارِ نَدِمَ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ: أَنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[انظر: الطبري: ٦ / ٥٧٣، أسباب النزول ص (١٤٧) .]] لَمَّا كَانَ مِنْهُ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنَّكَ -وَاللَّهِ -مَا عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَأَصْدَقُ مِنْكَ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ [[ساقط من: ب وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (١٤٨) ، الطبري: ٦ / ٥٧٨ - ٥٧٩، الدر المنثور: ٢ / ٢٥٨.]] بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَمَّا رَأَوْهُ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا يَعْنِي: ذُنُوبًا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ أَشْرَكُوا بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ: أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى هَلَكُوا عَلَيْهِ [[انظر: الدر المنثور: ٢ / ٢٥٨ - ٢٥٩، أسباب النزول ص (١٤٨) .]] .
قَالَ الْحَسَنُ: ازْدَادُوا كُفْرًا كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِهَا، فَازْدَادُوا كُفْرًا وَقِيلَ: ازْدَادُوا كُفْرًا بِقَوْلِهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، لَمَّا رَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَقَامُوا هُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَكَّةَ وَقَالُوا: نُقِيمُ عَلَى الْكُفْرِ مَا بَدَا لَنَا فَمَتَى أَرَدْنَا الرَّجْعَةَ يَنْزِلُ فِينَا مَا نَزَلَ فِي الْحَارِثِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَنَزَلَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ كَافِرًا
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الْآيَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَعَدَ اللَّهُ قَبُولَ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ قِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا (رَجَعُوا فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ) [[في ب: إذا وقعوا في الحشرجة.]] كَمَا قَالَ: " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ " سُورَةُ النِّسَاءِ الْآيَةُ (١٨) .
وَقِيلَ هَذَا فِي أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَيْثُ أَمْسَكُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ فَإِنْ سَاعَدَهُ الزَّمَانُ نَرْجِعُ إِلَى دِينِهِ، لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُتَرَبِّصُونَ غَيْرُ مُحَقِّقِينَ، وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ ومُتابِعِيهِ بِالإيمانِ، والقُرْآنُ كَما هو مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ وأيْضًا المَنسُوبُ إلى واحِدٍ مِنَ الجَمْعِ قَدْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، أوْ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُلُوكِ إجْلالًا لَهُ، والنُّزُولُ كَما يُعَدّى بِإلى لِأنَّهُ يَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ يُعَدّى بِعَلى لِأنَّهُ مِن فَوْقُ، وإنَّما قَدَّمَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المُنْزَلِ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ والعِيارُ عَلَيْهِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ أوْ مُخْلِصُونَ في عِبادَتِهِ.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾ الأسباط: يُوسُف وَإِخْوَته، إِلَى قَوْله ﴿مُسلمُونَ﴾ قَالَ الْحسن: هَذَا مَا أَخذ الله على رَسُوله، وَلم يُؤْخَذ عَلَيْهِ مَا أَخذ على الْأَنْبِيَاء فِي قَوْله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ إِذْ لَا نَبِي بعده
﴿قل آمنا بالله﴾: كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، وقل فعل أمر، وفاعله: أنت، وآمنا فعل ماض وفاعل، وجملة آمنا مقول القول، وبالله جار ومجرور متعلقان بآمنا.
﴿وما أنزل علينا﴾: الواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على لفظ الجلالة، وجملة أنزل علينا صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾: الواو حرف عطف، وما اسم معطوف على ما الأولى، وأنزل فعل ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، وجملة أنزل صلة ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب، وعلى إبراهيم جار ومجرور متعلقان بأنزل، والأسماء المتعاقبة عطف على إبراهيم.
﴿وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم﴾: عطف على ما تقدم، وأوتي فعل ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، وموسى نائب فاعل، وما بعده عطف عليه، ومن ربهم جار ومجرور متعلقان بأوتي.
﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾: لا نافية، ونفرق فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، وبين ظرف مكان متعلق بنفرق، وأحد مضاف إليه، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد، والجملة حالية.
﴿ونحن له مسلمون﴾: الواو حالية، أو استئنافية، ونحن مبتدأ، وله جار ومجرور متعلقان بـ﴿مسلمون﴾. ومسلمون خبر نحن، وجملة ﴿ونحن له مسلمون﴾ في محل نصب على الحال، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ إلَيْهِ، فَرَجَعَ تائِبًا [فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنهُ، وخَلّى عَنْهُ ]» (p-٤١٨)رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ أنَّ اسْمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ: الحارِثُ بْنُ سُوِيدٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَشْرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا، فِيهِمُ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، فَنَدِمَ، فَرَجَعَ. رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، عَرَفُوا النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ. رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: إنَّ "كَيْفَ" هاهُنا لَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها الجَحْدُ، أيْ: لا يَهْدِي اللَّهُ هَؤُلاءِ.
شرح الكلمات:
الأسباط: جمع سِبْط والسِّبط الحفيد، والمراد بالأسباط هنا أولاد يعقوب الإثنا عشر والأسباط في اليهود كالقبائل في العرب.
يبْتغ: يطلب ويريد ديناً غير الدين الإسلامي.
الخاسرين: الهالكين بالخلد في نار جهنم والذين خسروا كل شيء حتى أنفسهم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في حجاج أهل الكتاب فبعد أن وبخهم تعالى بقوله في الآيات السابقة أفغير دين الله تبتغون يا معشر اليهود والنصارى؟ فإن قالوا: نعم فقل أنت يا رسولنا آمنا بالله وما أنزل علينا من وحيٍ وشرع وآمنا بما أنزل على إبراهيم خليل الرحمن وما أنزل على ولديه إسماعيل وإسحاق، وما أنزل على يعقوب وأولاده الأسباط، وآمنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل، وما أوتي النبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد من أنبيائه بل نؤمن بهم وبما جاءوا به فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما هي حالكم يا معشر اليهود والنصارى. ونحن لله تعالى مسلمون أي منقادون مطيعون لا نعبده بغير ما شرع ولا نعبد معه سواه. هذا معنى الآية الأولى [٨٤]. أما الآية الثانية [٨٥] فإن الله تعالى يقرر أن كل دين غير الإسلام باطل، وإن من يطلب ديناً غير الإسلام لن يقبل منه بحال ويخسر في الآخرة خسراناً كبيراً فقال تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخاسِرِينَ﴾ الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.
٢- الإسلام: هو الإنقياد والخضوع لله تعالى وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم.
٣- بطلان سائر الأديان والملل سوى الدين الإسلامي وملة محمد ﷺ.
﴿وَٱلۡأَسۡبَاطِ﴾: الأنبياءِ الذين كانُوا في قبائلِ بني إسرائيل مِن ولَدِ يعقوبَ.
﴿مُسۡلِمُونَ﴾: مُنقادُون بالطاعةِ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ وعَمَّنْ مَعَهُ بِالإيمانِ، فَلِذا وحَّدَ الضَمِيرَ في "قُلْ" وجَمَعَ في "آمَنّا"، أوْ أمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ إجْلالًا مِنَ اللهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وعُدِّيَ "أُنْزِلَ" هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وفي البَقَرَةِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ، إذِ الوَحْيُ يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ ويَنْتَهِي إلى الرَسُولِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ، وقالَ صاحِبُ "اللُبابِ": والخِطابُ في البَقَرَةِ لِلْأُمَّةِ، لِقَوْلِهِ: "قُولُواْ" فَلَمْ يَصِحَّ إلّا "إلى"، لِأنَّ الكُتُبَ مُنْتَهِيَةٌ إلى الأنْبِياءِ وإلى أُمَّتِهِمْ جَمِيعًا، وهُنا قالَ: "قُلْ" وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، فَكانَ اللائِقُ بِهِ "عَلى"، لِأنَّ الكُتُبَ مُنَزَّلَةٌ عَلَيْهِ لا شَرِكَةَ لِلْأُمَّةِ فِيهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٢] ﴿وَما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ أوْلادُ يَعْقُوبَ، وكانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ.
﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ﴾ كَرَّرَ في البَقَرَةِ ﴿وَما أُوتِيَ﴾ ولَمْ يُكَرِّرْ هُنا لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الإيتاءِ، حَيْثُ قالَ: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ،
﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في الإيمانِ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَصارى ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُوَحِّدُونَ مُخْلِصُونَ أنْفُسَنا لَهُ، لا نَجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في عِبادَتِنا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابَهُ اخْتَصَمُوا مَعَ النَّصَارَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَيُّنَا أَحَقُّ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (كَلَا الفريقين برئ مِنْ دِينِهِ). فَقَالُوا: مَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَنَزَلَ "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ" يَعْنِي يَطْلُبُونَ. وَنُصِبَتْ "غَيْرُ" بِيَبْغُونَ، أَيْ يَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ "يَبْغُونَ" بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ. قَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَالثَّانِيَ عَامٌّ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى. وَقَرَأَ حفص وغيره "يبغون، ويرجعون" بِالْيَاءِ فِيهِمَا، لِقَوْلِهِ: "فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ". وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَابِ، لِقَوْلِهِ "لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أَيِ اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ وَخَضَعَ وَذَلَّ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُنْقَادٌ مُسْتَسْلِمٌ، لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ. قَالَ قَتَادَةُ: أَسْلَمَ الْمُؤْمِنُ طَوْعًا وَالْكَافِرُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَرْهًا وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [المؤمن: ٨٥] [[راجع ج ١٥ ص ٣٣٦.]]. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِسْلَامُ الْكَافِرِ كَرْهًا بِسُجُودِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسُجُودِ ظِلِّهِ لِلَّهِ، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] [[راجع ج ١٠ ص ١١١.]]. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] [[راجع ج ٩ ص ٣٠١.]]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ وَكُلُّهُمْ مُنْقَادُونَ اضْطِرَارًا، فَالصَّحِيحُ مُنْقَادٌ طَائِعٌ مُحِبٌّ لِذَلِكَ، وَالْمَرِيضُ مُنْقَادٌ خَاضِعٌ وإن كان كارها. والطوع الانقياد وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ. وَالْكُرْهُ مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ من النفس. وَ (طَوْعاً وَكَرْهاً) مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ طَائِعِينَ وَمُكْرَهِينَ. وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً" قَالَ: (الْمَلَائِكَةُ أَطَاعُوهُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَنْصَارُ وَعَبْدُ الْقَيْسِ فِي الْأَرْضِ). وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَأَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ السَّيْفِ (. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "طَوْعاً" مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْرِ مُحَاجَّةٍ "وَكَرْهاً" مَنِ اضْطَرَّتْهُ الْحُجَّةُ إِلَى التَّوْحِيدِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] [[راجع ج ١٦ ص ١٢٣.]] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] [[راجع ج ١٣ ص ٣٦١.]]. قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُمُومٌ مَعْنَاهُ الْخُصُوصُ. وَعَنْهُ: "أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ" وَتَمَّ الْكَلَامُ. ثُمَّ قَالَ: "وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً". قَالَ: وَالْكَارِهُ الْمُنَافِقُ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ. وَ "طَوْعاً وَكَرْهاً" مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا اسْتَصْعَبَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُمْ أَوْ كَانَتْ شَمُوسًا [[شمست الدابة: شردت وجمحت ومنعت ظهرها.]] فَلْيَقْرَأْ فِي أُذُنِهَا هَذِهِ الْآيَةَ: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً" إِلَى آخِرِ الآية.
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"أفغير دين الله تبغون"، يا معشر اليهود،"وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه ترجعون" = فإن ابتغوا غيرَ دين الله، يا محمد، فقل لهم:"آمنا بالله"، فترك ذكر قوله:"فإن قالوا: نعم"، أو ذكر قوله: [[في المطبوعة: "وذكر قوله"، جعل الواو مكان "أو"، والصواب ما في المخطوطة.]] "فإن ابتغوا غير دين الله"، لدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
وقوله:"قل آمنا بالله"، يعني به: قل لهم، يا محمد،: صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحدًا سواه ="وما أنزل علينا"، يقول: وقل: وصدَّقنا أيضًا بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله، فأقررنا به ="وما أنزل على إبراهيم"، يقول: وصدقنا أيضًا بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب = وبما أنزل على"الأسباط"، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماءَهم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٢: ١٢٠، ١٢١ / ٣: ١١١-١١٣.]] ="وما أوتي موسى وعيسى"، يقول: وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي، وبما أنزل على النبيين من عنده.
والذي آتى الله موسى وعيسى = مما أمرَ الله عز وجل محمدًا بتصديقهما فيه، والإيمان به = التوراة التي آتاها موسى، والإنجيل الذي أتاه عيسى.
="لا نفرق بين أحد منهم"، يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم ="ونحن له مسلمون". يعني: ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره.
ويعني بقوله:"ونحن له مسلمون". ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، [[في المطبوعة: "بالعبودية" كما فعل في سابقتها، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر ما سلف قريبًا ص: ٥٦٥، تعليق: ٢.]] مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره. وقد ذكرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضى، وكرهنا إعادته. [[يعني ما سلف ٣: ١٠٩-١١١، وهي نظيرة هذه الآية، وانظر فهارس اللغة"سلم".]]
قوله { والأسباط } جمع سبط وهو الحفيد ، والراد بهم أولاد يعقوب - عليه السلام - وكانوا اثنى عشر ولدا قال - تعاىل - : { وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً } وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام - .والمعنى : { قُلْ } يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل كوجحدوا الحق مع علمهم به ، قل لهم ولغيرهم { آمَنَّا بالله } أى آمنت أنا وأتباعى بوجود الله ووحدانيته ، واستجبنا له فى كل ما أمرنا به ، أو نهانا عنه .وآمنا كذلك بما { أُنزِلَ عَلَيْنَا } من قرآن يهدى إلى الرشد ، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم .وآمنا أيضاً بما أنزله الله - تعالى - من وحى وصحف على { ا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط } .وآمنا - أيضاً - بما آتاه الله لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من المعجزات ، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على صدقهم .{ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } أى لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب ، إذ فرقوا بين أنبياء الله وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } وهم فى الحقيقة كافورن بهم جميعاً ، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر بهم جميعاً ، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو استثناء .{ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أى خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية . مستجيبون له فى كل ما أمرنا به وما نهانا عنه .فالآية الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعمن معه بأنهم آمنوا بالله وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم ، لأنها شرائع الله - تعالى - التى أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط بعضها ببعض ، وكلها تتفق على كلمة واحدة هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والطاعة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزل فى هذه الآية بحرف الاستعلاء { أُنزِلَ عَلَيْنَا } ، وفيما تقدم من مثلها - فى سورة البقرة - بحرف الانتهاء؟ { أُنْزِلَ إِلَيْنَا } قلت : لوجود المعنيين جميعا ، لأن الوحى ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر .ومن قال إنما قيل هنا { عَلَيْنَا } لقوله ( إِلَيْنَا ) وقيل هناك ( قولوا ) تفرقة بين الرسل والمؤمنين ، لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء ، ويأتيهم على وجه الانتهاء ، من قال ذلك تعسف . ألا ترى إلى قوله ( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) وإلى قوله { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ } وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر ، لأن أهل الكتاب يزعمون أنهم يؤمنون بهم ويتبعونهم ، فاراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل ، لأنهم لن يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .وقوله - تعالى - { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } بيان لثمرة الإيمان الحق الذى رسخ فى قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل الله جميعا قد أرسلهم - سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وإذا وجد تفاضل أو اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون فى أمور أخرى سوى الإيمان بالله وإفراده بالعبودية ، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق . وقد جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة للرسالات ، وجامعة لكل ما فيها من محاسن فوجب الإيمان بها ، وإلا كان الكفر بها كفراً بجميع الرسالات السابقة عليها .وقوله { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يفيد الحصر ، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا ، وأخلصنا عبادتنا . لا لغيره كائنا من كان هذا الغير .وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة لله رب العالمين .